ملكوت الله: كثيرون مدعوّون، إنّما…

    لقد رأينا كيف كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يتكلَّمُ بسلطانٍ بحيث أنّ الأمراض و حتّى الطبيعة كانت تخضع له. وهو أيضًا قد تحدَّث مطوَّلاً عن ملكوت الله. تذكَّرْ أن العديد من أنبياء الزبور قد كتبوا عن مجيء ملكوت الله. وقد بنى عيسى على نبوءاتهم ليعلِّم أنَّ ملكوت الله كان ’قريبًا‘.

في البداية، علَّم الموعظة على الجبل، مبيِّنًا كيف كان يُنتَظَر من مواطني ملكوت الله أن يسلكوا ويعامِلوا بعضهم البعض. وقد علَّم مبدأً جذريًّا في محبّة حتّى ’العدوّ‘. فكِّر في مدى البؤس والموت والظلم والرعب الذي يعاني منهم الإنسان في يومنا هذا (يكفيك الاستماع إلى الأخبار لتتذكَّر) لأنَّ الكثيرين لا يستمعون إلى تعاليمه عن المحبّة. إذا كانت الحياة في ملكوت الله ستكون مختلفةً عن جحيم الحياة الذي نعيشه في بعض الأحيان في هذا العالم، فيتعيَّن علينا إذًا أن نعامِل بعضنا بعضًا بشكلٍ مختلفٍ – بمحبَّة.

 مَثَلُ الوليمة العظيمة

      بما أنّ عددًا قليلاً جدًّا من الأشخاص يعيشون بحسب تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فإنّك سوف تعتقد  أن عددًّا قليلاً جدًّا سيكون مرغوبًا فيه في ملكوت الله أو مَدعوًّا إلى دخوله. ولكن ليس هذا هو الحال. لقد أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) مثلاً عن وليمة كبيرة لتوضيح مدى شموليَّة وامتداد دعوة المجيء إلى ملكوت الله. يسرد الإنجيل تعليمه في هذا الشأن:

 ﻟﻮﻗﺎ 14:15-24

مَثَلُ الوَليمَة

15 فَسَمِعَ أحَدُ الجالِسِينَ عَلَى المائِدَةِ هَذا الكَلامَ، فَقالَ لِيَسُوعَ: «هَنِيئاً لِكُلِّ مَنْ يَتَعَشَّى فِي مَلَكُوتِ اللهِ!»

16 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «كانَ رَجُلٌ يُعِدُّ لِوَلِيمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَدَعا أشخاصاً كَثِيرِينَ. 17 وَفِي وَقتِ الوَلِيمَةِ أرسَلَ خادِمَهُ لِيَقُولَ لِلمَدعُوِّينَ: ‹تَعالَوا لِأنَّ العَشاءَ جاهِزٌ!› 18 فَابتَدَأُوا جَمِيعاً يَختَلِقُونَ الأعذارَ. قالَ الأوَّلُ: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ حَقلاً، وَعَلَيَّ أنْ أخرُجَ وَأراهُ، فَاعذُرنِي مِنْ فَضلِكَ.› 19 وَقالَ آخَرٌ أيضاً: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ لِلتَّوِّ عَشْرَةَ ثِيرانٍ وَأنا الآنَ ذاهِبٌ لِأُجَرِّبَها، فَاعذُرْنِي مِنْ فَضلِكَ.› 20 وَقالَ آخَرُ أيضاً: ‹لَقَدْ تَزَوَّجتُ مُنْذُ فَترَةٍ قَصيرَةٍ، وَلا أستَطِيعُ أنْ آتِيَ.›

21 «وَلَمّا عادَ الخادِمُ أخبَرَ سَيِّدَهُ بِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ. فَغَضِبَ سَيِّدُ البَيتِ وَقالَ لِخادِمِهِ: ‹اخرُجْ بِسُرعَةٍ إلَى شَوارِعِ المَدِينَةِ وَأزِقَّتِها، وَأحضِرِ الفُقَراءَ وَالمُعَوَّقِيْنَ وَالعُرجَ إلَى هُنا!›

