الشيطان يُجرِّبُ المسيح

لقد رأينا كيف جاء النبيّ يحيا (عليه السلام) ليُعِدَّ الناس لمجيء المسيح. كانت رسالته البسيطة لكن القويَّة تقول إنَّ الجميع يجب أن يتوبوا. يتابع الإنجيل سرده فيقول إنَّ النبيّ عيسى (عليه السلام) قد اعتمدَ على يد يحيا (عليه السلام). وهذا قد أعلنَ بِدء خدمة عيسى (عليه السلام) العامّة بوصفه المسيح. ولكن قبل أن يكون من الممكن أن تبدأ هذه الخدمة، كان على المسيح أن يُختَبَر ويُجَرَّب أوّلاً مِنْ قِبَل العدو الأكبر لنا جميعًا – الشيطان نفسه.

يصف الإنجيل هذا الاختبار بشيءٍ من التفصيل بذكر ثلاث تجارب محدَّدة عرضها الشيطان على عيسى (عليه السلام). دعنا نُلقي نظرة على كلِّ واحدةٍ منها بدورها. (سوف تلاحظ في هذه التجارب أنّ الشيطان يُخاطب عيسى داعيًا إيّاه بهذا اللقب الصعب ’ابن الله‘. ولكي نفهم ما معنى ذلك، يُرجى الاطّلاع على مقالتي هنا).

تجربة الخُبز

ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً،
جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: ’’إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا‘‘.

فَأَجَابَ وَقَالَ: ’’مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ‘‘‘.
(متى 4: 1- 4)

نرى هنا شيئًا موازيًا لما حدث عندما أقدم الشيطان على إغراء أو تجربة آدم وحوّاء في الفردَوس. ولعلّكم تذكرون أنَّه في تلك التجربة، كانت الثمرة المـــُحَرَّمة ’…جيِّدة للأكل…‘ وكان ذلك أحد الأسباب في كونها مغريّةً جدًّا. في حالة عيسى (عليه السلام) هذه، وبعد صيامه (ولم يكن هذا الصوم يتبعه إفطار – أو كسر الصيام كلّ مساء) هذه الفترة الطويلة، فإنّ بإمكاننا أن نتفهَّم أنّ فكرة الخبز كانت بمثابة تجربة. ولكن هذه النتيجة كانت مختلفة عن نتيجة تجربة آدم بما أنَّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قاوم التجربة، في حين لم يفعل آدم ذلك.

ولكن لماذا لم يكن مسموحًا له بأن يأكل خلال الأربعين يومًا هذه؟ لا يُجيب الإنجيل على وجه التحديد على هذا السؤال، لكنّ الزبور قد تنبَّأ بأنَّ الخادم القادم سيكون ممثّلاً لأُمّة إسرائيل اليهوديّة. تحت قيادة النبيّ موسى (عليه السلام)، تاهت أُمَّة إسرائيل 40 عامًا في الصحراء وهي تأكل الطعام الوحيد (الذي يُدعى المـــَنّ) الآتي من السماء. إنَّ الصيامَ أربعين يومًا والتأمُّل في كلمة الله باعتبارها غذاءً روحيًّا، كان بمثابة تجديدٍ رمزيٍّ لذلك الوقت في الصحراء بوصف المسيح الخادم الموعود.

التجربة لاختبار الله.

كانت التجربة الثانية بالمثل صعبة. يُخبرنا الإنجيل ما يلي:

ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: ’’إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ
فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:

أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ‘‘.

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’’مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ‘‘. (متى 4: 5-7)

يقتبس الشيطان هنا من كتاب الزبور ليُجرِّب عيسى (عليه السلام). ومن ثمَّ، من الواضح أنّه في معارضته لله، قد درس الكتابات المقدَّسة حتّى يتمكَّن من ابتكار طرقٍ للاعتراض عليها أو مقاومتها. هو يعرف جيِّدًا ما جاء في الكتب، وهو خبيرٌ في تحريفه.

