آية هرون: ثَورٌ واحدٌ واثنان من التيوس

رأينا في آية موسى الثانية أنَّ الوصايا التي أُعطِيَت على جبل سيناء كانت صعبةً جدًّا. إذن، ما الذي كان شعب العهد القديم يفعله في حال فشله في أن يُطيع الشريعة؟ لقد كان هرون (هارون)، شقيق موسى، وذرِّيته هو الذي عالج هذا الأمر بإقامة الذبائح – وكانت هذه الذبائح بمثابة تكفيرٍ عن الذنوب أو حجبٍ لها. كان لهرون ذبيحتان تحملان أهميَّةً خاصَّة، وكانت هذه الذبائح آياتً لفهم كيفيَّة تغطية الله للخطيئة التي ارتُكِبَت بمخالفة الشريعة. كانت هذه ذبيحة البقرة والتَيسَين. دعنا نبدأ بالتَيسَين.

 كبشُ الفداء ويوم الغفران (يوم الكفارَة)

بحسبِ آية موسى الأولى، كان الشعب اليهوديّ (ولا يزال!) يحتفل بالفصح في ذكرى نجاته من فرعَون. لكنَّ التوراة أمَرَت باحتفالاتٍ أخرى كذلك. كان أحدها، الذي يحمل أهميَّةً خاصَّة، يُدعى يوم الغفران أو يوم الكفارة. انقر هنا لقراءة القصَّة كاملة في التوراة.

 ما سبب وجود مثل هذه التعليمات الدقيقة والمـــُفصَّلة التي أُعطِيَت بالنسبة ليوم الغفران؟ نرى في ما يلي كيف تبدأ: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هرون عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أَمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ‘‘كَلِّمْ هرون أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ. (لاويِّين 16: 1-2)

كان ما حدث قبلاً أنَّ اثنين من أبناء هرون قد ماتا عندما قاما، في لحظة تهوُّرٍ، بدخول الخيمة حيث كان حضور الربّ. لكنَّ إخفاقهما في الطاعة التامَّة للشريعة في قداسة حضوره، أدَّى إلى موتهما. لماذا؟ كان تابوت العهد موجودًا في الخيمة. يذكرُ القرآنُ الكريمُ أيضًا تابوتَ العهد هذا. يقول:

بِسْمِ الله الَّرَحمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ (توكيدٌ) سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هرون تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. سورة 2: 248 (البقَرَة)

كما يقول القرآن الكريم، كان ‘تابوت العهد’ هذا آيةَ مُلكِه ، لأنَّ التابوت كان رمزًا لعهدِ أو ميثاق شريعة موسى. وقد حُفِظَت الألواح الحجريَّة مع الوصايا العشر داخل هذا التابوت. وكلُّ مَن فشلَ في إطاعة الشريعة – في حضور هذا التابوت – سوف يموت. لقد مات أوَّل اثنين من أبناء هرون عندما دخلا الخيمة. لهذا، صدرت تعليماتٌ دقيقةٌ جدًّا، والتي تضمَّنَت أمرًا مفاده أنَّ هناك يومًا واحدًا فقط في السنة كلّها يمكن لهرون فيه أن يدخل الخيمة – وهذا اليوم هو يوم التكفير. إذا دخل الخيمة في أيِّ يومٍ آخر، كان هو أيضًا سيموت. ولكن حتّى في هذا اليوم الأوحد، وقبل أن يتمكَّن هرون من الدخول في وجود تابوت العهد، كان عليه أن

 يُقَرِّبُ هرون ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ… فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. (لاويِّين 16: 6، 13)

لذلك قُدِّم الثورُ ذبيحةً للتكفير عن خطايا هرون التي ارتكبها ضدَّ ألواح الشريعة أو تغطيةً لهذه الخطايا. ثمَّ بعد ذلك مباشرةً، قام هرون بتنفيذ طقس كبش الفداء الاستثنائي.

 وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 8وَيُلْقِي هرون عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ (كَبش الفِداء). وَيُقَرِّبُ هرون التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. (لاويِّين 16: 7- 9)

بعد أن قُدِّم الثور ذبيحة خطاياه، قام هرون بذبح تيسَين وألقى القُرعَتين. كان أحد التَيسَين سيُخَصَّص ليكون كبش فداء. وكان سيُضحَّى بالتَيسِ الآخر كذبيحة خَطِيَّة. لماذا؟

ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ… فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. (لاويِّين 16: 15- 16)

وما الذي حصل لكبشِ الفداء؟

وَيَضَعُ هرون يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ… (لاويِّين 16: 20-22)

إنَّ التضحية بثورٍ وموته، كان من أجل خطيئة هرون. إنَّ التضحية بالتَيْس الأوَّل كذبيحة خَطِيَّة، كانت لأجل خَطِيَّة شعب إسرائيل. وعند ذلك، يضعُ هرون يديه على رأس التَّيسِ الحيّ و – كرمزٍ – ينقلُ ذنوبَ الشعب ويجعلها على التَيس (كبش الفداء). ثمَّ يُطلَقُ التَّيس في البَرّيَّة كعلامةٍ على أنَّ خطايا الشعب كانت الآن بعيدةً عنهم. بهذه الذبائح تمَّ التكفير عن خطاياهم. وكان كلُّ ذلك يتمُّ مرَّةً واحدةً في السنة في يوم الغفران.

 العِجْلَة أم البَقَرَة

كان لهرون كذلك ذبائح أخرى يُقيمها. كانت إحدى هذه الذبائح غير العاديَّة إلى حدٍّ بعيد، ذبيحة عِجْلَةٍ (بقرة أُنثى بدلاً من ثورٍ ذَكَر). كانت هذه العِجْلَة والتضحية بها هي السبب في إطلاق اسم البقرة على السورة 2. إذًا، يتحدَّث القرآن الكريم مباشرةً عن هذا الحيوان. انقر هنا لقراءة القصَّة في القرآن الكريم. كما يمكن أن ترى، أُصيب الشعب بالذهول والارتباك عند صدَرَت إليه الأوامر بأن تُستَخدَم بقرة (أي أُنثى) لهذه الذبيحة، وليس حيوانٌ ذكرٌ كما جَرَت العادة. وانتهى الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (سورة 2: 73 – البَقَرَة)

لهذا، تُعتَبَرُ هذه إحدى الآيات (المــُعجزات) – ويجب أن نوليها اهتمامنا. ولكن كيف تكون هذه البقرة آيةً؟ نقرأ أنَّ ذلك يتعلَّق بمسألة الموت والحياة. ‘‘من المحتَمَل أن نفهم’’ ونحن ندرس التعليمات الأصليَّة في التوراة التي أُعطِيَت لهرون حول هذه الذبيحة. انقر هنا لترى الفقرة الكاملة في التوراة. نرى هنا هذه الآية:

 وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ خَشَبَ أَرْزٍ وَزُوفَا وَقِرْمِزًا وَيَطْرَحُهُنَّ فِي وَسَطِ حَرِيقِ الْبَقَرَةِ. (العدد 19: 5- 6)

كانت الزوفا فرعًا من فروع إحدى الأشجار المورِقة. في الفِصح، عندما كان على الإسرائيليِّين أن يرسموا بدم خروف الفصح على أبواب بيوتهم حتّى يتجاوزهم الموت، أُمِروا بما يلي:

خُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لاَ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ (خروج 12: 22)

تُستَخدَم الزوفا أيضًا مع البقَرة، ثمَّ تُحرَقُ البقرةُ والزوفا والصوف وخشب الأرْز حتّى لا يتبقَّى سوى الرماد. ثمَّ

 وَيَجْمَعُ رَجُلٌ طَاهِرٌ رَمَادَ الْبَقَرَةِ وَيَضَعُهُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ، فَتَكُونُ لِجَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي حِفْظٍ، مَاءَ نَجَاسَةٍ. إِنَّهَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. (العدد 19: 9)

وهكذا، يُخلَط الرماد ﺒ ‘‘مياه التطهير’’. من شأن شخصٍ غير طاهرٍ أن يقوم بالاغتسال (طقوس الاغتسال أو الوضوء) ليستعيد طهارته باستخدام هذا الرماد الممزوج بالماء. لكنَّ الرماد لم يكن لتطهير أيَّة نجاسة، بل لنوعٍ بعينه.

 مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ لاَ يَكُونُ طَاهِرًا. كُلُّ مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَتَطَهَّرْ، يُنَجِّسُ مَسْكَنَ الرَّبِّ. (العدد 19: 11- 13)

لذلك كان هذا الرماد الممزوج بالماء للاستخدام في عمليَّة الاغتسال أو الوضوء عندما يتنجَّس أحد الأشخاص من ملامسة جثَّة ما. ولكن لماذا يؤدّي لمس جثَّة إلى مثل هذه النجاسة البالغة؟ فكِّر في هذا الأمر! جُعِل آدم فانيًا بسبب عصيانه، هو وجميع أولاده (أنا وأنتَ!) كذلك. وبالتالي، الموت هو نجسٌ لأنّه نتيجة الخطيئة – فهو مرتبطٌ بنجاسة الخطيئة. عندما يلمس أحد الأشخاص جثَّةً هادئة، فسيصبح أيضًا نجِسًا. لكنَّ هذا الرماد كان بمثابة رمزٍ (آيةٍ) – من شأنه أن يُزيل (يغسل) هذه النجاسة. إنَّ الشخص غير الطاهر، الذي هو ميِّتٌ في ‘نجاسته’، سيجد ‘حياةً’ في التطهُّر بواسطة الاغتسال برماد البَقَرة. ولكن لماذا كان يجب أن يموت حيوانٌ أُنثى، في هذه الحالة الخاصَّة، وليس حيوانٌ ذكرٌ؟ لم يُقدَّم أيُّ تفسيرٍ مباشرٍ، لكن يمكننا أن نجد المسوِّغ من الكتب المقدَّسة. في الكتب المقدَّسة كلِّها، يعلنُ الله عن نفسه بصيغة المــُذكَّر – ‘هو’. وترِد عبارة أمَّة إسرائيل بشكلٍ جماعيّ بصيغة التأنيث ‘هي’. وكما هو الحال في علاقات الرجل والمرأة التقليديَّة، الله قاد، فاستجاب شعبه. لكنَّ المبادرة كانت دائمًا مع الله. فقد بادر إلى إصدار الأمر إلى إبراهيم بالتضحية بابنه؛ وقد بادر إلى إعطاء الوصايا على ألواح؛ وبادر إلى إصدار الحكم على نوح، إلخ… لم تكن الفكرة أبدًا بادرة من الإنسان (نبيًّا كان أو غير ذلك) – كان أتباعه يخضعون بكلِّ بساطة لقيادته. كان رماد البقَرَة لتلبية حاجة الإنسان – وهي التطهُّر من النجاسة. فلكي تكون هذه آيةً خاصّة لحاجة الإنسان، كان الحيوان الذي سيموت أُنثى. تُشير هذه النجاسة إلى شعورنا بالخجل عندما نخطئ، وليس شعورنا بالذنب أمام الله. عندما أُخطِئ، فإنَّني لا أكون قد خالفتُ الشريعة فحسب وأنا مُذنِبٌ أمام الديَّان، بل إنّني أشعر بالخجل والندم أيضًا. كيف يقدِّم الله الحلَّ لهذا الشعور بالعار؟ بادئ ذي بِدء، يمدُّنا الله بغطاءٍ من الملابس. تلقَّى البشر الأوائل (آدم وحوّاء) ثيابًا من الجلد لتغطية عريهم وعارهم. ومنذ ذلك الوقت، كان بنو آدم يقومون دائمًا بتغطية أنفسهم بالملابس – في الواقع، من الطبيعيّ جدًّا القيام بذلك بحيث أنّنا نادرًا ما نتوقَّف لنسأل ‘لماذا؟’. كان هذا الاغتسال بماء التطهير وسيلةً أخرى كي نتمكَّن من الشعور ‘بالنظافة’ من الأشياء التي تلوِّثنا. كان الهدف من البقرة هو تطهيرنا.

 لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. (عبرانيِّين 10: 22)

وعلى العكس من ذلك، فإنَّ التضحية بذَكَر الماعز في يوم الغفران، كانت في المقام الأوّل في سبيل الله. لاحظنا مع آية الوصايا العَشْر أنَّ عقوبة العصيان كانت واضحة ومكرَّرة بشكلٍ محدَّد، وهي الموت (انقر هنا لمراجعة الفقرات). كان الله (ولا يزال!) الديَّان، وهو كديّان، كان يُطالِبُ بعقوبة الموت. إنَّ موت الثور الذَكَر، وفى بمَطلب الله الأوّل الذي اشترط أن يكون الموت هو ثمن خطيئة هرون. ثمَّ لبَّى موت ذكر التَّيس الأوّل مطلَب الله بأن يكون الموت ثمنًا لذنوب بني إسرائيل. ثمَّ يمكن أن توضَع خطايا المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ رمزيٍّ على كبش الفداء مِنْ قِبَل هرون، كان إطلاق كبش الفداء في البرّيَّة بمثابة علامةٍ على تحرُّر المجتمع من خطاياه. كان يتمُّ الاحتفال بتقديم هذه الذبائح مِن قِبَل هرون وذريّته على مدى تاريخ بني إسرائيل في الأرض التي أُعطِيَت لهم؛ كانت هذه الذبائح تُقام لتلبية هذه الاحتياجات حتّى نصل إلى حياة عيسى المسيح (عليه السلام). وهكذا وصلت رسائل التوراة إلى نهايتها مع آيات هرون الأخيرة هذه. سيأتي قريبًا أنبياءٌ آخرون، وسيواصل الزبور إيصال رسائل من الله. ولكن كان هناك أوّلاً رسالة واحدة أخيرة للتوراة. كان النبيّ موسى (عليه السلام) بصدد النظر إلى المستقبل، إلى مجيء نبيٍّ، وكذلك النظر إلى البركات واللعنات التي ستحلُّ في المستقبل على نسل إسرائيل. قمنا ببحث هذا الموضوع في دراساتنا السابقة في التوراة.

آية موسى الثانية – الشريعة

رأينا في آية موسى الأولى – الفصح – أنَّ الله قد أمرَ بموتِ جميع الأبكار، ما عدا أبكار الساكنين في بيوتٍ قد قُدِّم فيها خروف كذبيحة ورُسِم بالدم على قوائم أبواب البيوت. لم يخضع فرعَون فمات ابنه، وقاد موسى (عليه السلام) الإسرائيليّين خارج مصر، وغرق فرعَون أثناء مطاردتهم وهو يجتاز البحر الأحمر.

لكنَّ دور موسى كنبيّ (عليه السلام)لم يكن مجرَّد قيادتهم للخروج من مصر، بل كان أيضًا إرشادهم إلى أسلوبٍ جديدٍ للعَيش – ليعيشوا وفقًا للشريعة التي وضعها الله. وهكذا، بعد خروجهم من مصر بوقتٍ قصيرٍ، وصل موسى (عليه السلام) وبنو إسرائيل إلى جبل سيناء. فصعد إلى الجبل وبقي هناك 40 يومًا ليتلقِّى الناموس. يُشير القرآن الكريم إلى هذا الزمن في الآيتين التاليتين.

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (جبل سيناء) خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ

وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ’’. (سورة 2: 63 – البَقَرَة)

بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا (المـــُدَّة) بِعَشْرٍ (زيادةً) فَتَمَّ مِيقَاتُ

رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً…’’. (سورة 7: 142 – الأعراف)

فما كانت إذًا الشريعة التي نزلت على موسى (عليه السلام)؟ على الرغم من أنَّ الشريعة كاملةً كانت طويلةً جدًّا (613 أمرًا وقانونًا تقرِّر ما يُسمَح به وما لا يُسمَح به – تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ حكم الشرعِ على ما هو حرامٌ وما هو حلالٌ) وهذه الأوامر أو الفرائض تشكِّل جزءًا كبيرًا من التوراة، تلقَّى موسى (عليه السلام) أوَّلاً، مجموعةً من الأوامر المعيَّنة كتبها الله على ألواحٍ حجريَّة. وتُعرَف هذه الأوامر بالوصايا العشر التي أصبحت الأساس لجميع الأحكام والنُظُم. كانت هذه الوصايا العشر، الأصل المطلق للشريعة– المتطلَّبات الأساسيَّة التي سبَقت جميع الأحكام الأخرى. يُشير القرآن الكريم إلى هذا الأمر في الآيتين (التاليتين لتلك الواردة أعلاه)

