يختتم العهد القديم آياته – بوعد مجيء المُعِدّ

    رأينا في آية الخادم أنّه قد وُعِد بمجيء الخادم. لكن وَعد مجيئه بأكمله يستند إلى سؤالٍ مهمٍّ. بدأ النبيّ إشعياء (عليه السلام) كلامه بطرح السؤال:

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا…؟ (إشعياء53: 1)

كان إشعياء قد تنبّأ بأنّهم (بني إسرائيل) لن يصدِّقوا الخادم، ولم تكن المشكلة مع الرسالة أو آيات الخادم، لأنّهما كانا سيكونان دقيقَين في التوقيت من خلال  دورات ’’السبعات‘‘ وكذلك من خلال الاسم محدِّدين أنّه سوف ’يُقطَع‘. لم تكن المشكلة تكمن في عدم وجود آيات كافية. كلاّ، كانت المشكلة هي قساوة قلوب الشعب. وهكذا كان يجب أن يأتي أحدٌ قبل مجيء الخادم لإعداد الشعب لمجيئه. لذلك، أعطى النبيّ إشعياء (عليه السلام) هذه الرسالة حول الشخص الذي سيقوم بإعداد الطريق أمام الخادم. وقد تلقّى الرسالة التالية:

 صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا،

لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ (إشعياء 40: 3-5)

كتبَ إشعياء (عليه السلام) عن شخصٍ سوف يأتي ’’في البرِّيَّةٍ‘‘ ’ليُعِدَّ طريق الربِّ‘. وهذا الشخص سيزيل العقبات (سيمهِّد هذا الطريق) بحيث ’’يُعلَن مجدُ الرَّبِّ‘. لكنّ إشعياء لم يحدِّد الطريقة التي سيتمُّ فيها هذا الأمر.

 النبيّ ملاخي – آخر أنبياء العهد القديم

isaiah, malachi and elijah in zabur timeline - in arabic

الأنبياء إشعياء و ملاخي و إيليّا (عليهم السلام) كما هم مبيَّنين في الجدول الزمنيّ التاريخي

بعد إشعياء بحوالي 300 سنة، جاء ملاخي (عليه السلام)، وهو الذي كتب السفر الأخير من العهد القديم. وفي هذا السفر، كتب ملاخي (عليه السلام) بشكلٍ مفصًّل عمّا كان إشعياء قد قاله حول مجيء المــــُعِدّ. كتب يقول:

هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ،

وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ (ملاخي3: 1)

هنا مرّةً أخرى يتنبّأ ملاخي بالرسول الذي سوف ’يُعِدُّ الطريق‘. بعد مجيء هذا المـــُعِدّ، سيأتي ’رسول العهد (الميثاق)‘. أيُّ ميثاقٍ يُشير إليه ملاخي (عليه السلام)؟ تذكّروا أن النبيّ ارميا (عليه السلام) قد تنبّأ بأنّ الله سوف يصنع عهدًا جديدًا بأن يكتبه على قلوبنا. عندها فقط سنكون قادرين على إرواء عطشنا الذي يقودنا دائمًا إلى الخطيئة. هذا هو العهد نفسه الذي يُشير إليه ملاخي (عليه السلام). سيكون مجيء المــــُعِدّ إشارة إلى إعطاء ذلكالعهد.

ثمّ يختمُ ملاخي (عليه السلام) الكتاب المقدَّس بأكمله بالنظر إلى المستقبل وبهذه الفقرة الختاميّة:

هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ (ملاخي4: 5- 6)

ما الذي كان يعنيه ملاخي (عليه السلام) بقوله إنّ ’إيليّا‘ سوف يأتي قبل يوم الربّ العظيم؟ من كان إيليَّا؟ لقد كان نبيًّا آخر لم نكن قد تناولناه في دراستنا (لا يمكننا تناول جميع الأنبياء لأنّ هذا من شأنه أن يجعل سلسلة المقالات هذه طويلة جدًّا، ولكن انظُر إليه في الجدول الزمنيّ أعلاه). عاش إيليّا (عليه السلام) حوالي سنة 850 قبل الميلاد. كان معروفًا بعيشه في البرِّيَّة وارتدائه ثيابًا مصنوعة من شعر الحيوان وبأنّه كان يأكل طعامًا من البرِّيَّة. كان يبدو على الأرجح شخصًا غريبًا جدًّا. كتب ملاخي أنَّ المـــُعِدّ الذي سيأتي قبل مجيء العهد الجديد، سوف يكون بطريقةٍ ما شبيهًا بإيليّا (عليه السلام).

