آية إبراهيم الأولى: البَرَكَة

 إبراهيم!  وهو يُعرَفُ أيضًا باسمِ أبرام (عليه السلام).  تنظر إليه الديانات السماويَّة الثلاث كلّها، اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام باعتباره قدوةً يُحتَذى بها.  ويعود العرب واليهود بأنسابهم إليه اليوم من خلال ولدَيهِ إسماعيل وإسحاق.  وهو مهمٌّ أيضًا في سلسلة الأنبياء باعتبار أنَّ آياته قد أسَّسَت إلى حدٍّ كبيرٍ لجميع الأنبياء الآخرين.  ما الذي كان يمتلكه أو كان يفَعَلَهُ أو كان يعرفه إذًا، ما سمح بأن يكون له دورٌ كهذا حتَّى بين الأنبياء؟  إنَّ الإجابة على هذا السؤال مهمَّةٌ جدًّا بحيث أنَّنا سوف ننظر في آية إبراهيم (عليه السلام) في أقسامها المختلفة.  انقر هنا لقراءة الآية الأولى كما وردت في القرآنِ الكريمِ و في التوراة.

     إنَّنا نرى في آياتِ القرآنِ الكريم هذه أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان سيكون لديه ‘قبائل’ من البشر ينحدرون منه.  كان الله سيُؤتي هؤلاء الناس ‘‘مُلْكًا عظيمًا’’.

     ولكنَّ يجب أن يكون للمرء ابنٌ واحدٌ على الأقلّ قبل أن يكون له ‘قبائلً’ من البشر، ويجب أن يكون له أيضًا مكانٌ قبل أن يتمكَّن هؤلاء الناس من الحصول على ‘مُلْكٍ عظيمٍ’.

وعدُ إبراهيم (عليه السلام)

     تُظهِرُ لنا الفقرة الواردة في التوراة (تكوين 1:12-7) كيف أنَّ الله كان على وشك تحقيق هذا الكشف المزدوج، ‘القبائل’ و ‘المــُلك العظيم’ الذي يأتي من إبراهيم (عليه السلام).  يُعطيه الله وعدًا يُعتَبَر تأسيسيًّا لخططه المستقبليَّة.  دعونا نستعرِض ذلك بمزيدٍ من التفصيل.  نحن نرى أنَّ الله يقولُ لإبراهيم:

2 ‘‘فَأَجْعَلَ مِنْكَ أُمَّةً كَبِيرَةً

وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً (لِكَثِيرِينَ).

3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَأَلْعَنُ لاعِنِيكَ،

وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ’’.

عظَمَة إبراهيم (عليه السلام)

      يتساءلُ كثيرٌ من الناس اليوم في الغرب حيث أعيش الآن عمَّا إذا كان هناك إله، وكيف يمكن للمرءِ أن يعرف ما إذا أعلن عن نفسه حقيقةً من خلال التوراة.  أمامنا الآن وَعدٌ نستطيع التحقُّق من جزءٍ منه.  تقول نهاية هذا الوحي إنَّ الله وعد إبراهيم (عليه السلام) مباشرةً ‘وأعظِّمُ اسمكَ’.  ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين وما زال اسم إبراهيم/أبراهام/أبرام واحدًا من أكثر الأسماء المعروفة عالميًّا في التاريخ.  لقد تحقَّق هذا الوعد حرفيًّا وتاريخيًّا.  إنَّ أقدم نُسَخ التوراة الموجودة اليوم هي من مخطوطات البحر الميِّت التي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل الميلاد (انظر مقالتي حول ما إذا كانت السنَّة النبويَّة تشهد على توراةٍ وزبورٍ وإنجيلٍ دون تغيير أم لا).  إنَّ معنى هذا هو أنَّ هذا الوعد على أقلِّ تقدير كان مسجَّلاً كتابةً منذ ذلك الوقت.  بيد أنَّ اسم شخصيَّة إبراهيم واسمه لم يكونا معروفَين- فقط لقلَّةٍ من اليهود الذين اتّبعوا التوراة.  ولكن لأنَّنا نعرف عظمة اسمهِ اليوم، يمكننا أن نرى أنَّ تحقيق الوعد قد جاء فقط بعد أن سُجِّل هذا الوعد كتابةً وليس قبل ذلك.