22 «فَعادَ الخادِمُ وَقالَ لَهُ: ‹يا سَيِّدُ، ما أمَرتَ بِهِ قَدْ تَمَّ. وَما يَزالُ هُناكَ مُتَّسَعٌ.› 23 فَقالَ السَّيِّدُ لِلخادِمِ: ‹اخرُجْ إلَى الطُّرُقاتِ الرِّيفِيَّةِ وَإلَى أسيِجَةِ الحُقُولِ وَألزِمِ النّاسَ بِالمَجِيءِ لِكَيْ يَمتَلِئَ بَيتِي. 24 فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ، إنَّهُ لَنْ يَذُوقَ وَلِيمَتِي أحَدٌ مِنَ أولَئِكَ الَّذينَ دَعَوتُهُمْ أوَّلاً!›»

إنّ مفاهيمنا المـــُسَلَّم بها قد انقلَبَت رأسًا على عقِب – عدّة مرَّاتٍ – في هذا التعليم. في المقام الأوّل، قد نفترض أنّ الله لن يدعو كثيرين إلى ملكوته (الذي هو الوليمة في البيت) لأنّه لا يجد كثيرين يستحقّون ذلك، ولكنّ ظهرَ أنّ ذلك الافتراض خاطئ. إنّ دعوة الحضور إلى الوليمة موَجَّهة إلى الكثير الكثير من الناس. إنّ السيّد (الذي هو الله في هذا المثل) يريد أن تكون الوليمة مليئة بالمدعوّين. وهذا أمرٌ مُشَجِّعٌ.

      ولكن سرعان ما نعرف أنَّ ثمّة انعطافة أُخرى غير مُتوَقَّعة في تعليمه. إنَّ عددًا قليلاً جدًّا من الضيوف أراد فعلاً أن يأتي، بدلاً من ذلك جعلوا يسوقون الأعذار حتَّى لا يُضطّروا إلى الذهاب! فلننظر إلى مدى عدم منطقيَّة أعذارهم! من الذي سيشتري البقر دون أن يحاول إخراجها للاختبار قبل شرائها؟ ومن الذي سيشتري حقلاً دون أن يكون قد عاينه أوّلاً؟ كلاّ، إنّ هذه الأعذار تكشف عن النوايا الحقيقيَّة لقلوب الضيوف – فهم لم يكونوا مهتمّين بدخول ملكوت الله بل كان لديهم اهتمامات أُخرى بدلاً من ذلك.

بمجرّد تفكيرنا في أنَّ إرادة السيّد ربّما ستُصاب بالإحباط بسبب عدم حضور أحد الوليمة أو حضور عددٍ قليلٍ لها، فسيكون هناك انعطافةٌ أُخرى. إنَّ الناس ’غير المرغوب فيهم‘، أولئك الذين نحن جميعًا نقصيهم عن أفكارنا باعتبار أنّهم لا يستحقّون أن يكونوا مَدعوّين إلى احتفالٍ كبير، أولئك الذين يتواجدون في ’’الشوارع والأزِقّة‘‘ وبعيدًا في ’’طُرُق البلد وممرّاتها‘‘، هم ’’الفقير والمشلول والأعمى والأعرج‘‘ – هم الأشخاص عينهم الذين نتجنّبهم في كثيرٍ من الأحيان – تلقّوا دعواتً لحضور الوليمة. وهذه الدعوات تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وتضمُّ عددًا من الناس أكبر ممّا كنّا أنت وأنا لنعتقد أنّه ممكنٌ. إنَّ صاحب الدعوة يريد حضور الناس، وهو سيدعو حتّى أولئك الذين ما كنا نحن أنفسنا لندعوهم إلى بيوتنا.

وهؤلاء الناس يلبّون الدعوة! فليس لديهم اهتماماتٍ متعارضة مثل الحقول أو البقر لتصرف محبَّتهم بحيث لا يأتون إلى الوليمة. إنّ ملكوت الله ممتلئ، وإنّ إرادة السيّد قد تمَّت!

أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) هذا المثل ليجعلنا نطرحُ السؤال التالي: ’’هل سأقبل دعوةً إلى ملكوت الله إن تلقَّيتُ واحدة؟‘‘ أم سيجعلك الاهتمام أو الحبّ الذي يتعارض مع حضورك تقدِّم ذريعةً لرفض هذه الدعوة؟  الحقيقة هي أنّك مدعوٌّ إلى وليمة الملكوت هذه، لكنّ الواقع هو أنّ معظمنا سوف يرفض الدعوة لسببٍ أو لآخر. نحن لن نقول أبدًا ’لا ‘ بشكلٍ مباشر، لهذا فإنّنا نقدِّم الأعذار لتغطية رفضنا. في هذا المثل، كان السبب الأصليّ لرفضنا حبَّ الأشياء الأُخرى. إنّ أولئك الذين وُجِّهَت إليهم الدعوة أوّلاً أحبّوا أشياء هذا العالم (التي يُمثِّلها ’الحقل‘ و ’البقرة‘ و ’الزواج‘) أكثر ممّا أحبّوا ملكوت الله.

