الملكوت الآتي

 رأينا في مقالتي الأخيرة كيف تنبّأ إشعياء النبيّ (عليه السلام) بمجيء ابن العذراء الذي تحقَّق في ولادة عيسى المسيح (عليه السلام) بعد عدّة مئات من السنين.  غير أنّ نبوءاتٍ أخرى في الزبور أيضًا أعلنَت عن زمنٍ قادمٍ يحلُّ فيه السلام والبركة.  سوف ننظر الآن في هذه النبوءات.

 

      رأينا في تاريخ بني إسرائيل أنّ النبيّ والملك داود (عليه السلام) كان الأوّل من سلسلة الملوك الذين عيّنهم الله حكّامًا على القدس.  ولكنّ معظم الملوك الذي تعاقبوا بعد الملكَين داود وسُليمان (عليهما السلام) كانوا فاسدين.  لهذا، كانت الحياة في مملكتهم حينها شبيهةً بالعيش في ظلّ حكم العديد من حكّام اليوم الفاسدين والمستبدّين؛  كان هناك الكثير من الحروب والمعارك بين الشعوب وبين الأمم – تمامًا كما يحدث اليوم، وكان هناك الكثير من الفساد واستغلالٌ للفقراء مِن قِبَل الأغنياء – تمامًا كما يحدث اليوم؛  وكان هناك الكثير من الموت والبؤس في كلّ مكان – تمامًا كما يحدث اليوم.  لكنّ أنبياء الزبور قالوا إنّ عهدًا جديدًا سوف ينشأ في المستقبل.  وسيكون هذا العهد مملكةً يسودها العدل والرحمة والحبّ والسلام وطمأنينة كبيرة.  تأمّل كيف تنبّأ إشعياء النبيّ (عليه السلام) كيف ستكون الحياة في ظلّ هذا الحُكم. 

  فَيَقْضِي (الله) بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.

(إشعياء 2: 4)

 

     لا مزيد من الحروب!  من المؤكّد أنّ هذا ليس صحيحًا في عالمنا اليوم.  ولكن، حتّى أبعد من السلام بين الأُمم، أعلنت النبوءات حتّى عن تغييراتٍ في البيئة الطبيعيّة. 

     فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا.  وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. (إشعياء 11: 6-9)

 

وهذا بالتأكيد لم يحصل (بعد).  لكنّ النبوءات تمتدّ حتّى إلى ما هو أبعد من امتداد الأعمار والأمن الشخصيّ.

 

‘‘لاَ يَكُونُ بَعْدُ هُنَاكَ طِفْلُ أَيَّامٍ، وَلاَ شَيْخٌ لَمْ يُكْمِلْ أَيَّامَهُ. لأَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَالْخَاطِئُ يُلْعَنُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ. وَيَبْنُونَ بُيُوتًا وَيَسْكُنُونَ فِيهَا، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا. لاَ يَبْنُونَ وَآخَرُ يَسْكُنُ، وَلاَ يَغْرِسُونَ وَآخَرُ يَأْكُلُ… وَيَسْتَعْمِلُ مُخْتَارِيَّ عَمَلَ أَيْدِيهِمْ. لاَ يَتْعَبُونَ بَاطِلاً وَلاَ يَلِدُونَ لِلرُّعْبِ، لأَنَّهُمْ نَسْلُ مُبَارَكِي الرَّبِّ، وَذُرِّيَّتُهُمْ مَعَهُمْ. وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ. الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ يَرْعَيَانِ مَعًا، وَالأَسَدُ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ…’’ قَالَ الرَّبُّ.  (إشعياء 65: 20-25)

      الأمنَ والسلام والاستجابة الفوريّة للصلوات… لا شيء من هذه النبوءات قد حدث – حتّى الآن.  لكنّه قد نُطِق بها ودوِّنَت في الكُتب.  يعتقد الكثيرون أنّه ربّما كان هناك بعض الخطأ في هذه النبوءات السخيّة – لكنَّ تحقُّق هذه النبوءات حرفيًّا في آية ابن العذراء ينبغي أن يجعلنا نأخذها على محمل الجدّ – وأن نطمح في تحقيقها.

 ملكوت الله

      ربّما استطعنا إذا ما أمعنّا التفكير أكثر أن نفهم سبب عدم تحقّقها حتّى الآن.  لقد أُعلِنَت هذه النبوءات في سياق ملكوت الله – سلطة الله في حياة وشؤون الناس.  اقرأ نبوءة أخرى من الزبور حول ملكوت الله الآتي.

 

يَحْمَدُكَ يَا رَبُّ كُلُّ أَعْمَالِكَ، وَيُبَارِكُكَ أَتْقِيَاؤُكَ. بِمَجْدِ مُلْكِكَ يَنْطِقُونَ، وَبِجَبَرُوتِكَ يَتَكَلَّمُونَ، لِيُعَرِّفُوا بَنِي آدَمَ قُدْرَتَكَ وَمَجْدَ جَلاَلِ مُلْكِكَ. مُلْكُكَ مُلْكُ كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. اَلرَّبُّ عَاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطِينَ، وَمُقَوِّمٌ كُلَّ الْمُنْحَنِينَ.  (مزمور 145: 10-14)

 

     كانت هذه رسالة مُقدَّمة من الملك والنبيّ داود (عليه السلام) حوالي 1000 عام قبل الميلاد

(رجاءً، انظر الرابط هنالمعرفة متى عاش داود وغيره من أنبياء الزبور).  تتوقَّع هذه النبوءة مجيء يومٍ سيتمّ فيه على نحوٍ ظاهرٍ قيام ما يدعوه الزبور   سيكون لهذه المملكة المجد والجلال ولن تكون مملكةً مؤقّتة مثل ممالك الإنسان – بل ستكون مملكةً أبديّة.  إنّ هذا لم يحدث بعد، وهذا هو السبب في أنّنا لم نشهد نبوءات السلام الأخرى هذه تتحقّق حتّى الآن –  لأنّ هذا السلام يترافق ومجيء ملكوت الله.