     إذًا، حدث هذا الجزء من وعد الله لإبراهيم (عليه السلام) بشكلٍ مؤكَّد، كما لا بدَّ أنَّ ذلك كان واضحًا حتَّى النسبة إلى غير المؤمنين، وهذا من شأنه أن يمدّنا بثقةٍ أكبر لفهم الجزء المتبقّي من هذا الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم (عليه السلام).  دعونا نواصل دراسة هذا الوعد.

بركة الله لنا

     يمكننا أن نرى مرَّةً أخرى وعدَ الله بأن يجعل من إبراهيم (عليه السلام) ‘أُمَّةً كبيرةً’ و ‘أُباركك’.  ولكن ثمَّة شيءٌ آخر كذلك، إنَّ البرَكة ليست فقط لإبراهيم لأنّها تقول ‘‘وتتباركُ فيك جميعُ أممِ الأرضِ’’ (أيّ من خلال إبراهيم عليه السلام).  وهذا ينبغي أن يجعلنا أنا وأنت أن نقف ونفكِّرَ مليًّا.  لأنّنا، أنا وأنتَ جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’ – بغضِّ النظر عن ديننا أو خلفيَّتنا العرقيَّة أو أين نعيش أو وضعنا الاجتماعي أو اللغة التي نتحدَّث بها.  هذا الوعد يشمل كلَّ شخصٍ حيٍّ اليوم!  على الرغم من أنَّ أدياننا المختلفة، وخلفيّاتنا العرقيَّة، ولغاتنا، تؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تقسيم الناس وتتسبَّبُ بالصراعات، فإنَّ هذا وعدٌ يبدو أنّه يتجاوز هذه الأمور التي  غالبًا ما تفرِّقنا.  كيف؟  متى؟ أيُّ نوعٍ من البركة هي؟  لم يُكشَف عن هذا بوضوح، لكنَّ هذه الآية قد أدَّت إلى ولادةِ وعدٍ هو مهمٍّ بالنسبة إليك وبالنسبة إليَّ  من خلال إبراهيم (عليه السلام).  وبما أنَّنا نعرف أنَّ جزءًا من هذا الوعد قد تحقَّق، يمكننا أن نثق في أنَّ هذا الجزء الآخر الذي ينطبق علينا سيتحقَّق بشكلٍ واضحٍ وحرفيٍّ – علينا فقط العثور على المفتاح لفتحهِ.

     ولكن يمكننا أن نلاحظ أنَّه عندما تلقَّى إبراهيم هذا الوعد أطاع الله و…

     ‘‘فارتحَلَ أبرامُ كما أمَرَهُ الربُّ’’ (الآية 4)

خريطة رحلة إبراهيم  (هجرة إبراهيم من أور-< حاران - < أرض كنعان)

خريطة رحلة إبراهيم
(هجرة إبراهيم من أور-< حاران – < أرض كنعان)

كم من الوقت استغرقت هذه الرحلة إلى أرض الميعاد؟  تبيِّن لنا الخريطة هنا مسار هذه الرحلة.  كان إبراهيم يعيش في الأصل في أور (جنوب العراق اليوم) وانتقل إلى حاران (شمالي العراق).  ثمَّ ارتحلَ إبراهيم (عليه السلام) إلى ما كان يُدعى أرض كنعان في تلك الأيّام.  يمكنكم أن تروا أنَّ الرحلة كانت طويلةً جدًّا.  قد يكون سافر على ظهر جملٍ أو حصانٍ أو حمارٍ، وبالتالي قد يكون استغرقه ذلك شهورًا عديدة.  ترك إبراهيم أُسرته وحياته المريحة (كانت بلاد ما بين النهرين في ذلك الزمان مركز الحضارة) وأمنه وكلَّ ما كان مألوفًا لديه ليسافر إلى أرضٍ كانت غريبة بالنسبة إليه.  وحدث هذا، كما تقول لنا التوراة، عندما كان في الخامسة والسبعين من عمره!