 مثلُ معلِّم الناموس الذي لم يحصل على التبرير

البعضُ منّا يُحبّون الأشياء الماديّة في هذا العالم أكثر ممّا يُحبّون ملكوت الله، ولذا فإنّنا سوف نرفض هذه الدعوة. وبعضنا الآخر يحبُّ أو يثق باستحقاق برِّه الذاتيّ.  علَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أيضًا عن هذا الموضوع في قصَّةٍ أُخرى:

ﻟﻮﻗﺎ 18:9-14

البِرُّ الحَقِيقِيّ

كَما رَوَى يَسُوعُ المَثَلَ التّالِي لِلَّذِينَ كانُوا مُقتَنِعينَ بِأنَّهُمْ صالِحُونَ وَيَحتَقِرُونَ الآخَرِينَ: 10 «ذَهَبَ اثْنانِ إلَى ساحَةِ الهَيكَلِ لِكَي يُصَلِّيا. كانَ أحَدُهُما فِرِّيسِيّاً، وَالآخَرُ جامِعَ ضَرائِبَ. 11 فَوَقَفَ الفِرِّيسِيُّ وَصَلَّى عَنْ نَفسِهِ فَقالَ: ‹أشكُرُكَ يا اللهُ لِأنِّي لَستُ مِثلَ الآخَرِينَ، اللُّصُوصِ وَالغَشّاشِيْنَ وَالزُّناةِ، وَلا مِثلَ جامِعِ الضَّرائِبِ هَذا. 12 فَأنا أصُومُ مَرَّتَينِ فِي الأُسبُوعِ، وَأُعطِي عُشراً مِنْ كُلِّ ما أكسِبُهُ.›

13 «أمّا جامِعُ الضَّرائِبِ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَمْ يَجرُؤْ عَلَى أنْ يَرفَعَ عَينَيهِ إلَى السَّماءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدرِهِ وَقالَ: ‹ارحَمنِي يا اللهُ، فَأنا إنسانٌ خاطِئٌ!› 14 أقُولُ لَكُمْ، إنَّ جامِعَ الضَّرائِبِ هَذا، قَدْ عادَ إلَى بَيتِهِ مُبَرَّراً أمامَ اللهِ، أمّا الفِرِّيسِيُّ فَذَهَبَ كَما أتَىْ. لِأنَّ كُلَّ مَنْ يَرفَعُ نَفسَهُ يُذَلُّ، وَكُلُّ مَنْ يَتَواضَعُ يُرفَعُ.»

نلتقي هنا أحد الفرّيسيّين (وهو معلِّمُ دين مثل الإمام) الذي كان يبدو مثاليًّا في جدارته وجهوده الدينيَّة. وكان صومه وزكاته أكثر حتّى ممّا هو مطلوب. لكنّه وضع ثقته في برِّه الذاتيّ. ولم يكن هذا ما أبداه النبيّ إبراهيم (عليه السلام) قبل ذلك بزمنٍ طويلٍ عندما حصل على البِرّ فقط من خلال الثقة المتواضعة بوعد الله. في الواقع، طلب العشّار (وكانت مهنة غير أخلاقيَّة في ذلك الوقت) بتواضعٍ الرحمة، وبيقينه من حصوله على هذه الرحمة مجّانًا، مضى إلى بيته ’مُبرَّرًا‘ – باستقامةٍ مع الله – في حين أنّ الفرّيسي الذي نحتسب أنّه ’يسلك باستقامة مع الله‘، كانت خطاياه لا تزال تُحتَسَب ضدَّه.

وهكذا يسألك النبيّ عيسى (عليه السلام) ويسألني مرّة أُخرى وهو يتكلَّم بسلطان، إذا كنّا نرغب حقَّا في ملكوت الله، أو إذا كان ذلك مجرّد اهتمامٍ من بين اهتماماتٍ أُخرى كثيرة غيره. إنّه يسألنا أيضًا ما الذي نثقُ به – استحقاقنا الشخصيّ أو رحمة الله.

من المهمِّ أن نطرح على أنفسنا بصدقٍ هذه الأسئلة وإلاّ فإنّنا لن نفهم تعاليمه التي سنتناولها تاليًا – أنّنا نحتاج إلى الطهارة الداخليّة.

Leave a Reply