آيـة نـوح

     نواصل بحثنا بحسب التسلسُل الزمنيّ من البداية آدم/حوّاء و قايين/هابيل والنبيّ الجدير بالذكر الذي سنتحدُّث عنه، والذي ورد ذكره في التوراة، هو نوح (عليه السلام)، الذي عاش بعد آدم ﺒ 1600 سنة تقريبًا.  يجد العديد من الناس في الغرب أنَّ قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) والطوفان غير قابلة للتصديق.  لكنَّ العالم مغطَّى بالصخور الرسوبيَّة التي تشكَّلت من الرواسب خلال طوفانٍ ما.  لذلك، لدينا أدلَّة ماديَّة على حدوث هذا الطوفان، ولكن ما هي آية نوح التي ينبغي أن نوليها اهتمامنا؟  الرجاء النقر هنا لقراءة قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) في التوراة والقرآن.

خسارة الرحمة والحصول عليها

     عندما أتحدَّث إلى الغربيِّين عن دينونة الله، يكون الجواب الذي أتلقّاه في معظم الأحيان شيئًا من هذا القبيل:  ‘‘أنا لست قلقًا جدًّا من موضوع الدينونة لأنَّ الله واسع الرحمة بحيث أنّني لا أعتقد بأنّه سيُدينني حقًّا’’.  إنَّ قصَّة نوحٍ (عليه السلام) هذه، هي ما دعاني في الحقيقة إلى التشكيك في ذلك النوع من التفكير.  نعم، إنَّ الله رحمَن رحيم، وبما أنّه لا يتغيَّر، فإنّه كان أيضًا ممتلئًا رحمةً في زمن نوح (عليه السلام).  ومع ذلك، تمَّ تدمير العالم كلّه (باستثناء نوح وأسرته) في تلك الدينونة.  فأين كانت رحمته عندها؟  لقد كانت في الفُلْك.  كما تقول لنا الآية 64 من سورة الأعراف:

‘‘فأنجَيتَه (أنا الله) والذينَ معَه (مع نوحٍ) في الفُلك’’

     إنَّ الله في رحمته، استخدم النبيّ نوح (عليه السلام)، ووفَّر له فُلكًا مُتاحًا للجميع.  لقد كان بإمكان أيِّ شخصٍ أن يدخل الفُلك ويلقى الرحمة والأمان.  إنَّ المشكلة أنَّ ردَّ فعل الجميع تقريبًا بالنسبة إلى الرسالة كان الشكّ وعدم التصديق.  سخروا من نوحٍ (عليه السلام) ولم يصدِّقوا الدينونة الآتية.  لو أنَّهم فقط دخلوا الفُلك، لكانوا نجوا من الدينونة.

     تقول لنا الآية في القرآن الكريم أيضًا إنَّ أحد أبناء نوح كان يؤمن بالله وبالدينونة القادمة.  وحقيقة أنّه كان يحاول تسلُّق الجبل، يدلّنا على أنّه كان يحاول الهرب من دينونة الله (وبالتالي، لا بدَّ أنّه كان يؤمن بالله وبالدينونة).  ولكن كانت هناك مشكلة مرَّة أخرى.  فهو لم يجمع ما بين إيمانه وخضوعه، بل اختار بدلاً من ذلك أن يعمل وفق طريقته الخاصّة للهرب من الدينونة.  لكنَّ أباه قال له:

‘‘قال لا عاصِمَ اليومَ مِن أمرِ الله إلاَّ مَن رَّحِمَ’’

سورة هود (43:11)

