آية النبيّ في التوراة

قاد النبيّ موسى وأخوه هرون ‘هارون’ (عليهما السلام) بني إسرائيل لمدَّة 40 عامًا. وقد قاما بكتابة الوصايا و أسَّسا طقوس إقامة الذبائح. وقد دوَّنا هذه الآيات الكثيرة في التوراة. بعد فترة قليلة، حان وقت وفاة هذين الرجلَين. دعنا نستعرِض الأنماط التي برزت في التوراة قبل أن ننظر في ختام التوراة.

 استعراض الأنماط في التوراة

ما هو إذًا نمط الآيات الذي يبرز من التوراة؟

 الذبيحة في التوراة

ينبغي أن نلاحظ أهميَّة تقديم الذبائح وكيف تتكرَّر. فلنفكِّر في الأمور التالية التي اطَّلعنا عليها سابقًا:

قدَّم هابيل ذبيحةً صحيحةً؛ قدَّم قايين ذبيحةً نباتيَّة. لم تُقبَل تلك الذبيحة.

• بعد الطوفان، قدَّم نوح (عليه السلام) ذبيحةً.

• إبراهيم (عليه السلام) قدَّم ذبيحةً بعد وصوله إلى أرض الميعاد.

• قدَّم إبراهيم (عليه السلام) كبشًا كذبيحةٍ بعد امتحانه بابنه. ثمَّ، وبعد ذلك مباشرةً، أعلن أنَّه في ذلك الموضع نفسه ‘سوف يُرى’

قدَّم بنو إسرائيل جميعًا الذبائح يوم الفصح. وهذا ما أنقذهم من الموت، ولا يزال اليهود يحتفلون بالفصح في اليوم نفسه من السنة اليهوديَّة.

• كان هرون (عليه السلام) يقوم بتقديم ذبيحة التَيْسَين كلَّ سنة من أجل بني إسرائيل بعد تقديمه ذبيحةً عن نفسه.

قّدِّمَت بقرةٌ كذبيحةٍ لكي يُطهِّر رمادها نجاسة ملامسة جثّةٍ ما.

كان يُستَخدَم في تقديم هذه الذبائح كلّها حيوانات طاهرة – إمّا أغنامًا أو تيوسًا أو ثيرانًا. كانت الحيوانات جميعها ذكورًا ما عدا البقرة.

كانت هذه الذبائح تُقَدَّم كفارةً عن الأشخاص الذين قاموا بتقديم الذبيحة. وهذا معناه أنّها كانت بمثابة غطاءٍ، بحيث يُغطَّى (يُحجَب) ذنبُ وعارُ الشخص الذي كان يُقدِّم الذبيحة. بدأ هذا الأمر مع آدم الذي تلقَّى رحمةً من الله على شكل جلودٍ. كانت هذه الجلود تتطلَّب موت حيوانٍ ما (ذبيحةً أخرى!) لكي يُغطّي عُريه. هناك سؤال مهمٌّ ينبغي أن يُطرَح: لماذا لم تَعُد الذبائح تُقدَّم أو تُقام؟ سوف نعرف الإجابة على هذا السؤال في وقتٍ لاحقٍ.

 موضوع البرُّ في التوراة

يتكرَّر ظهور كلمة ‘برٍّ’ باستمرار. نراها أوَّلاً مع آدم عندما قال الله لهُ: ‘وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ’. نرى أنَّه كان قد ‘احتُسِب’ لإبراهيم برًّا عندما اختار أن يُصدِّق وعد الله بولادة ابنٍ له. وكان يمكن أن يحصل بنو إسرائيل على البرِّ إذا ما تمكّنوا من إطاعة الوصايا – ولكن يجب عليهم أن يُطيعوها كلّها – في كلِّ الأوقات.