الذبائح الحيوانيَّة مثل الأنبياء السابقين

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّه عند وصول إبراهيم (عليه السلام) إلى كنعان بسلام:

     ‘‘فَبَنَى أَبْرَامُ هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ’’ (آية 7)

     سيُبنى المذبحُ حيثُ قدَّم لله دماء الذبائح الحيوانيَّة كما فعل قايين و نوح من قَبْلِهِ.  إنَّنا نرى أنَّ هذا هو نمطٌ لكيفيَّة عبادة الأنبياء الله.

     لقد جازف إبراهيم (عليه السلام) كثيرًا وفي مرحلة متأخِّرة جدًّا من حياته في السفر إلى هذه الأرض الجديدة.  ولكنَّه بفعله هذا، أخضع نفسه لوعد الله بأن يتبارك هو وبأن تتباركَ فيه جميعُ أُممِ الأرضِ.  وهذا هو السبب الذي يجعله مهمًّا جدًّا بالنسبة إلينا.  ولكنَّ آيته لا تنتهي هنا.  نواصل مع آية إبراهيم الثانية في مقالتنا القادمة.

علم النقد النَصِّيّ لمعرفة ما إذا كان الكتابُ المقدَّسُ محرَّفًا أم لا

‘‘ما الذي يدعوني إلى التفكير حتّى في أسفارِ الكتابِ المقدَّس؟ لقد كُتِبَ منذ فترةٍ طويلةٍ جدًّا، وقد تمَّ تنقيحه عدَّة مرَّاتٍ وله عددٌ كبيرٌ جدًّا من الترجمات – لقد سمعتُ أنَّ الرسالةَ الأصليَّة قد تغيَّرت بمرور الوقت’’. لقد سمعتُ أسئلةً وأقوالًا كهذه العديد من المرّات حول كتُبِ التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب أو الكتاب المقدَّس.

إنَّ هذا سؤالٌ مهمٌّ جدًّا، وهو مبنيٌّ على ما سمعناه حول الكتاب/الكتابُ المقدَّس. وهو قد كُتِبَ في النهاية منذ ما يزيد على ألفي سنة. لم يكن هناك مطبعةٌ أو آلات تصويرٍ أو شركات نشر خلال معظم تلك الفترة من الزمن. لذلك تمَّ نسخُ المخطوطات الأصليَّة باليد جيلاً بعد جيلٍ بالتزامنِ مع موتِ لغاتٍ وبروزِ لغاتٍ جديدةٍ، ومع انهيارِ إمبراطوريَّاتٍ وولادة إمبراطوريَّاتٍ جديدةٍ أُخرى. وبما أنَّ المخطوطات الأصليَّة لم تعد موجودة، فكيف نعلمُ أنَّ ما نقرأه اليوم في الكتاب (الكتاب المقدَّس) هو في الواقع ما كتبه الأنبياء الأصليُّون منذ زمنٍ بعيدٍ؟ وبمعزلٍ عن الدين، هل توجدٌ أيَّةُ أسبابٍ علميَّة أو منطقيَّة تدعونا إلى معرفة ما إذا كان ما نقرأُه اليوم محرَّفًا أم لا؟

المبادئ الأساسيَّة في النقد النصِّيّ

لا يُدركُ العديد ممَّن يقومون بطرح هذا السؤال أنَّ هناك قواعد علميَّة مُتَّبَعَة معروفة باسم النقد النصِّيّ والتي يمكننا من خلالها الإجابة على هذه الأسئلة. ولأنَّها قواعد سلوكٍ علميَّة، فهي تنطبق على أيِّ نوعٍ من أنواع الكتابة القديمة. ستقدِّمُ لنا هذه المقالة المبدأين الرئيسَين المــُستَخدَمَين في النقد النصِّيّ، ثمَّ يتمُّ تطبيقهما على الكتاب المقدَّس. وللقيام بذلك، نبدأ بهذا الشكل الذي يوضِّح العمليَّة التي تجعل أيَّة كتابةٍ قديمةٍ محفوظة بمرور الوقت بحيث نتمكَّن من قراءتها اليوم.