     كان هذا الابن في حاجة إلى رحمة الله وليس إلى جهوده الخاصّة للهرب من الدينونة.  كانت محاولاته لتسلُّق الجبل عقيمة.  لهذا، كانت نتيجة ذلك بالنسبة إليه عينها بالنسبة إلى أولئك الذين سخِروا من النبيّ نوح (عليه السلام) – الموت غرقًا.  لو أنّه فقط قد دخل الفُلك، لكان قد نجا أيضًا من الدينونة.  من هذا المــُنطَلق، يمكننا أن نعرف أنَّ مجرَّد الإيمان بالله وبالدينونة ليس كافيًا للهروب منه.  في واقع الأمر، إنَّ في الاستسلام لرحمة الله، بدلاً من أفكارنا الخاصّة، يمكننا أن نكون واثقين من أننا سوف نلقى الرحمة.  هذه هي آية نوح (عليه السلام) لنا – الفُلك.  كانت هذه آية عامّة خاصّة بدينونة الله، فضلاً عن كونها تتعلَّق بوسائل الله للرحمة والنجاة.  في حين كان بإمكان الجميع مشاهدة الفُلك وهو يُبنى، كانت تلك ‘آية واضحة’ على الدينونة القادمة والرحمة المـــُتاحة على حدٍّ سواء.  لكنَّ هذا يدلُّ على أنَّه لا يمكن نَيل رحمته إلاّ من خلال التدبير الذي وضعه الله.

      فلماذا إذن وجد نوح رحمة الله؟  يكرِّر كتاب التوراة مرَّاتٍ عدَّة عبارة

‘‘وفعل نوح حسب كلّ ما أمره به الربّ’’

      أجد نفسي ميّالاً إلى فعل ما أفهمه أو ما أحبُّه أو ما أتَّفق معه.  أنا متأكِّدٌ من أنَّ نوح (عليه السلام) لا بدَّ كان لديه العديد من الأسئلة في ذهنه حول تحذير الله من طوفانٍ قادم، وحول الأمر الذي أصدره إليه ببناء مثل هذا الفُلك الضخم على اليابسة.  إنّني متأكِّد من أنّه كان يمكن أن يفكِّر كالتالي، بما أنَّه كان رجلاً صالحًا في مجالاتٍ أخرى، فهو ربّما لم يكن مضطرًّا إلى أن يولي اهتمامًا لبناء هذا الفُلك.  لكنّه فعل ‘كل’ ما أُمِر به – وليس فقط ما قاله له الله، وليس ما كان يفهمه، وليس ما كان يرتاح إلى فعله، وليس، حتَّى، ما كان منطقيًّا بالنسبة إليه.  إنّه مثالٌ عظيمٌ لنا لنقتدي به.

باب الخلاص

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ أهل بيت نوح والبهائم والطيور دخلوا الفُلك بعد دخول نوح إليه، ثمَّ،

‘‘أغلق الربُّ عليه’’

     كان الله هو من يتحكَّم ويُدير الباب الوحيد المؤدّي إلى داخل الفُلك – وليس نوح (عليه السلام).  عندما جاء يوم الدينونة وجاءت مياه الطوفان، ما كان يمكن لأيِّ قدرٍ من الطرق على الفُلك من الأشخاص الواقفين خارجًا، أن يدفع نوح إلى أن يفتح الباب.  كان الله هو من يتحكَّم بذلك الباب الوحيد.  ولكن في الوقت عينه، كان بإمكان أولئك الذين في الداخل أن يشعروا بالراحة وهم واثقون بأنّه ما دام الله هو المسيطر على باب الفُلك، فإنَّه لا يمكن لأيِّة رياحٍ أو موجٍ  أن يفتح الباب عنوةً.  لقد كانوا آمنين في باب رعاية الله ورحمته.

     بما أنَّ الله لا يتغيَّر، فهذا من شأنه أن ينطبق أيضًا بالنسبة إلينا اليوم.  يحذِّر جميع الأنبياء من أنَّ هناك دينونة أخرى قادمة – وهذه ستكون من النار – لكنَّ آية نوح (عليه السلام) تؤكِّد لنا من أنَّ الله، إلى جانب دينونته، سوف يمنحنا الرحمة.  ولكن ينبغي أن نبحث عن ‘الفُلك’ ذي الباب الواحد الذي سيضمن لنا تلقّي الرحمة.