 الدينونة في التوراة

نرى أيضًا النموذج الذي يُظهِر أنَّ الفشل في إطاعة الوصايا أدَّى إلى حُكم الإدانة الذي أصدره الله. بدأ هذا مع آدم الذي لم يعصَ الله سوى مرَّةٍ واحدةٍ ومع هذا فقد أُدينَ. كانت نتيجة الحكم دائمًا هي الموت. كان الموت يقع إمّا على الشخص الذي أُدين أو على الحيوان الذي يقُدَّم كذبيحة. دعنا نفكِّر مليًّا بالأمور التالية التي اطَّلعنا عليها:

مع آدم، مات الحيوان الذي قُّدِّم كذبيحة للحصول على الجلود.

مع هابيل – مات الحيوان الذي قَبِلَه الله كذبيحة.

مع نوح، مات الناس في الطوفان، وحتّى الذبيحة التي قدَّمها نوح بعد الطوفان تطَلَّبت موت حيوان.

مع لوط، مات شعب سدوم وعمورة نتيجة الدينونة – وكذلك زوجته.

• مع ذبيحة ابن إبراهيم، كان الابن ليموت لكنَّ الكبش مات بدلاً منه.

• مع الفصح، إمَّا الابن البكر (لفرعون أو للأشخاص الآخرين الذين لا يؤمنون بالله) كان يموت، أو يموت الخروف الذي طُلِيَت بدمه أبواب المنازل.

مع وصايا الشريعة، إمَّا كان الشخص المــُذنب يموت، أو يموت عنه تَيسٌ واحدٌ في يوم الغفران.

ما معنى كلَّ هذه النماذج أو الأنماط؟ سوف نعرف ذلك ونحن نواصل قراءتنا. لكنَّ موسى وهرون (عليهما السلام) سيختتمان التوراة الآن. لكنّهما سيختتمانه برسالتين مهمَّتين موجَّهتين مباشرةً مِن الله، وكلتا الرسالتين تتطلَّعان إلى المستقبل وهما مهمَّتان بالنسبة إلينا اليوم – النبيّ القادم، وحلول اللعنات والبركات الآتية. نحن نبحث هنا في موضوع النبيّ.

 النبيّ القادم

عندما أعطى الله الألواح على جبل سيناء، فعل ذلك مع استعراضٍ رهيبٍ للقوَّة والسلطان. تصف التوراة المشهد مباشرةً قبل إعطاء الألواح.

 وَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أَنَّهُ صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَصَوْتُ بُوق شَدِيدٌ جِدًّا. فَارْتَعَدَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي فِي الْمَحَلَّةِ. … وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ

كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ،

وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. (سفر الخروج 19: 16- 18)

وامتلأت قلوب الناس بالخوف. تصفهم التوراة بهذه الطريقة:

 وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَرَوْنَ الرُّعُودَ وَالْبُرُوقَ وَصَوْتَ الْبُوقِ، وَالْجَبَلَ يُدَخِّنُ. وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ

ارْتَعَدُوا وَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، وَقَالُوا لِمُوسَى: ‘‘تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ.

وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ’’. (سفر الخروج 20: 18-19)

حدث هذا في بداية السنوات الأربعين التي قضاها موسى (عليه السلام) في قيادة جماعته. في النهاية، كلَّم الله النبيّ موسى (عليه السلام) عن تلك الحالة السابقة، مذكِّرًا الشعب بمخاوفه الماضية وقاطعًا وعدًا للمستقبل. دوَّن موسى (عليه السلام) في التوراة:

 يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ (أيّ سيناء) يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: ‘‘لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ’’.

قَالَ لِيَ الرَّبُّ: ‘‘قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ’’.

وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ 22فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ. (تثنية 18: 15-22)

لقد أراد الله أن يُبدي الشعب الاحترام اللائق، وبالتالي، عندما أعطى الوصايا على الألواح، فعل ذلك بطريقةٍ تسبَّبت بخوفٍ عظيمٍ بين الشعب. ولكنَّه الآن يتطلَّع إلى المستقبل والى وعودٍ بزمنٍ آتٍ سيبرز فيه نبيٌّ مثل النبيّ موسى (عليه السلام) من بين بني إسرائيل. ثمَّ أعطى الله مبدأين توجيهيَّين:

1. إنَّ الله نفسه سيحمِّل الأشخاص المسؤوليَّة إذا لم يولوا النبيّ القادم اهتمامهم.