وبهذا الإعلان، تمَّ الانتهاء من كتابة العهد القديم حوالي سنة 400 قبل الميلاد. كان لهؤلاء الأنبياء جميعًا رسالة موحَّدة تتحدَّث عن وعود بأمورٍ ستحصل في المستقبل. دعنا نقوم بمراجعة بعضها.

مراجعة الوعود التي كانت لم تتحقَّق بعد

  • أعلن النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في آية الذبيحة أنّه على جبل موريا ’’سوف يُعطى‘‘. كان اليهود لا يزالون ينتظرون في ذلك الوقت أن يتمّ هذا ’العطاء ‘.
  • كان النبيّ موسى (عليه السلام)قد قال إنَّ الفصح كان آيةً لبني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يحتفلون بالفصح على مدى تاريخهم، لكن كآية، فإنّ ما كانت تُشير إليه لم يكن قد أُعلِن بعد.
  • تنبّأ النبي موسى (عليه السلام) في التوراة بأن نبيًّا سوف يأتي وأنّ الله قال عنه: ’’و أجعل كلامي في فمه‘‘.   أعلن الله أيضًا في ذلك الوعد الذي يتحدّث عن النبيّ الآتي قائلاً: ’’ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ‘‘.
  • كان النبيّ داود (عليه السلام) قد تنبّأ بمجيء المسيح. خلال تاريخهم الطويل، تساءل بنو إسرائيل كيف سيكون مُلك ’المسيح‘.
  • وكان النبيّ إشعياء (عليه السلام) قد تنبّأ بأنّ عذراء ستلد ’ابنًا‘. في ختام كتاب الزبور، كان اليهود لا يزالون ينتظرون هذا الحدث الاستثنائيّ أن يقع.
  • وكما رأينا هنا، تنبّأ النبيّ ملاخي (عليه السلام) بأنّ  كلّ هذا سوف يسبقه مجيء المــــُعِدّ. وكان مجيئه لتهيئة قلوب الناس لأنّ من السهل أن تقسو قلوبنا تجاه أمور الله.

      وهكذا بختام كتاب الزبور 400 سنة قبل الميلاد، عاش الشعب اليهودي وهو ينتظر تحقيق هذه الوعود الرائعة. ولا يزال ينتظر وينتظر. جيلٌ يأتي ويحلُّ محلّه جيلٌ آخر، وسيأتي بعده آخرون – دون أن تتحقَّق هذه الوعود.

 ما الذي حدث بعد الانتهاء من كتابة العهد القديم

كما رأينا في تاريخ بني إسرائيل، غزا الاسكندر الأكبر معظم العالم الذي كان معروفًا في العام 330 قبل الميلاد، وانطلاقًا من هذه الغزوات، اعتمدت شعوب وحضارات العالم اللغة اليونانيّة. كما أصبحت الإنكليزيّة اليوم لغةً عالميّة للأعمال التجاريّة والتعليم والأدب، كانت اليونانيّة على نحوٍ مماثل مهيمنة في ذلك الوقت. قام المعلّمون اليهود بترجمة التوراة  والزبور من اللغة العبريّة إلى اللغة  اليونانيّة حوالة سنة 250 قبل الميلاد. أُطلِق على هذه الترجمة اسم الترجمة السبعينيّة. كما رأينا هنا، فإنّ هذا كان المصدر الذي أتت منه كلمة ’Christ‘، ورأينا هنا أنّ هذا كان أيضًا مصدر اسم ’يسوع‘.

isaiah, malachi and elijah in zabur timeline - in arabic

يظهر الأنبياء إشعياء و ملاخي و إيليّا (عليهم السلام) كما هو مبيِّن في الجدول الزمني التاريخي