ذبيحة الأنبياء

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ نوح (عليه السلام):

وبنى نوح مذبحًا للربّ. وأخذ من كلِّ البهائم الطاهرة ومن كلّ الطيور الطاهرة

وأصعد محرقاتٍ على المذبح.  (تكوين 20:8)

        هذا يتلاءم مع نموذج آدم/حوّاء و قايين/هابيل في تقديم الحيوانات كذبائح.  وهذا يعني مرَّة أخرى، أنّه من خلال موت حيوانٍ ما وسفك دمه، كان النبيّ نوح (عليه السلام) يرفع صلاته إلى الله وكانت مقبولة لديه.  في واقع الأمر، تقول التوراة إنّ الله ‘بارك نوحًا وبنيهِ’ بعد تقديم الذبيحة (تكوين 1:9) و‘أقام ميثاقًا بينه وبين نوح’ (تكوين 8:9) أن لا ينقرض البشر جميعًا مرَّة أخرى بمياه الطوفان.  لذلك يبدو أنَّ تقديم الذبيحة وموت الحيوان وسفك دمه مِن قِبَل نوح، كان حاسمًا في عبادته لله.  ما مدى أهميَّة هذا الأمر؟  نتابع تاليًا دراستنا من خلال أنبياء التوراة مع لوط.

ما سبب وجود نصوص الأناجيل الأربعة عوضًا عن إنجيلٍ واحدٍ؟

     يُطرَح عليَّ في بعض الأحيان هذا السؤال، إذا كان هناك إنجيلٌ واحدٌ، فلماذا يتضمَّن الكتاب (الكتاب المقدَّس) أناجيل أربعة كتب كلَّ واحدٍ منها مؤلِّفٌ مختلف؟  ألن يجعلهم ذلك عرضةً للخطأ (والتناقض) البشريّ المصدر وغير منزلين من عند الله؟

     يقول الكتاب المقدَّس (الكتاب) متحدِّثًا عن نفسه:  ‘‘كلُّ الكتابِ هو موحى به من الله ونافعٌ للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البرّ لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهّبًا لكلِّ عملٍ صالحٍ’’ (2 تيموثاوس 16:3-17).  إذًا، يؤكِّد الكتاب المقدَّس/الكتاب، أنَّ الله هو المؤلِّف النهائي بما أنّه هو الذي أوحى بالكتاب لمن كتبه من البشر.  يتّفق القرآن الكريم اتّفاقًا تامًّا مع الكتاب المقدَّس حول هذه النقطة كما رأينا في الموقع حول ما يقوله القرآن الكريم عن الكتاب المقدَّس.  ورأينا أيضًا هنا أنَّ عيسى المسيح وعد تلاميذه بإرشاد روح الحقّ (الروح القدس) لهم عندما سيشهدون للإنجيل. 

     ولكن كيف نفهم وجود أناجيل أربعة عوضًا عن إنجيلٍ واحدٍ؟  غالبًا ما نجد في القرآن الكريم آياتً متعدّدة تعيد رواية حدثٍ واحدٍ، وهذه مجتمعة تسمح لنا بتكوين صورة كاملة عن ذلك الحدث.  على سبيل المثال، استَخدمت الأسفار المقدّسة في الدرس الذي موضوعه آية آدم، سورة 19:7-26 (الأعراف) لتخبرنا عن آدم في الفردوس.  ولكنّها استخدمت أيضًا سورة 121:20-123 (طه).  وقدَّمت لنا هذه الفقرة الثانية فهمًا إضافيًّا لآدم من خلال شرح تعرُّضه ﻟـ ‘الإغراء’، الشيء الذي لم تتضمَّنه سورة الأعراف.  فهما تقدِّمان لنا عند قراءتهما معًا، صورة أكثر اكتمالاً لما حدث.  وكان هذا هو القصد – أن تكمِّل كلّ منهما الأخرى.   