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا

بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ َّذِينَ

يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ

لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا

وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ. (سورة 7: 145 – 146- الأعراف)

 الوصايا العشر

إذًا، يقول القرآن الكريم إنَّ الوصايا العشر المكتوبة في ألواحٍ من حجر كانت آياتً من الله نفسه. ولكن ما كان فحوى هذه الوصايا أو الأوامر؟ نقدِّم هنا هذه الوصايا كما وردت تمامًا في سفر الخروج في التوراة، والتي قام موسى (عليه السلام) بنسخها عن الألواح الحجريَّة. (سوف أقوم فقط بإضافة الأرقام بحيث يمكنكم أن تعدُّوا الوصايا).

ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلا:

‘‘أنا الربَّ إلهُكَ الذي أخرجَك من أرضِ مِصرَ من بيتِ العبوديَّة.

1) لا يكن لكَ آلهةً أُخرى أمامي.

2) لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا، ولا صورةً ما ممَّا في السماء مِن فوق، وما في الأرضِ مِن تحت، وما في الماء مِن تحتِ الأرضِ. لا تسجُدْ لهنَّ ولا تَعبُدْهُنَّ لأنِّي أنا الربُّ إلهك إلهٌ غيورٌ، أفتقدُ ذنوبَ الآباءِ في الأبناءِ في الجيلِ الثالثِ والرابعِ مِن مُبغضيَّ وأصنعُ إحسانًا إلى ألوفٍ مِن مُحبِّيَّ وحافظي وصايايّ.

3) لا تَنْطقْ باسمِ الربِّ إلهكِ باطلاً، لأنَّ الربَّ لا يُبرِئ مَن نطقَ باسمهِ باطلاً.

4) اذكرْ يومَ السبت لتقدِّسهُ. ستَّة أيَّامٍ تعمَل وتصنَعُ جميعَ عمَلِك، وأمَّا اليومُ السابعُ ففيه سبتٌ للربِّ إلهكِ. لا تصنع عملاً ما أنتَ وابنُكَ وابنتُكَ وعبُدكَ وأمَتُكَ وبهيمتُكَ ونزيلُك الذي دخلَ أبوابَك. لأنْ في ستَّةِ أيَّامٍ صنعَ الربُّ السماءَ والأرضَ والبحرَ وكلَّ ما فيها، واستراح في اليومِ السابعِ. لذلك باركَ الربُّ يومَ السبتِ وقدَّسَه.

5) أكرِم أباكَ وأمُّكَ لكي تطولَ أيَّامُكَ على الأرضِ التي يُعطيكَ الربُّ إلهُك.

6) لا تقتُلْ.

7) لا تَزنِ.

8) لا تسرقْ.

9) لا تَشهَد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ.

10) لا تشتهِ بيتَ قريبِكَ. لا تشتهِ امرأةَ قريبِك، ولا عبْدَهُ، ولا أمَتَه، ولا ثورَه ، ولا حمارَهُ، ولا شيئًا ممَّا لقريبِكَ.

وكان جميعُ الشعبِ يَرَونَ الرعودَ والبروقَ وصوتَ البوقِ، والجبلُ يدَّخِّن. ولمـــَّا رأى الشعبُ ارتعدوا ووقفوا من بعيدٍ’’. سفر الخروج 20: 1- 18

 

في كثيرٍ من الأحيان، يبدو أنَّ الكثيرين منَّا من الذين يعيشون في البلدان العلمانيّة، ينسون أنَّ هذه الوصايا كانت أوامر. لم تكن اقتراحات. لم تكن توصيات. ولا كانت قابلة للتفاوض. كانت أوامر يجب أن تُطاع – أن يُخضع لها. وكان بنو إسرائيل في خوفٍ من قداسة الله.

 مستوى الطاعة

ولكن يبقى سؤالٌ مهمٌّ. كَمْ من الأوامر كان يتوجَّب عليهم أن يُطيعوا؟ ترِدُ الآية التالية تمامًا قبل نزول الوصايا العشر المذكورة أعلاه.