Article_13 arabic timeline

جدول زمني يوضح كيف جميع الكتب القديمة يأتون إلينا اليوم

يُبيِّنُ هذا الرسم البيانيّ مثالاً لكتابٍ كُتِبَ سنة 500 قبل المسيح. إنَّ هذا النصَّ الأصليّ لا يبقى إلى ما لا نهاية، ولذلك، وقبل أن يضمحلّ، يضيع أو يُتلَف، يتمُّ عمل نُسَخةٍ منه (النسخة الأولى). كانت فئة من الأشخاص المحترفين الذين يُطلَق عليهم اسم الكَتَبة تقوم بأعمال النسخ. ومع مرور السنين، كان يتمُّ عمل نسخٍ من النسخة (النسخة الثانية و النسخة الثالثة). وفي مرحلةٍ ما، يتمُّ الاحتفاظُ بإحدى النُسخ بحيث أنّها بقيت (موجودة) اليوم (النسخة الثالثة). في الرسم البياني الذي هو مثالنا، تعود هذه النسخة الموجودة إلى سنة 500 بعد الميلاد. وهذا يعني أنَّ أقرب ما يتسنَّى لنا معرفته عن حالة هذا الكتاب هو ابتداء من سنة 500 بعد الميلاد فقط. ومن ثمَّ، فإنَّ الفترة الممتدَّة من سنة 500 قبل الميلاد إلى سنة 500 بعد الميلاد (التي أُشيرَ إليها في الرسم البياني بعلامة ×)، هي الحقبة التي لا يمكننا أن نقوم بتدقيق أيّة نسخة من النسخ فيها بما أنَّ جميع مخطوطات تلك الحقبة قد اختَفت. على سبيل المثال، إذا تمَّ التحريف عند القيام بعمل النسخة الثانية من النسخة الأولى، فلن يكون بمقدورنا كشف هذا التحريف لأنَّ أيًّا من هذه الوثائق لم يعد موجودًا لمقارنته مع بعضه البعض. إنَّ هذه الفترة الزمنيّة قبل النُسَخ الموجودة هي الفاصل الزمنّي لعدم اليقين النصِّي – حيث يمكن أن يكون قد حدث التحريف. ومن ثمَّ، فإنَّ المبدأ الأوّل للنقد النصِّيّ هو أنَّه كلَّما كان الفاصل الزمنيّ × أقصر، كلَّما زادت ثقتنا في صحَّة الوثيقة المحفوظة إلى يومنا هذا، بما أنَّ فترة عدم اليقين تكون أقصر.

بطبيعة الحال، يوجد عادةً أكثر من نسخة مخطوطة واحدة من وثيقةٍ ما اليوم. لنفترض أنَّ لدينا نسختَين، وفي الفقرة نفسها من كلِّ واحدةٍ منهما العبارة التالية:

Article_13 arabic documents

 

يبيِّن لنا هذا الشكل قراءة مختلفة (تقول إحدى القراءتين ‘جوان’ وتقول القراءة الأخرى ‘جون’) لكن مع وجود عددٍ قليلٍ من المخطوطاتٍ فإنَّه من الصعب تحديد أيَّهما خطأ.

كان المؤلِّف الأصليّ يكتب إمّا عن جوان أو عن جون، وفي إحدى هاتَين المخطوطتَين يوجد خطأ. السؤال المطروحُ هو – في أيَّهما يوجد الخطأ؟ من الصعب جدًّا اتِّخاذ قرارٍ بهذا الشأن انطلاقًا من الأدلَّة المتوفِّرة (أيّ نسختين فقط).

لنفترض الآن أنَّنا وجدنا مخطوطتَين منسوختين إضافيَّتين من الوثيقة نفسها كما هو موضَّحٌ أدناه:

Article_13 arabic 4 documents

 

لدينا الآن أربع مخطوطات ومن السهل أن نرى في أيّة واحدة منها يكمن الخطأ.

أصبح من السهل الآن أن نقرِّر في أيّة مخطوطة وقع الخطأ. من المرجَّح أن الخطأ وقع مرَّةً واحدةً فقط ولم يتكرَّر الخطأ نفسه ثلاث مرَّات، لذلك، من المرجَّح أنَّ تكون المخطوطة المنسوخة الثانية هي النسخة التي وقع فيها الخطأ، وأنَّ المؤلِّف كان يكتب عن جوان وليس جون. ‘جون’ هو الاسم المحرَّف.