     بالطريقة نفسها، كانت نصوص الأناجيل الأربعة في الكتاب المقدَّس (الكتاب) تدور دائمًا وفقط حول إنجيلٍ واحدٍ.  وهي معًا تقدِّم لنا فهمًا أكمل لإنجيل عيسى المسيح-عليه السلام.  إنَّ في كلِّ نصٍّ من النصوص الأربعة بعض المواد التي لا تتضمَّنها النصوص الثلاثة الأخرى.  وهي تقدِّم لذلك، إذا ما أُخِذَت معًا، صورةً أكثر اكتمالاً للإنجيل. 

     وهذا هو السبب في أنّه عندما يتمُّ الحديث عن محتوى الإنجيل، يكون ذلك دائمًا بصيغة المفرد، وذلك لأنَّ هناك إنجيلاً واحدًا فقط.  على سبيل المثال، نرى هنا في اقتباسٍ من العهد الجديد أنَّ هناك إنجيلاً واحدًا فقط.

‘‘وأعرِّفكم أيُّها الأخوة الإنجيل الذي بشَّرت به أنّه ليس بحسب إنسانٍ. لأنّي لم أقبلهُ عن عند إنسانٍ ولا عُلِّمته. بل بإعلان يسوع المسيح’’. (غلاطية 11:1-13)

     هكذا يُشارُ إلى الإنجيل في القرآن الكريم كما يمكنكم أن تروا في مقالتي نموذج ‘الإنجيل’ في القرآن الكريم. ولكن عندما نتحدَّث عن الشهود أو كتب الإنجيل، فإنَّ هناك أربعة كتب.  في الواقع، ما كان بالإمكان البتّ في مسألةٍ ما في التوراة بناءً على شهادة شاهدٍ واحدٍ فقط.  كانت الشريعة تتطلَّب وجود ‘‘اثنين أو ثلاثة شهود’’ كحدٍّ أدنى (تثنية 15:19) للإدلاء بشهادتهم حول حدثٍ واحدٍ معيَّن أو رسالة ذات أهميّة.  من خلال توفُّر أربعة شهود على الروايات، يُعتَبَر نصَّ الإنجيل مُسنَدًا فوق الحدّ الأدنى لمتطلَّبات الشريعة.

الإنجيل محرَّف! ما الذي تقوله السُنَّة

     كنت قد أجريت في تقريري السابق بحثًا عمّا يقوله القرآن الكريم عن الوحي كما جاء في كتاب التوراة والزبور والإنجيل – الكتاب المقدَّس.  وقد أشَرتُ إلى أنَّ القرآن يُعلنُ بوضوح إنّه عندما أُنزِل الكتاب على محمّد (صلّى الله عليه وسلّم)، حوالي سنة 600 ميلاديّة، كان أتباع الإنجيل ما زالوا يمتلكون الرسالة التي أنزلها الله (ممّا يعني أنّها لم تكن محرَّفة في ذلك التاريخ)، ويؤكِّد القرآن الكريم، حتّى بشكلٍ أكثر وضوحًا، أنَّ الرسائل الأصليّة في الإنجيل كانت كلمة الله، وأنَّ كلمته لا يمكن أبدًا تغييرها.  إنَّ الاعتقاد بصحَّة هذين التصريحَين يعني أيضًا أنَّه سيكون من المستحيل تغيير أو تحريف كلمات التوراة والزبور والإنجيل.

     أودُّ أن أستأنفَ هذه الدراسة بالإشارة إلى ما تقوله السنَّة (النبويّة) حول هذا الموضوع.  تأمّلوا كيف يؤكِّد الحديث التالي وجود التوراة والإنجيل واستخدامهما في زمن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) (1).