أنقلُ هنا الفقرة الكاملة من الزبور التي لم يقتبس الشيطان سوى جزءٍ صغيرٍ منها. (وضعتُ خطًّا تحت الجزء الذي استشهد به).
10 لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ.
11 لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ.
12 عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ.
13 عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ.
14 لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. (مزمور 91: 10- 14)

يمكنك أن ترى أنَّ الزبور هنا يتحدَّث عن ’هو أو إنّه‘ التي يعتقد الشيطان أنّها تُشير إلى المسيح. لكنّ هذه الفقرة لا تقول بشكلٍ مباشرٍ ’المسيح‘، إذن كيف عرف الشيطان هذا؟

ستلاحظ أنَّ ’هو‘ سوف ’يَطأُ أو يدوس‘ ’الأسدَ العظيم‘ و ’الثعبان‘(الآية 13 باللون الأحمر). يُشير ’الأسد‘ إلى سبط يهوذا من بني إسرائيل منذ أن تنبّأ النبيّ يعقوب (عليه السلام) في التوراة بما يلي:

9 يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟
10 لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ. (تكوين 49: 9- 10)

إنَّ النبيّ يعقوب (عليه السلام) كان قد أعلن منذ زمنٍ طويل في التوراة (أي حوالي 1700 قبل الميلاد) أنّ سبطَ يهوذا كان ’كأسدٍ‘ الذي منه سيأتي ’هو‘ وأنّ ’هو‘ سوف يحكم. يتابع كتاب الزبور هذه النبوءة. بإعلانه أنَّ ’هو‘ سوف يطأ ’الأسد‘، يقول الزبور إنَّ هذا اﻟـ ’هو‘ سيكون حاكم أو ملك يهوذا.

إنّ الفقرة في الزبور التي اقتبس الشيطان منها، تذكر أيضًا أنّ ’هو‘ سوف ’يدوس الثعبان‘. وهذه إشارة مباشرة إلى الوعد الإلهيّ الأوّل في آية آدم بأنّ ’نسل المرأة‘ سيسحق الحيّة. إليكم هنا مرّةً أُخرى الرسم البياني الذي يوضِّح الشخصيّات والأحداث في هذا الوعد الأوّل.

فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ…

وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ‘‘.

(تكوين 3: 15)

العلاقة بين امرأة ورجل، الشيطان وذريتهم في حديقة الله

أُعطيَ هذا الوعد لأوّل مرّة في آية آدم، لكن التفاصيل حينها لم تكن واضحة بعد. نحن نعرف الآن أن ’المرأة‘ هي مريم (عليها السلام) لأنّها الشخصُ الوحيد الذي كان له نسلٌ من دون رجل – لقد كانت عذراء. وبالتالي نحن نعرف الآن أنَّ نسلها، اﻟـ ’هو‘ الذي وُعِدَ به هو عيسى المسيح (عليه السلام). ولهذا أدرجت هذه الأسماء في هذا المخطَّط البيانيّ. وكما ترون في هذا المخطَّط، كان الوعد القديم قد قال ’إنّه‘، أيّ عيسى المسيح سيسحق الحيّة. وقد كرَّرت النبوءة في الزبور، التي اقتبس الشيطان منها، هذا الوعد عند قولها:

’’عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ‘‘. (مزمور 91: 13)

إذًا، اقتبس الشيطان من الزبور الذي أشار بدوره في وقتٍ سابقٍ إلى هاتين النبوءتين من التوراة بأنّ ’هو‘ سوف يأتي وستخضَع له الشعوب ويسحق الشيطان (الثعبان). لقد كان الشيطان إذن يعرف أنّ الآيات التي اقتبسها من الزبور تُشير إلى المسيح، على الرغم من أنّها لم تذكر ’المسيح‘ بالاسم. لقد كانت تجربةُ الشيطان محاولةً لتحقيق النبوءة بطريقةٍ خاطئة. إنّ هذه النبوءات من الزبور والتوراة سوف تتحقَّق، ولكن ليس عن طريق رمي عيسى (عليه السلام) نفسه من فوق الهيكل لجذب الأنظار إليه، بل من خلال اتّباع الخطّة، دون انحراف، التي أُعلِنَ عنها في التوراة والزبور.

تجربة العبادة

ثمَّ جرَّب الشيطان عيسى بكلِّ ما كان يملكه – جميع ممالك الأرض. يقول الإنجيل ما يلي:

8 ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: ’’أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ
وَسَجَدْتَ لِي‘‘.
10 حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ:’’اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘‘.
11 ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. (متى 4: 8-11)

’مسيح‘ يعني ’الممسوح‘ ليحكُم، ولذلك فإنّ لدى المسيح الحقّ في أن يحكُم. جرَّب الشيطان عيسى (عليه السلام) بما كان حقٌّ من حقوقه، لكنّ الشيطان جرَّبه ليتَّخذ طريقًا مختصرًا خاطئًا للوصول إلى حُكمه، وكان يُجرِّب عيسى (عليه السلام) ليعبده هو ليحصل على الحكم – وهذا شُرْك. قاوم عيسى (عليه السلام) تجربة الشيطان (مرّةً أُخرى) من خلال الاستشهاد من التوراة. كان عيسى المسيح (عليه السلام) يعتبر التوراة كتابًا مهمًّا جدًّا، ومن الواضح أنّه كان على إلمامٍ جيِّدٍ جدًا به ويثق به.