2. إنَّ السبيل إلى الحكم على ما إذا كان الله هو من يتكلَّم من خلال النبيّ أم لا، هو أن تكون الرسالة قادرة على التنبؤ بالمستقبل، ويجب أن تتحقَّق هذه النبوءة.

لم يكن المبدأ التوجيهيّ الأوَّل يعني أنَّه سيأتي نبيٌّ آخرٌ واحدٌ فقط بعد موسى (عليه السلام)، بل كان يعني أنّه سيكون هناك مجيءٌ لنبيٍّ يجب أن نصغي إليه على وجه الخصوص لأنَّه كان سيؤدّي دورًا استثنائيًّا مع رسالته – وسيكون (ما يقوله) هو ‘كلماتي’. بما أنَّ الله وحده يعرف المستقبل – من المؤكَّد أنّه لا يوجد إنسانٌ يعرفه – المبدأ التوجيهيّ الثاني كان وسيلةً لإرشاد الشعب إلى أن يقرِّر بشكلٍ صحيح إذا كانت الرسالة آتية فعلاً من عند الله أم لا. حافظت ذريَّة بني إسرائيل على هذين الإرشادَين وعلى الوعد بمجيء نبيّ متوقِّعين تحقيقهم – لم يحافظوا عليهم دائمًا بشكلٍ جيِّد، ولكنّهم لم ينسوهم أبدًا كليَّةً. نرى في الموقع التالي كيف استخدم موسى (عليه السلام) الإرشاد الثاني لكي يتنبّأ بمستقبل بني إسرائيل في بركاتهم ولعناتهم- وهو ما اختتم به التوراة.

 

آية موسى الأولى: عيد الفصح عند اليهود

     لقد مرَّ الآن نحو 500 عام منذ النبيُّ إبراهيم (عليه السلام)  أيّ في عام  1500 تقريبًا قبل المسيح.  بعد وفاة إبراهيم (عليه السلام)، أصبحت ذرّيته من خلال ابنه إسحق، التي يُطلَق الآن عليها اسم الإسرائيليين، شعبًا كثير العدد، لكنَّهم أصبحوا كذلك عبيدًا في مصر.  حدث هذا لأنَّ يوسف، وهو حفيد إبراهيم (عليه السلام) قد بِيع كعبدٍ إلى مصر، ثمَّ بعد سنواتٍ، تبعته عائلته.  وهذا كلُّه موضَّحٌ في تكوين 45-46   – سفر موسى الأوَّل في التوراة.

     وهكذا نصل الآن إلى آيات نبيٍّ عظيمٍ آخر – موسى (عليه السلام) – الذي ترد قصَّته في السفر الثاني من التوراة الذي يُدعى سفر الخروج لأنَّه يسردُ كيف قاد موسى (عليه السلام) الإسرائيليين خارج مصر خلال مئات السنين بعد إبراهيم (عليه السلام).  لقد أمرَ الربُّ موسى (عليه السلام) بأن يقابل فِرعَون مصر ممّا أدَّى إلى نشوب خلافٍ بين موسى (عليه السلام) وبين سَحَرَة فرعون.  وقد نتج عن هذا الخلاف الضربات أو الكوارث التسع المعروفة الموجَّهة ضدَّ فرعون والتي كانت آياتً له.  لكنَّ فرعون لم يستسلم لإرادة الربّ وعصى هذه الآيات.

الضربة العاشرة

     وهكذا كان الله سيرسل الضربة العاشرة، وهي الضربة (الكارثة) الأكثر ترويعًا.  عند هذه النقطة، تقدِّم القصَّة في التوراة بعض التمهيد والتوضيح قبل وصول الضربة العاشرة.  يُشير القرآنُ الكريمُ أيضًا إلى هذه النقطة في القصَّة في الآية التالية:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إسرائيل إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا

قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (سورة 17 الإسراء: 101-102)