يوضِّح هذا المثال البسيط المبدأ الثاني في النقد النصِّيّ: كلَّما زاد عدد المخطوطات المنسوخة الموجودة اليوم، كلَّما كان كشف أخطائها وتصحيحها ومعرفة ما جاء في النصِّ الأصليّ أكثر سهولةً.

النقد النصِّيّ للكتب التاريخيَّة

لدينا الآن اثنان من مبادئ النقد النصِّي التي تُستَخدَم لتحديد الدقَّة أو الموثوقيَّة النصيَّة لأيِّ كتابٍ قديمٍ: 1) قياس الفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين زمن الكتابة الأصليَّة وأقرب (أوائل) نسخ المخطوطات الموجودة، و 2) حساب عدد نسخ المخطوطات. وبما أنَّ هذين المبدأين يُطبَّقان على جميع الكتابات القديمة، فإنَّ باستطاعتنا أن نطبِّقهما على الكتاب المقدَّس وعلى الكتب القديمة الأخرى على حدٍّ سواء، كما فعلنا في الجداول أدناه (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 42-48).

 

 

المؤلِّف

 

تاريخ الكتابة

 

أقدم النسخ

زمنيًّا

 

الفاصل الزمنيّ

 

العدد

 

قيصر

  50ق.م

900   م   

950

10

أفلاطون

350 ق.م

900   م 

1250

7

أرسطو*

300 ق.م

1100 م

1400

5

ثيوسيديدز

400 ق.م

900  م 

1300

8

هيرودوت

400 ق.م

900  م

1300

8

سوفوكليس

400 ق.م

1000م

1400

100

تاسيتوس

100 م

1100م

1000

20

بليني

100 م

850  م

750

7

 

 

* مِن أيِّ عمل من أعماله

يمثِّل هؤلاء المؤلِّفون كتَّابَ الأدب الكلاسيكي الرئيسيّين من العصور القديمة – الكتابات التي شكَّلَت تطوُّر الحضارة الحديثة. إنَّ ما وصل إلينا من هذه الكتابات، لكن بعد 1000 سنة تقريبًا من كتابة المخطوطة الأصليَّة، هو بمعدَّل 10- 100 مخطوطة محفوظة.

 

النقد النصِّي للكتاب المقدَّس/الكتاب

يُقارن الجدول التالي كتابات الكتاب المقدَّس (الإنجيل على وجه الخصوص) بموجب هذه النقاط ذاتها. (من كتاب بي. دبليو. كومفورت Comfort, P. W. أصل الكتاب المقدَّس

The Origin of the Bible، 1992. صفحة 193).

 

 

نُسَخ المخطوطة

تاريخ

الكتابة

تاريخ المخطوطة

المنسوخة

الفاصل الزمنيّ

جون رايلَن

90  ميلاديّة

130 ميلاديّة

40 سنة

بودمِر

90 ميلاديَّة

150-200 م

110 سنوات

كتابات على ورق البردى

 

 

بعد

الميلاد

 

شيستر بيتي

60 ميلاديّة

200 ميلاديَّة

140 سنة

المخطوطات الفاتيكانيًّة

60-90

ميلاديَّة

325

ميلاديَّة

290

سنة

المخطوطات السينائيّة

60-90

ميلاديَّة

350

ميلاديَّة

290

سنة

 

موجز النقد النصِّيّ للكتاب المقدَّس/الكتاب

إنَّ عدد مخطوطات العهد الجديد هو من الكثرة بحيث أنَّه سيكون من المستحيل جدولتها. كما صرَّح أحد الباحثين الذي أمضى سنوات في دراسة هذه المسألة:

‘‘يوجد لدينا اليوم أكثر من 24000 نسخة من مخطوطات العهد الجديد… ما من وثيقةٍ أخرى تعود إلى العصور القديمة تبدأ حتّى في الاقتراب من مثل هذا العدد والشواهد. بالمقارنة، تأتي ملحمة الإلياذة لهوميروس في المرتبة الثانية بعددٍ من المخطوطات المنسوخة يبلغ 643 ما زالت موجودة’’ (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 40).