خلال هذا الوقت (300 – 100 قبل الميلاد الذي هو الفترة الزمنيّة باللّون الأزرق في الجدول الزمنيّ)، كان هناك التنافس العسكريّ المستمرّ بين مصر وسوريا، وبما أنَّ بني إسرائيل كانوا تمامًا بين هاتين الإمبراطوريّتين، فقد كانوا يعلقون بانتظام في المعارك الدائرة. سعى واحدٌ من الملوك السوريّين إلى فرض الدين اليوناني (وهو دينٌ يقوم على عبادة الأوثان) على بني إسرائيل والقضاء على عبادتهم لإلهٍ واحدٍ. فقاد بعض القادة اليهود انتفاضة للدفاع عن دين التوحيد واستعادة نقاء عبادةٍ وضع النبيّ موسى (عليه السلام) أُسسها. أكان هؤلاء القادة هم التحقيق لهذه الوعود التي كان ينتظرها اليهود؟ لم يكن هؤلاء الرجال يتلاءمون مع آيات النبؤءات على الرغم من أنّهم كانوا أتباعًا مخلصين للعبادة كما علَّمها الأنبياء. في الواقع، هم أنفسهم حتّى لم يدَّعوا أنّهم أنبياء، كانوا مجرّد يهودٍ أتقياء يدافعون عن عبادتهم ضدَّ عبادة الأوثان.

كُتِبَت المؤلّفات التاريخيةّ التي تتناول هذه الفترة، واصفةً هذه الصراعات التي حافظت على العبادة التوحيديّة. قدّمت هذه الكتب رؤية تاريخيّة ودينيّة، وهي قيِّمة للغاية. لكنّ الشعب اليهودي لم يعتبر أنّها كُتِبَت مِن قِبَل أنبياء، ولذلك لم تُدرَج هذه الكتب في الكتاب المقدّس. كانت كتبًا جيّدة، كتبها أشخاصٌ متديّنون، لكنّها لم تكن مكتوبة مِن قِبل أنبياء. عُرِفَت هذه الكتب باسم الأبوكريفا (Apocrypha).

ولكن لأنّ هذه الكتب كانت مفيدة، فقد كانت تُدرَج في كثيرٍ من الأحيان جنبًا إلى جنب مع كتب الأنبياء لتقدِّم تاريخ الشعب اليهوديّ كاملاً. بعد كتابة الإنجيل ورسالة عيسى المسيح (عليه السلام)، جُمِعَت كتُب هؤلاء الأنبياء في كتابٍ واحدٍ – الكتاب المقدَّس. تُدرج اليوم بعض الكتب المقدّسة حتّى كُتب الأبوكريفا على الرغم من أنّها ليست جزءًا من الكتابات النبويّة.

لكنّ الوعود التي أُعطِيَت مِن قِبَل الأنبياء كانت لا تزال تنتظر أن تتحقَّق. بعد التأثيرات اليونانيّة، اتَّسعَت رقعة الإمبراطوريّة الرومانيّة القويّة واحتلّت مكان الإغريق في حكم اليهود (هذه هي الفترة باللون الأصفر التي تأتي بعد الفترة باللون الأزرق في الجدول الزمنيّ أعلاه). حكمَ الرومان بكفاءةٍ ولكن بقسوة. كانت الضرائب مرتفعة ولم يكون الرومان يتسامحون مع أيّة مخالفة. كان الشعب اليهوديّ يتوق أكثر من أيِّ وقتٍ مضى إلى تحقيق الوعود التي أعطاها الأنبياء، على أنّ فترة انتظارهم الطويلة جعلت عبادتهم متزمّتة جدًّا، وقد وضعوا العديد من القوانين الإضافيّة التي أتت من التقاليد وليس من الأنبياء. بدَت هذه ’الوصايا‘ الإضافيّة كفكرةٍ جيّدة عند اقتراحها في البداية، لكنّها سرعان ما حلّت محلّ وصايا الأنبياء الأصليّة في قلوب وعقول معلِّمي اليهود.

ثمَّ أخيرًا، حين بدا أنّ الله ربّما كان قد نسي الوعود منذ وقتٍ طويل، جاء الملاك جبرائيل العظيم (جبريل) ليُعلِن ولادة المــــُعِدّ التي طال انتظارها. نحن نعرفه اليوم باسم النبيّ يحيا (أو يوحنّا المعمدان – عليه السلام). ولكن هنا يبدأ الإنجيل، وهذا ما سوف نبحثه في المرّة القادمة.