     إذًا، إنَّ الفرعونَ ‘محكومٌ عليه بالهلاك’.  ولكن كيف كان لهذا أن يحدث؟  لقد أرسل الله الهلاك في الماضي بطرقٍ متنوِّعة.  بالنسبة إلى الناس في أيّام نوح، كان ذلك بالموت غرقًا في طوفانٍ حدث في جميع أنحاء العالم، أمَّا بالنسبة إلى زوجة لوط، فقد كان ذلك بتحويلها إلى عمودٍ من الملح.  لكنَّ هذا الهلاك كان ليكون مختلفًا لأنَّه كان أيضٍا بمثابة آيةٍ لجميع الشعوب – آيةٍ عظيمةٍ.  كما يقول القرآنُ الكريمُ:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فَأَرَاهُ (موسى) الْآيَةَ الْكُبْرَى.  (سورة 79 النازعات: 20)

     يمكنكم قراءة شرح الضربة العاشرة في التوراة في سفر الخروج  في الرابط هنا، و أنا أحثّكم على القيام بذلك لأنَّ السرد فيه مكتملٌ جدًّا ونابض بالحياة، وهو سيساعدكم على أن تفهموا بشكلٍ أفضل التفسير الوارد أدناه.

 حَمَل الفصح ينقذ من الموت

     يُخبِرنا هذا السِفر أنَّ الهلاك الذي أمر به الله كان أنَّ على كلِّ ابنٍ بكرٍ أن يموت تلك الليلة، في ما عدا أولئك الذين يبقون في بيتٍ قد تمَّ التضحية فيه بحَمَلٍ ويتمُّ وضع دمه على قائمتَي باب ذلك البيت.  إنَّ الهلاك الذي سيُصيب فرعون إذا لم يطع سيكون موت ابنه ووريث عرشه.  وسيفقد كلُّ بيتٍ في مصر ابنه البكر – إذا لم يخضعوا وذلك بتقديمهم ذبيحة الحَمَل ووضع دمه على قائمتي الباب.  لذلك واجهت مصر كارثةً قوميَّة.

     ولكن في البيوت التي تمَّ التضحية فيها بحَمَلٍ ووُضِع دمه على قوائم الأبواب، فكان الوعد أن يكون الجميع بمأمنٍ.  إنَّ غضبَ الله سيعبر عن ذلك البيت.  وهكذا دُعِيَ هذا اليوم وهذه العلامة، الفصح (أيّ العبور – لأنَّ الموت عَبَر عن جميع البيوت التي صُبِغَت أبوابها بدمِ الحَمَل).  ولكن لِمَن كان الدمُ على الأبواب علامةً؟  تقول لنا التوراة:

قال الربُّ لموسى… ‘‘وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ.  (سفر الخروج 13:12)

     لذلك، وعلى الرغم من أنَّ الربَّ كان يبحث عن الدَّمِ على الباب، وعندما يراه يَعْبرُ عنه، فإنَّ الدَّمَ لم يكن علامةً له.  فقد قيلَ بوضوحٍ تامّ إنَّ الدَّم كان ‘علامةً لكم’ – الشعب.  واستطرادًا، هو علامةٌ لنا جميعًا، نحن الذين نقرأ هذه القصَّة في التوراة.  إذًا، كيف يكون الدَّمُ علامةً لنا؟  بعد وقوع هذا الحدث أمَرَهم الربُّ:

فتَحفَظونَ هَذَا الأَمْرَ فَرِيضَةً لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ إِلَى الأَبَدِ.  وَعِنْدَمَا تَدْخُلُونَ الأَرْضَ… إِنَّكُمْ تحفَظونَ هَذِهِ الخِدمَة…  إِنَّهَا ذَبِيحَةُ فِصْحٍ لِلرَّبِّ (خروج 27:12)

يبدأ التقويم اليهودي بعيدِ الفصح

     لذلك أمرَ الله بني إسرائيل بأن يحتفلوا بعيد الفصح في نفس اليوم من كلِّ عام.  إنَّ التقويم الإسرائيليّ يختلف قليلاً عن التقويم الغربيّ، وبالتالي فإنَّ اليوم يتغيَّر قليلاً كلَّ سنة إذا كنت تتبع ذلك بحسب التقويم الغربيّ، وهذا يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ توقيت شهر رمضان، ولأنَّه قائمٌ على طولٍ مختلفٍ للسنة، فهو يتحرَّك كلَّ سنة في التقويم الغربيّ.  ولكن حتّى يومنا هذا، وبعد مرور 3500 سنة، لا يزال الشعب اليهوديّ مستمرًّا في الاحتفال بعيد الفصح كلَّ عام تخليدًا لذكرى هذا الحدث من زمن موسى (عليه السلام) إطاعةً للأمر الذي أصدره الربُّ إليهم في التوراة.