عيسى (عليه السلام) – هو شخصٌ يفهمنا

إنَّ هذه الفترة التي تعرَّض فيها عيسى (عليه السلام) للتجربة هي مهمَّةٌ جدًّا بالنسبة إلينا. يقول الإنجيل عن عيسى:

لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ. (عبرانيين 2: 18)
و
لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.
فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ.
(عبرانيّين 4: 15- 16)

تذكَّروا أنَّ هارون (عليه السلام) كرئيسٍ للكهنة قد قدَّم الذبائح حتّى يتمكَّن بنو إسرائيل من نيل الغفران. والآن يُعتَبَر عيسى (عليه السلام) بطريقةٍ مماثلة رئيسًا للكهنة يمكنه التعاطف معنا وفهمنا – وحتّى مساعدتنا في التجارب التي نتعرَّض لها، وعلى وجه التحديد لأنّه هو نفسه قد تعرَّض للتجربة – (ومع ذلك كان دون خطيئة). ولذلك يمكننا أن نحصل على الثقة باقترابنا من الله بعيسى (عليه السلام) الذي هو بمثابة رئيس كهنتنا، لأنّه خضعَ لأكثر التجارب صعوبةً، لكنّه لم يستسلم ولم يُخطئ أبدًا. إنّه شخصٌ يفهمنا ويمكنه مساعدتنا لنتغلَّب على التجارب التي نتعرَّض لها وعلى خطايانا. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سندعهُ يفعل ذلك؟

النبيّ يحيا (عليه السلام) يُعدُّ الطريق

      رأينا فيما سبق أنَّ الزبور قد أُكمِل وخُتِم بالنبيّ ملاخي (عليه السلام) الذي تنبَّأ بأنَّ شخصًا سيأتي لكي ’يُعدَّ الطريق‘ (ملاخي 3: 1). وبعد ذلك رأينا كيف استُهِلَّ الإنجيل ببشارة الملاك جبريل (جبرائيل) بولادة النبيّ يحيا (عليه السلام) وولادة المسيح (وهو قد وُلِد من عذراء).

 النبيّ يحيا (عليه السلام) – في روحِ وقوَّة النبيّ إيليَّا

 يُسجِّل الإنجيل بعد ذلك  قصَّة النبيّ يحيا (الذي يُدعى أيضًا يوحنّا – عليه السلام):

أَمَّا الصَّبِيُّ (أيّ يوحنا) فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي

إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ. (لوقا 1: 80)

بينما كان يعيش في عزلةٍ في البريَّة، يُسجِّل الإنجيل أنَّ:

يُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ.

وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. (متى 3: 4)

روح يحيا (عليه السلام) القويّة جعلته يرتدي لباسًا خشنًا كما فعل، ويأكل طعامًا بريًّا ممّا يجده في البريَّة. ولكنّ ذلك لم يكن فقط بسبب روحه – لقد كان أيضًا علامةً مهمّةً. رأينا في ختام الزبور أنّ المـــُعِدَّ الذي كان قد وُعِدَ بمجيئه، سوف يأتي في ’روح إيليّا‘. كان إيليا أحد أنبياء الزبور الأوائل الذي كان أيضًا قد عاش وأكل في البريّة، وكان لباسه:

إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ. (2 ملوك 1: 8)

وبالتالي، عندما عاش يحيا ولبس كما فعل، كان ذلك للإشارة إلى أنّه المـــُعِدّ الآتي الذي تمَّ التنبؤ بمجيئه في روح إيليّا. كان لباسه وطريقة عيشه ومأكله في البريّة علامات لتبيِّن أنّه أتى وفقًا لخطّة الله التي تنبّأ بها الأنبياء.

الإنجيل –  مكانةٌ راسخةٌ (أو: راسخٌ..) في التاريخ

يُخبرنا الإنجيل بعد ذلك أنّه:

 فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ، فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ.