     ‘‘فانطلقت به [النبيّ – صلّى الله عليه وسلَّم] خديجة (زوجته) حتّى أتت ورقة … ابن عمّ خديجة … وكان امرءًا تنصَّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب’’ صحيح البخاري المجلّد 1، الكتاب 1، رقم 3

     وروى أبو هُرَيرَة: .. اعتاد أهل الكتاب قراءة التوراة بالعبريّة وشرح ذلك للمسلمين في اللغة العربيّة.  ثمَّ قال رسول الله: ‘‘لا تصدِّقوا أهل الكتاب، ولا تكفِّروهم، لكنّ قولوا: ‘نحن نؤمن بالله وبكلِّ ما قد أُعلِنَ…’ ’’ صحيح البخاري المجلّد 9، الكتاب 93، رقم 632

     إنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله فذكروا له إنَّ رجلاً منهم وامرأة قد زنيا.  قال لهم رسول الله:  ‘‘ما تجدون في التوراة في شأن الزنا (الرجم بالحجارة)؟’’ فقالوا: (ولكن) نفضحهم ويجلدون’’.  قال عبد الله بن سلام:  ‘‘كذبتُم؛ إنَّ فيها الرجم.’’ …إنَّ آية الرجم مدوَّنة هناك.  قالوا: ‘‘صدق يا محمّد فيها آية الرجم.  صحيح البخاري المجلّد 4، الكتاب 56، رقم 829:

    روى عبد الله بن عمر:  ..أتى نفرٌ من اليهود فدعوا رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) إلى القف … فقالوا:  ‘يا أبا القاسم إنَّ رجلاً منّا زنى بامرأة فاحكم بينهم’.  فوضعوا لرسول الله وسادة فجلس عليها ثمَّ قال: ‘‘ائتوني بالتوراة’’، فأُتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثمّ قال: ‘‘آمنتُ بكَ وبمن أنزلك’’.  كتاب سنن أبي داود، الكتاب 38، رقم 4434:

     عن أبي هريرة:  قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم:  خير يومٍ طلعَت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم … قال كعب ذلك في كلِّ سنة يوم، فقلت بل في كلِّ جمعة، قال فقرأ كعب التوراة فقال صدَق النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم.  كتاب سنن أبي داود، كتاب 3، رقم 1041

     تخبرنا هذه الأحاديث المسلَّم بصحَّتها عن موقف محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم) من الكتاب المقدَّس الذي كان موجودًا في زمانه.  يبلغنا الحديث الأوَّل أنَّ الإنجيل كان موجودًا وكان متاحًا عند بداية نزول القرآن الكريم على رسول الله.   ويخبرنا الحديث الثاني أنَّ اليهود كانوا يقرأون التوراة باللغة العبريّة لجماعة المسلمين الأوائل. لم يشكِّك الرسول (صلّى الله عليه وسلَّم) في نصوصهم، لكنّه كان غير مبالٍ (لم يؤكِّد ولم ينفِ) بتفسيرهم لنصوصه باللغة العربيّة.  يخبرنا الحديثان التاليان أنَّ محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم) استخدم التوراة كما كانت موجودة في عصره للتحكيم في القرارات.  يبيِّن لنا الحديث الأخير أنَّ التوراة، كما كانت موجودة في ذلك الزمان، قد استُخدِمَت للتحقُّق من قولٍ للرسول عن يوم خلق آدم (كان ذلك في يوم الجمعة).  لا نرى في أيٍّ من هذه الأحاديث أيّة إشارة أو تلميح إلى التعامل مع نصَّ الكتاب المقدَّس باعتباره محرَّفًا أو تمَّ تغييره.  لقد تمَّ استخدامه كما هو لاستعمالاتٍ مهمَّة.

أوائل مخطوطات الإنجيل (العهد الجديد)

في حوزتي كتابٌ عن أوائل وثائق العهد الجديد.  ويبدأ بهذه العبارات:

     ‘‘يقدِّم هذا الكتاب تدوينًا ﻟ 69 مخطوطة من مخطوطات العهد الجديد الأولى…مؤرَّخة من أوائل القرن الثاني وحتّى بداية القرن الرابع (100- 300م) … تتضمَّن 2/3 نصوص العهد الجديد تقريبًا’’ (1).