يتَّفق باحثٌ بارزٌ في المتحف البريطانيّ مع هذا القول:

‘‘إنَّ العلماء راضون عن امتلاكهم فعليًّا النصّ الحقيقيّ للكتَّاب الرئيسيِّين الإغريق والرومان… لكنَّ معرفتنا لكتاباتهم لا تزال تعتمد على مجرَّد حفنة من المخطوطات المنسوخة، في حين أنَّ مخطوطات العهد الجديد المنسوخة تُعَدُّ ﺒ… الآلاف’’ Kenyon, F.G. إف. جي. كينيون (المدير السابق للمتحف البريطاني) Our Bible and the Ancient Manuscripts كتابنا المقدَّس والمخطوطات القديمة. 1941 صفحة 23.

أمتلكُ كتابًا عن أوائل وثائق العهد الجديد. وهو يبدأ بهذه العبارات:

‘‘يقدِّم هذا الكتاب تدوينًا ﻟـ 69 مخطوطة من أوائل مخطوطات العهد الجديد… مؤرَّخة من أوائل القرن الثاني وحتّى بداية القرن الرابع (100 – 300 ميلاديَّة)… تحتوي على ما يُقارب ثلثي نصوص العهد الجديد’’ (بي. كومفورت P. Comfort، ‘‘ The Text of the Earliest New Testament Greek Manuscripts أوائل نصوص مخطوطات العهد الجديد باللغة اليونانيّة’’. مقدِّمة صفحة 17. 2001)

بعبارةٍ أخرى، إنَّ العديد من هذه المخطوطات الموجودة تعود إلى فتراتٍ تاريخيَّة مبكِّرة جدًّا، مائة سنة أو نحو ذلك فقط بعد كتابات العهد الجديد الأصليِّة. تأتي هذه المخطوطات في وقتٍ سابقٍ لصعود قسطنطين إلى السلطة وقبل نشوء الكنيسة الرومانيّة. وهذه المخطوطات منتشرة في جميع أنحاء الدول التي تطلُّ على البحر الأبيض المتوسِّط. إذا كان البعضُ منها من منطقةٍ ما محرَّفًا، فلسوف نرى الاختلاف من خلال مقارنته بمخطوطاتٍ موجودة في مناطق أخرى. لكنَّها متماثلة.

ما الذي يمكننا إذًا أن نستنتجه من هذا؟ بالتأكيد، على الأقلّ ما نستطيع أن نقيسه بموضوعيَّة (عدد نسخ المخطوطات الموجودة والفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين تاريخ المخطوطة الأصليّة وأقرب المخطوطات المنسوخة الموجودة إلى هذا التاريخ) هو أنَّ الأدلَّة والبراهين التي يستند إليها العهد الجديد (الإنجيل) هي أكثر بكثير من التي يستند إليها أيٌّ من الكتابات الكلاسيكيَّة الأخرى. إنَّ حكمنا الذي تدفعنا الأدلَّة إلى إصداره يوجزه على أحسن وجه الاقتباس التالي:

 ‘‘إنَّ ارتيابنا في محصِّلة نصّ العهد الجديد يعني السماح بسقوط الأدب الكلاسيكي في العصور القديمة كلّه في الضبابيّة والغموض، لأنَّه ما من وثائق أخرى من العصور القديمة أفضل دعمًا بالأدلّة والمراجع مثل العهد الجديد’’ مونتغمري Montgomery، التاريخ والمسيحيَّة History and Christianity. 1971. صفحة 29

إنَّ ما يقوله هو أنَّنا يجب أن نكون ثابتين على مبدأ واحدٍ، إذا كنَّا نشكِّك في مصداقيَّة الكتاب (الكتاب المقدَّس) فقد يجوز لنا كذلك أن نرفض كلَّ ما نعرفه عن التاريخ الكلاسيكي بشكلٍ عام – وهذا ما لم يفعله أيُّ مؤرِّخٍ في أيِّ وقتِ من الأوقات. إنَّنا نعلم أنَّ نصوص الكتاب المقدَّس لم تتغيَّر بمجيء عصورٍ ولغاتٍ وإمبراطوريّاتٍ وأُفولها بما أنَّ أقدم نسخ المخطوطات الموجودة وُجِدَت قبل هذه الأحداث. على سبيل المثال، نحن نعلم أنَّه لا البابا ولا الإمبراطور الروماني قسطنطين قد قاما بتغيير الكتاب المقدَّس لأنَّ في حوزتنا مخطوطاتٍ تعود إلى زمن سابقٍ لزمن قسطنطين والباباوات، وكلُّ هذه المخطوطات السابقة تتضمَّن الأحداث نفسها.