 …وَجَاءُوا إِلَى بَرِّيَّةِ سِينَاءَ فَنَزَلُوا فِي الْبَرِّيَّةِ. هُنَاكَ نَزَلَ إِسْرَائِيلُ مُقَابِلَ الْجَبَلِ.

وَأَمَّا مُوسَى فَصَعِدَ إِلَى اللهِ. فَنَادَاهُ الرَّبُّ مِنَ الْجَبَلِ قَائِلاً: ‘‘…إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. (سفر الخروج 19: 2- 5)

ونزلَت هذه الآية تمامًا بعد نزول الوصايا العشر

 وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا:

‘‘كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ’’. (سفر الخروج 24: 7)

في السفر الأخير من التوراة (هناك خمسة أسفار) الذي هو رسالة موسى النهائيَّة، أوجز طاعةَ شريعة الله على هذا النحو.

 فَأَمَرَنَا الرَّبُّ أَنْ نَعْمَلَ جَمِيعَ هذِهِ الْفَرَائِضَ وَنَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَنَا، لِيَكُونَ لَنَا خَيْرٌ كُلَّ الأَيَّامِ،

وَيَسْتَبْقِيَنَا كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ.وَإِنَّهُ يَكُونُ لَنَا بِرٌّ إِذَا حَفِظْنَا جَمِيعَ هذِهِ الْوَصَايَا

لِنَعْمَلَهَا أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا أَوْصَانَا. (تثنية 6: 24- 25)

 الحصول على البِرِّ

تظهرُ هنا هذه الكلمة ‘البرّ’ مرَّةً أخرى. وهي كلمة مهمَّة جدًّا. رأيناها لأوَّل مرَّة وقد ورَدَت في آية آدم عندما قال الله لبني آدمَ (أيّ نحنُ!):

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا. وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ – ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ’’ [سورة 7: 26 (الأعراف)]

ثمَّ شاهدناها في آية إبراهيم الثانية عندما وعده الله بابنٍ، وصدَّق إبراهيم (عليه السلام) هذا الوَعد، وتقول الآية بعد ذلك إنَّه (أيّ إبراهيم)

…آمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ (أيّ الله) لَهُ بِرًّا. (سفر التكوين 15: 6)

(يُرجى الاطِّلاع على آية إبراهيم الثانية للحصول على شرحٍ كاملٍ لما تعنيه كلمة برّ).

تقول الآية هنا، إنَّ الوسيلة للحصول على البرِّ من خلال الشريعة هي التالي: ‘‘وَإِنَّهُ يَكُونُ لَنَا بِرٌّ إِذَا حَفِظْنَا جَمِيع هذِهِ الْوَصَايَا…’’ (تثنية 6: 25).

لكنَّ شرط الحصول على البرّ عسيرٌ وصارم. فهو يقول إنَّنا يجب أن ‘نحفَظ جميع هذه الوصايا’ و عندها فقط يمكن أن نحصل على البرِّ. هذا الأمر يذكِّرنا ﺑــ آية آدم. كان يكفي أن يعصيا الله مرَّةً واحدةً فقط ليدينهما ويُخرِجهما من الجنَّة. لم ينتظر الله حدوث عدَّة أفعال عصيان. وهذا ما حدث مع زوجة لوط في آية لوط. لمساعدتنا حقًا على فهمِ خطورة وجديِّة هذا الأمر، وضعت في رابطٍ هنا الآياتالعديدة في التوراة التي تؤكِّدُ على هذا المستوى الدقيق المطلوب من طاعة الشريعة.