     هذا أمرٌ مهمٌّ لأنَّ تاريخ هذه المخطوطات يعود إلى ما قبل الإمبراطور الروماني قسطنطين (325 م تقريبًا) الذي كثيرًا ما اتُّهِمَ بتغيير نصَّ الكتاب المقدَّس.  لو كان قد عمل على تحريفه، فإنّنا كنا سنعرف ذلك من خلال ملاحظتنا التغيُّرات في النصوص التي سبقته (بما أنَّها موجودة لدينا) عن طريق مقارنتها بالنصوص التي تأتي من بعده.  بالإضافة إلى ذلك، لدينا العديد من الكتب المقدَّسة الكاملة التي لا تزال موجودة اليوم، والتي تمَّ تدوينها قبل فترة طويلة من زمن النبي محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم).  وأشهر هذه المخطوطات هي المخطوطة السينائيّة (350 ميلاديّة تقريبًا)، والمخطوطة الفاتيكانيّة (325 ميلاديّة تقريبًا).  هذه المخطوطات وغيرها ألوف المخطوطات تعود إلى ما قبل الأعوام 600 ميلاديّة، تأتي من أجزاءٍ مختلفة من العالم.  إنَّ فكرة تغيير المسيحيين لهذه النصوص لا معنى له على الإطلاق.  لم يكن ممكنًا بالنسبة إليهم وهم الموجودون في كلِّ مكان، الاتّفاق على التغييرات التي ينبغي إجراؤها.  حتّى لو كان الذين يقيمون في الجزيرة العربيّة قد أدخلوا تغييراتً ما، فإنَّ الفرق بين نصوصهم و نصوص إخوتهم، فلنقل في سوريا وأوروبا، لكانت ستكون واضحة.  ولكن، بما أنَّ القرآن الكريم والحديث الشريف على حدٍّ سواء، يؤكِّدان بوضوح نصَّ الكتاب المقدَّس كما كان قائمًا حوالي سنة 600 ميلاديّة، وبما أنّ الكتاب المقدَّس يستند إلى مخطوطات تسبق تاريخ هذه الفترة، فبالتالي، الكتاب المقدَّس الموجود اليوم ليس محرَّفًا.  يوضِّح الجدول الزمني أدناه هذا، مبيِّنًا كيف يرجع النصُّ الأساسيّ للكتاب المقدّس إلى ما قبل الأعوام 600 ميلاديّة.

     تعود أوائل نسخ مخطوطات التوراة والزبور إلى تاريخٍ أكثر قدمًا حتّى.  تمَّ العثور على مجموعاتٍ من المخطوطات التي تُعرَف باسم مخطوطات البحر الميِّت في عام 1948 قرب البحر الميِّت.  تشكِّل هذه المخطوطات النصوص الكاملة للتوراة والزبور، وهي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل المسيح.  هذا يعني، على سبيل المثال، رغم أنَّ موسى (عليه الصلاة والسلام) قد أُعطيَ التوراة قبل ذلك بكثير، (1500 قبل المسيح تقريبًا)، فإنَّ لدينا نسخًا من التوراة تعود حتّى إلى ما قبل النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) و النبيّ محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم).  بما أنَّهما على حدٍّ سواء قد استخدما علانيّةً التوراة والزبور اللذَين كانا بين يديهما ووافقا عليهما (اللذَين كانا مثل مخطوطات البحر الميِّت التي لدينا اليوم)، فإنَّنا متأكِّدون من أنَّ كتب الأنبياء الأولى هذه لم تكن أيضًا محرَّفة.

     إنَّ شهادة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) في السنَّة النبويّة، إلى جانب معرفة خلفيّة مخطوطات الكتاب المقدَّس، يُشيران إلى النتيجة ذاتها التي تشير إليها شهادة القرآن الكريم – لم يجرِ تحريف نصّ الكتاب المقدَّس أو تغييره.