يتبيَّن هذا في الجدول الزمنيّ التالي حيث يظهر أنَّ مصادر المخطوطة المـــُستَخدَمَة في ترجمة الكتب المقدَّسة الحديثة تأتي في زمنٍ أكثر قِدَمًا بكثير.

Article_13 arabic dotted timeline

تُرجِمَت الكتب المقدَّسة الحديثة من أوائل المخطوطات الموجودة، والتي يعود تاريخ الكثير منها إلى الأعوام 100- 300 ميلاديّة. تأتي هذه المخطوطات التي هي المصدر قبل قسطنطين أو قبل القوى السياسيّة الدينيَّة الأخرى بوقتٍ طويلٍ.

مجمل القول، لا الزمن ولا الزعماء المسيحيّون قد حرَّفوا الأفكار والرسالات الأصليَّة التي تمَّ وضعها في نصوص الكتاب أو الكتاب المقدَّس الأصليَّة. يمكننا أن نعرف أنَّنا نقرأ اليوم تمامًا ما كتبه المؤلِّفون فعلاً، وذلك من أُلوف المخطوطات القديمة التي لدينا اليوم. يدعم عِلمُ النقد النصِّيّ موثوقيَّة الكتاب/الكتاب المقدَّس.

النقد النصِّيّ في محاضرة جامعيَّة

كان لي شرف إلقاء محاضرةٍ عامَّةٍ حول هذا الموضوع في جامعة ويسترن أونتاريو Western Ontario في كندا منذ زمنٍ ليس ببعيد. في ما يلي يوجد فيديو مدَّته 17 دقيقة يعرِضُ جزءًا من المحاضرة يغطِّي هذا الموضوع.

 

لقد بحثنا في الواقع حتّى الآن في النقد النصِّيّ للعهد الجديد – الإنجيل. ولكن ماذا بشأن التوراة والزبور – الكتب التي تشكِّل العهد القديم؟ في الفيديو التالي الذي مدَّته 7 دقائق، قمتُ بإيجاز مبادئ النقد النصِّيّ للعهد القديم.

 

هل يحلُّ القرآن الكريم محلَّ الكتاب المقدَّس! ماذا يقولُ القرآنُ الكريمُ؟

حتّى لو أنَّنا ندرك أنَّ كلاًّ من القرآن الكريم والسنَّة على حدٍّ سواء يؤكِّدان أنَّ الكتابَ المقدَّسَ (التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب) لم يتمّ تغييرهم أو تحريفهم (كما بيَّنتُ في موقعي هنا و هنا) فما يزال السؤال حول ما إذا كان الكتاب المقدَّس/الكتاب قد استُبدِلَ بالقرآنِ الكريم، أو أنَّ القرآنَ الكريم قد ألغاه أو حلَّ محلَّه مطروحًا. ماذا يقولُ القرآنُ الكريمُ عن هذا القول؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وأَنزَلْنا إليكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقًا لما بين يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيمنًا عَلَيْهِ… سورة 48:5 (المائدة)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وَمِنْ قَبْلِهِ (القرآنُ الكريمُ) كِتابُ موسى إِمامًا ورَحمَةً وهذا كِتابٌ (القرآنُ الكريمُ) مُصَدِّقٌ (له) لِسانًا عربيًّا… سورة 46: 12 (الأحقاف)

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وهَذا كِتابٌ أَنزَلْناهُ مُبارَكٌ مُّصَدِّقٌ (الوَحيَ) الذي بينَ يَدَيْهِ.. سُورَة 6: 92 (الأنعام)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

والذي أوحَينا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا (للّوحي) لِما بَينَ يَدَيْهِ: سورة 31:35 (فاطِر)

تتحدَّث هذه الفقرات عن تأكيدِ القرآنِ الكريمِ على أنَّه (لا يحلُّ محلَّ رسالة الكتابِ المقدَّس ‘الكتاب’ التي سَبَقَت في النزول، ولا يُهَيمنُ عليها، وأنّه ليس بديلاً عنها). بعبارةٍ أخرى، فإنَّ هذه الآيات لا تقول إنَّ على المؤمنين أن يضعوا جانبًا الوحيَ الأسبَق في النزول ويقرؤوا الوحيَ الأخير فقط. ولذلك ينبغي أن يقرأ المؤمنون الوحي الأسبق ويُطيعوه.