 

     هناك نبيٌّ آخرٌ في الزبور وهو دانيال (عليه السلام) الذي عاش حوالي سنة 550 قبل الميلاد في بابل التي كانت جزءًا من المكان الذي نُفيَ إليه بنو إسرائيل، يشرح المزيد عن كيفيّة نشوء هذه المملكة.  (الخطّ تحت اسم دانيال باللّون الأحمر..) اسم دانيال مُحاط باللّون الأحمر في الجدول الزمني أدناه. 

Timeline Daniel arabic

الزمن الذي عاش فيه النبيّ دانيال (عليه السلام) مقارنةً مع غيره من أنبياء الزبور.

    

      عمِل دانيال (عليه السلام) في الحكومة البابليّة ورُفِع إلى مرتبة رئيس الوزراء.  في بداية حياته المهنيّة، قام بتفسير الأحلام التي كان الله يرسلها إلى الملك البابليّ في ذلك الزمان ليتنبّأ بالمستقبل الذي تتكشّف عنه الممالك عبر التاريخ.  إليكم هنا كيف يفسِّر دانيال الحلم لملك بابل هذا. 

 

…لأَنَّ إِلهَ السَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَاقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو الْبَشَرِ وَوُحُوشُ الْبَرِّ وَطُيُورُ السَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا… وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لأَنَّ الْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. …تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هؤُلاَءِ. …وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لاَ بِيَدَيْنِ…. (دانيال 2: 36-45)

 

     تبدأ هذه المملكة صغيرةً (‘قطعة صخرٍ مُقتَطعةٍ من جبلٍ’)، لكنّ حكمها في نهاية المطاف سوف يستمرُّ إلى الأبد، كما ورد في نبوءة داود (عليه السلام) في مزمور 145 الذي رأيناه أعلاه.  فلماذا إذن يقوم الله بإنشاء مملكته ببطءٍ شديدٍ؟  لماذا يستغرق الأمر هذا الوقت الطويل؟  لماذا لم تتحقّق النبوءة حتّى الآن؟  حسنًا، عندما تفكِّر في ذلك، فإنّ أيّة مملكة وجميع الممالك يكون لديها المكوِّنات التالية:

  • ·       ملكٌ أو حاكمٌ
  • ·       مواطنون
  • ·       دستورٌ أو قانون
  • ·       طبيعة

      على سبيل المثال، دعونا نعتبر كندا حيث أعيش كمملكة.  لدى كندا حاكم – الذي هو اليوم ستيفن هاربر (Stephen Harper)رئيس وزرائنا المــُنتَخَب. كندا لديها مواطنون – الذين أنا أحدهم.  تمتلك كندا دستورًا أو قانونًا أيضًا يحدِّد حقوق ومسؤوليّات جميع المواطنين فيها.  كما أنّ لدى كندا طبيعة، وهي تقع في هذه الحالة في جزءٍ معيَّنٍ من الأرض يعطيها حجمًا طبيعيًّا معيَّنًا ومناخًا وموارد طبيعيّة، إلخ…  تمتلك جميع البلدان والممالك، في الماضي والحاضر، هذه العناصر الأربعة كلّها.

 أنت وأنا مدعوّان إلى ملكوت الله

      وهذا ينطبق أيضًا على ملكوت الله.  لقد سبق وأن رأينا من النبوءات أعلاه أنّه سيكون لهذا الملكوت طبيعة خاصَّة (مجيدة وأبديّة) ودستور (سلامٍ وعدلٍ وانسجامٍ في الطبيعة، إلخ).  إنّ المكوِّنَين الآخرَين هما اللّذان يجعلان ملكوت الله ممكنًا:  ملكها ومواطنيها.  أتناول أوّلاً في المقال التالي شخص الملك، في هذه الأثناء، ربّما ترغب في أن تسأل نفسك عمّا إذا كنت تريد أن تكون مواطنًا في ملكوت الله هذا – حتّى التَوق إليه مثل شخصٍ عطشان.  إليكم ها هنا كيف أنّ النبيّ إشعياء (عليه السلام)، من خلال رسالته، يدعو الناس جميعًا الذين يريدون أن يكونوا مواطنين في هذا الملكوت. 

 ‘‘أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا… بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا وَكُلُوا الطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ… اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.

(إشعياء 55: 1- 6)

     إنّ الله يدعو جميع الذين هم ‘‘عطاش’’ إلى هذا الملكوت ليأتوا إليه، كما أنّ المحبّة التي أغدقها الله على الملك داود (عليه السلام) منذ القِدَم، سوف تمتدّ لتشمل جميع أولئك الذين يسعون للمجيء إليه.  إذا تلقّيت دعوةً لحضورٍ شيءٍ ما، فذلك يعني أنّك لم تحضر بعد.  لكنّ حقيقة أنّ الله يدعونا، تعني أنّه يريدنا أن نصبح مواطنين في ملكوته ونعيش في ظلِّ هذا الحكم الذي يسوده السلام.  وهكذا فإنّ لدينا العديد من التساؤلات حول هذه النقطة، ‘‘كيف’’ و ‘‘متى’’ بشأن مجيء هذا الملكوت الذي سوف نستمرّ في مناقشته في المزيد من المقالات حول الزبور.  ولكن هناك أيضًا سؤال واحدٌ آخر تستطيع أنت فقط الإجابة عليه:  ‘‘هل أريد أنا أن أكون في هذا الملكوت؟’’