(لوقا 3: 1- 2)

بهذا التصريح، تبدأ خدمة يحيا (عليه السلام) النبويّة، وهو بالغ الأهميّة لأنّه يمثّل علامةً على بداية خدمته من خلال وضعه بجانب العديد من الحكّام المعروفين في  التاريخ. لاحظ هذه الإشارة الواسعة لحكّام ذلك العصر. وهذا يسمح لنا بالتحقُّق تاريخيًّا من القصَّة بكثيرٍ من الدقّة. إذا قمتَ بذلك، سوف تجد أن طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطي وهيرودُس وفيلُبُّس وليسانيوس وحنَّان وقيافا، كانوا جميعًا أشخاصًا معروفين مِن العلمانيّين الرومان والمؤرِّخين اليهود. حتّى الألقاب التي أُطلِقَت على الحكّام المختلفين (على سبيل المثال، ’والٍ‘ بالنسبة إلى بيلاطُس البُنطي، ’رئيس الرَبع‘ بالنسبة إلى هيرودُس، إلخ…) ثَبُتت صحَّتها ودقَّتها تاريخيًّا.  وهذا يسمح لنا بأن نقدِّر أنّه من وجهة نظرٍ تاريخيّة بحتة، كان ما تمَّ تدوينه مسجّلاً بشكلٍ موثوق.

اعتلى طيباريوس قيصر عرش الإمبراطوريّة الرومانيّة سنة 14 ميلاديّة. لذلك، كونها السنة الخامسة عشرة من حكمه يعني أنّ يحيا تلقّى الرسائل ابتداءً من سنة 29 ميلاديّة.

رسالة يحيا – توبوا واعتَرفوا

فما كانت رسالته إذن؟ كانت رسالته  بسيطة مثلما كان أُسلوب حياته، لكنّها كانت مباشرَة وقويَّة. يقول الإنجيل أنَّه:

فِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ. (متى 3: 1- 2)

وهكذا كان جزءٌ من رسالته النُطْق بحقيقة واقعة – بأنَّ ملكوت السموات قد ’اقتَرَب‘. لقد رأينا كيف تنبّأ الأنبياء قبل ذلك بوقتٍ طويلٍ ﺑــ مجيء ’ملكوت الله‘. كان يحيا (عليه السلام) يقول الآن إنَّ هذا الملكوت أصبح ’قريبًا‘ في متناول اليد.

لكنّ الناس لن يكونوا مهيَّئين للملكوت ما لم ’يتوبوا‘. في  الواقع، إذا لم ’يتوبوا‘، فإنّهم سوف يخسرون هذا الملكوت. كلمة يتوب Repent باللغة الإنكليزيّة تأتي من الكلمة اليونانيّة ’’metanoeo‘‘ التي معناها ’’تغيير رأيك؛ إعادة النظر؛ أو، التفكير بشكلٍ مختلف‘‘. ولكن ما الذي كان عليهم أن يُفكِّروا فيه بشكلٍ مختلف؟ من خلال النظر في اثنين من ردود الناس على رسالة يحيا (عليه السلام)، يمكننا معرفة ما كان يوصيهم بأنَّه ينبغي أن يتوبوا عنه. يسجِّل الإنجيل أنّ الناس استجابوا لرسالته:

 وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. (متى 3: 6)

لعلّكم تتذكّرون ما جاء في الأسفار حول آية آدم، بعد أن أكلا من الثمرة المحرَّمة، كيف:

’اخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ‘. (تكوين 3: 8)

منذ ذلك الحين، أصبحت هذه النزعة إلى إخفاء خطايانا والتظاهر بأنّنا لم نقترف ذنبًا، أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلينا. يكاد أن يكون من المستحيل الاعتراف بخطايانا والتوبة عنها. رأينا في آية ابن العذراء أنّ داود (عليه السلام) و النبيّ محمَّد (عليه الصلاة والسلام) من شأنهما الاعتراف بخطاياهما. وهذا أمرٌ من الصعب جدًّا أن نقوم به لأنَّه يعرِّضنا إلى الشعور بالذنب والخجل أو العار –  إنّنا نفضِّل أن نفعل أيّ شيءٍ آخر ما عدا ذلك. ولكن هذا هو ما كرزَ به يحيا (عليه السلام) بأنَّ الناس في حاجةٍ إليه ليُعدُّوا أنفسهم لملكوت الله القادم.

تحذيرٌ موجَّهٌ إلى الزعماء الدينيّين الذين لن يتوبوا

      والبعض منهم تابوا بالفعل، ولكن ليس جميعهم أقرّوا واعترفوا بصدقٍ بخطاياهم. يقول الإنجيل:

 فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ:«يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا.

لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ

الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.