وهذا ما تؤكِّده الآية التي تقولُ لنا إنَّه لا يوجدُ تمييزٌ بين أنواع الوحيِّ المختلفة. أُورِدُ هنا اثنتين من تلك الآيات التي لاحظتها:

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

آمَنَ الرَّسولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَالمؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. (قالوا) لا نُفرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ. وَقالوا سَمِعْنا وأَطِعْنَا (نلتَمِس) غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإِلَيْكَ المَصِيرُ. (سُورَة 285:2 – البَقَرَة)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

قُولوا آمنَّا باللهِ وَما أُنزِلَ إِلَينا وَمَا أُنزِلَ إِلى إبراهِيم وإِسمَاعيلَ وإِسحَقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبيُّونَ مِن رَّبِّهِم لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ. (سُورَة 136:2 – البَقَرَة)

 

تقولُ لنا الآيَة الأولى إنَّه لا يوجد تمييزٌ بين الرسل – يجب أن نستمع إليهم جميعًا، وتقول الآية الثانية إنَّه ليس ثمَّةَ فرق ما بين الوحي الذي أُنزِلَ من خلال عدَّة أنبياء – ينبغي قبوله كلّه. لا يوجد في أيٍّ من هذه الآيات أيُّ تلميحٍ أو مُقتَرَح بوجوب تجاهل (أو الاستخفاف ﺒ) الوحي السابق لأنَّ الوحيَ اللاحق قد حلَّ محلَّه. وهذا الأسلوب يتناسب مع مثال وتعاليم عيسى المسيح (عليه السلام). لم يقُل هو نفسه إنَّ الوحي السابق للتوراة ومن بعده الزبور قد أُبطِلَ. لقد كان يعلِّم ما هو عكس ذلك في الواقع. لاحظوا الاحترام والاهتمام المستمرّ والمتواصل الذي يُبديه نحو توراة موسى في تعاليمه في الإنجيل.

‘‘لا تظنّوا أنّي جئتُ لأنقُضَ الناموسَ (أيّ التوراة) أو الأَنبياءَ (أيّ الزبور). ما جِئتُ لأنقُض بلّ لأُكمِّل. 18 فإنّي الحقَّ أقولُ لكم إلى أن تزولَ السماءُ والأرضُ لا يزولُ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتّى يكونَ الكلُّ. 19 فمَن نقضَ إحدى هذه الوصايا الصُّغرى وعلَّمَ الناسَ هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السموات. وأمّا مَن عمل وعلَّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السموات. 20 فإنّي أقولُ لكُم إنّكم إن لم يزِد برُّكم على الكَتَبَة والفرِّيسيِّين لن تدخلوا ملكوتَ السموات’’.

(متّى 17:5-20)

في الواقع، لكي نفهمَ تعاليمه بشكلٍ صحيحٍ، فقد قال إنَّه يتوجَّبُ على المرءِ أن يقرأ التوراةَ أوَّلاً ثمَّ الزبور. إليكم هنا كيف كان يعلِّمُ تلاميذه:

 ثمَّ ابتدأ من موسى ومِن جميعِ الأنبياءِ يفسِّرُ لهما الأمورَ المختصَّة به في جميعِ الكتب. (لوقا 27:24)

 

وقال لهم هذا هو الكلامُ الذي كلَّمتكم بهِ وأنا بعدُ معكُم أنَّه لا بدَّ أن يتمَّ جميع ما هو مكتوبٌ عنِّي في ناموسِ موسى (أيّ التوراة)، والأنبياءِ والمزامير (أيّ الزبور)’’. (لوقا 44:24)

لم يحاول عيسى المسيح (عليه السلام) أن يتجاوز الوحي السابق. لقد بدأ تعاليمه وإرشاده، في الواقع، من هذا الوحي. هذا هو الذي جعلني أقتدي به عبر البدء بالتوراة لتقديم الأساس لفهم الإنجيل.