دعنا نفكِّر للحظة واحدة في ما يعنيه هذا. في الدورات الدراسيّة التي أخذتها في الجامعة، كان الأستاذ في بعض الأحيان يعطينا العديد من الأسئلة (على سبيل المثال، 25 سؤالاً) في الامتحان، ومن ثمَّ يطلب منا الإجابة فقط على بعض الأسئلة التي نختار الإجابة عليها. لذلك يمكننا، على سبيل المثال، اختيار 20 سؤالاً من أصل 25 للإجابة عليها في الامتحان. قد يجد طالبٌ ما أحد الأسئلة صعبًا جدًّا وأنّه يمكنه أن يقرِّر تخطِّيه، لكنَّ طالبًا آخر يجد سؤالاً مختلفًا صعبًا ويتخطّى ذلك السؤال. في الواقع، كان علينا الإجابة على 20 سؤالاً من اختيارنا من أصل 25 سؤالاً. بهذه الطريقة، يجعل الأستاذ الامتحان أكثر سهولة بالنسبة إلينا.

يتعامل العديد من الأشخاص مع وصايا الشريعة العشر بالطريقة نفسها. فهم يعتقدون بأنَّ الله بعد إعطائه الوصايا العشر كان يعني ‘‘حاولوا إطاعة خمس وصايا من اختياركم من هذه العشر’’. لكن لا، لم تُعطَ الوصايا لتُطبَّق على هذا النحو. لقد أُعطِيَت لكي تُطاع وتُحفَظ جميعها، وليس فقط البعض منها من اختيارنا. فقط في حفظ جميع الوصايا، ‘‘يكون هذا برًّا لهم’’

لكن لماذا يتعامل بعض الأشخاص مع الوصايا على هذا النحو؟ لأنّه من الصعب جدًّا طاعة الوصايا، خاصَّةً لأنّها لم تُعطَ ليومٍ واحدٍ فقط، بل لحياتك كلِّها. لذلك، من السهل بالنسبة إلينا أن نخدع أنفسنا ونقوم بخفض المستوى. يُرجى مراجعة هذه الوصايا مرَّةً أخرى وأن تطرَح على نفسك هذا السؤال: ‘‘هل يمكنني إطاعة هذه الوصايا؟ جميعها؟ كلِّ يوم؟ دون أن أفشل؟ إنَّ السبب الذي يدعونا إلى طرح هذا السؤال على أنفسنا هو أنَّ الوصايا العشر لا تزال سارية المفعول. إنَّ الله لم يوقِفُ هذه الوصايا حتّى عندما جاء أنبياءٌ آخرون (بمن فيهم عيسى المسيح (عليه السلام) والنبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وسَلَّم –انظر هنا) بعد موسى (عليه السلام). بما أنَّ هذه هي الوصايا الأساسيَّة التي تتعامل مع عبادة الأصنام، عبادة الإله الواحد، الزنا، القتل، الكذب، وما إلى ذلك. فهي صالحة لكلِّ زمان، ولهذا علينا جميعًا أن نسأل عمَّا إذا كنّا نطيعها. لا أحد يستطيع الإجابة عن شخصٍ آخر على هذا السؤال – يمكنه وحده فقط الإجابة عليه. وسوف يُسألُ عنه يوم الدينونة أمام الله.

السؤال الذي هو غاية في الأهميَّة، والذي يُطرَح أمام الله

لهذا سوف أقوم بطرح سؤالٍ معدَّلٍ من سفر التثنية 6: 25 بحيث يصبح شخصيًّا ويمكنك الإجابة عنه بنفسك. تختلف طُرق تطبيق حُكم الشريعة عليك تبعًا لكيفيَّة الردّ على هذا الكلام الصادر عن الله. لهذا، عليك أن تفكِّر مليًّا ومن ثمَّ تختار الجواب الذي تعتقد بأنَّه صحيح بشأنك. انقر على الإجابة التي تنطبق عليك.

سؤالٌ من سفر التثنية 6: 24- 25 جُعِل شخصيًّا لأجلك

 الرَّبُّ أمَرَني أن أُطيع جميع هذه الأحكام والفرائض وأن أتَّقي الرَّبَّ إلهَنا، ليكون لي خيرٌ كلَّ الأيَّام، ويَستبقيني كما في هذا اليَوم. وإنَّه يكونُ لي بِرٌّ إذا حَفِظتُ جميعَ هذه الوصايا لأعملها أمام الربِّ إلهِي كما أوصاني.

نعم – هذا صحيحٌ بالنسبة إليَّ.

كلاّ – لم أُطِع جميع الوصايا، وهذا غير صحيحٍ بالنسبة إليَّ.