(متى 3: 7- 10)

كان الفرّيسيّون والصدّوقيّون معلِّمي شريعة موسى. وكانوا الأكثر تديُّناً ويعملون بجدٍّ للحفاظ على جميع الشعائر الدينيَّة (الصلوات، الصَوم، الذبائح، إلخ..) التي أوصى بها الناموس أو الشريعة. كان الجميع يعتقد أنَّ هؤلاء القادة، مع كلِّ ما لديهم من معرفةٍ دينيَّة ومع كلِّ ما يبذلونه من جهد في سبيل الدين، كانوا  هم بالتأكيد المقبولين لدى الله. لكن النبيّ يحيا (عليه السلام) دعاهم ’أولاد الأفاعي‘ وأنذرهم بمجيء دينونة النار! لماذا؟ لأنّه بعدم ’صنعهم أثمارًا تَليقُ بالتوبة‘، فإنّهم يُظهِرون أنّهم لم يتوبوا حقًّا. فهم لم يعترفوا بخطاياهم، بل كانوا يستخدمون شعائرهم الدينيّة لإخفاء خطاياهم. وقد جعلهم إرثهم الدينيّ الذي تركه لهم النبيّ ابراهيم (عليه السلام)، على الرغم من أنّه كان إرثًا جيِّدًا، أشخاصًا فخورين بدلاً من أن يتوبوا.

اعتراف داود كمثالٍ لنا

      وهكذا يمكننا أن نرى من تحذيرات يحيا (عليه السلام) أنَّ التوبة والاعتراف بالخطيئة هما مهمَّان أهميَّةً بالغة. ومن دونهما في  الواقع، لن ندخل ملكوت الله. ومِن هذه التحذيرات الموجَّهة للفرّيسيّين والصدّوقيّين في تلك الأيّام، يمكننا أن نُدرك كم هو أمرٌ سهلٌ وطبيعيٌّ أن نخفي خطايانا وراء الدين. إذن، ماذا في ما يتعلَّق بكَ وبي؟ تمَّ تسجيل هذا هنا بمثابة تحذيرٍ لنا نحن الذين نرفض أيضًا بعنادٍ أن نتوب. بدلاً من تبرير خطايانا، أو التظاهر بأنّنا لم نرتكب خطايا أو إخفائها، ينبغي أن نحذو حذو داود (عليه السلام) الذي حين واجه خطيئته، تضرَّع إلى الله في الزبور بالاعتراف التالي:

 اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.

لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ. هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً.

 

طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ. أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا. اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَامْحُ كُلَّ آثامِي.

 

قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.

(مزمور 51: 1- 12)

ثمر التوبة

يترافق الاعتراف والتوبة مع أملٍ في العيش بشكلٍ مختلف. سأل الناس يحيا (عليه السلام) كيف ينبغي أن يُظهروا ثمرَ توبتهم، وهكذا سجَّل الإنجيل هذا الحوار:

وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: ’’فَمَاذَا نَفْعَلُ؟‘‘

فَأَجَابَ (يوحنا) وَقَالَ لَهُمْ: ’’مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا‘‘.

وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ:  ’’يَامُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟‘‘

فَقَالَ لَهُمْ:  ’’لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ‘‘.

وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ:  ’’وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟‘‘

فَقَالَ لَهُمْ: ’’لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ‘‘.

(لوقا 3: 10- 14)

هل كان يحيا هو المسيح؟

نظرًا لقوّة رسالته، تساءل العديد من الناس عمّا إذا كان هو أيضًا المسيح. هكذا يُسجِّل الإنجيل هذه المناقشة:

 وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قِائِلاً: ’’أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ‘‘.  وَبِأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَعِظُ الشَّعْبَ وَيُبَشِّرُهُمْ. (لوقا 3: 15- 18)

خاتمة

جاء النبيّ يحيا (عليه السلام) ليُعدَّ الناس بحيث يكونوا مستعدّين لملكوت الله. لكنَّه لم يُعِدّهم مِن خلال منحهم المزيد من الشرائع أو المزيد من القوائم التي تقول لهم ما هو حرامٌ وما هو حلال، بل من خلال دعوتهم إلى أن يتوبوا عن خطاياهم وأن يعترفوا بها. إنّ هذا في الواقع هو أكثر صعوبةً من اتّباع المزيد من المبادئ التوجيهيّة للحلالٌ والحرام لأنّه يكشفُ عارنا وشعورنا بالذنب. وكان القادة الدينيّون في تلك الأيّام هم الذين لم يتمكّنوا من حمل أنفسهم على التوبة والاعتراف بخطاياهم. بدلاً من ذلك، قاموا باستخدام الدين لإخفار خطاياهم. ولكن بسبب الخيار الذي اتّخذوه، لم يكونوا مستعدّين لاستقبال المسيح وفهم ملكوت الله حين أتى حاملاً رسالته. إنّ هذا التحذير الذي وجَّهه يحيا (عليه السلام) ينطبق علينا تمامًا اليوم. فهو يطلب منّا أن نتوب عن خطايانا ونعترف بها. فهل سنفعل ذلك؟