Slide1 هنا صورة من العصر الحديث لأشخاصٍ يهودٍ يذبحون حملانًا لعيد الفصح اليهودي المقبل.  وهذا مشابهٌ لطقوس الاحتفال بعيد الأضحى.

     وبِتَتبُّع طقوس هذا الاحتفال على مدى التاريخ، يمكننا أن نلاحظ شيئًا استثنائيًّا إلى حدٍّ بعيدٍ.  يمكنكم ملاحظة هذا الأمر في الإنجيل حيث يسجِّل تفاصيل إلقاء القبض على النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) ومحاكمته:

‘‘ثُمَّ جَاءُوا (اليهود) بِيَسُوعَ… إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ (بيلاطس) … وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ’’  … وقالَ [بيلاطس] لهم [لرؤساء اليهود] ‘‘… وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِدًا فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ ‘مَلِكَ الْيَهُودِ’؟ [أيّ المسيح]’’.
فَصَرَخُوا أَيْضًا جَمِيعُهُمْ قَائِلِينَ: ‘‘لَيْسَ هذَا…’’ (يوحنا 28:18، 39-40)

     بعبارةٍ أخرى، أُلقِيَ القبض على عيسى المسيح (عليه السلام) وأُرسِلَ ليتمَّ تنفيذ الحكم فيه في يوم الفصح في التقويم اليهودي.  إذا كنتَ تتذكَّر الآن ما جاء في آية إبراهيم الثالثة، فإنَّ أحد الألقاب التي أُطلِقَت على عيسى مِن قِبَل النبيّ يحيا (عليه السلام) كان:

وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا (أيّ يحيا) يَسُوعَ (أيّ عيسى) مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: ‘‘هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.  هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: ‘يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي’’’. (يوحنا 29:1-30)

تمَّ الحُكْم على عيسى (عليه السلام) في عيد الفصح

     وهنا نرى تَفَرُّد هذه الآية، أُرسِل عيسى (عليه السلام)، ‘حَمَلُ الله’، ليتمَّ فيه تنفيذ الحكم (الذبيحة) في اليوم نفسه الذي كان جميع اليهود الأحياء حينها (العام 30 ميلادي) يقدِّمون فيه حَمَلاً كذبيحةٍ في ذكرى الفصح الأوَّل الذي حدث قبل 1500 سنة.  لهذا السبب يقع عيد فصح اليهود كلَّ عامٍ في يوم عيد الفصح المسيحيّ – ذكرى موت عيسى المسيح – لأنَّ عيسى (عليه السلام) قد أُرسِل كذبيحةٍ في اليوم نفسه.

     فلنفكِّر الآن لحظةً واحدةً بما تفعله ‘العلامات’.  يمكنكم أن تروا بعض العلامات هنا أدناه.

Slide2

عندما نرى علامة ‘الجمجمة والعظام’ يجعلنا هذا نفكِّر في الموت والخطر.  أمَّا علامة ‘الأقواس الذهبيَّة’ فمن المــُفتَرَض أنتجعلنا نفكِّر في ماكدونالد McDonalds. أمَّا علامة‘   ’ المطبوعة على منديل لاعب التنس نادال Nadal فهي العلامة التجاريَّة الخاصَّة ﺑـــنايك Nike.  تريدنا شركة نايك أن نفكِّر فيها عندما نرى هذه العلامة على عصابة رأس نادال.  بعبارة أخرى، العلامات هي مؤشِّرات في أذهاننا لتوجيه تفكيرنا نحو الهدف المرغوب.  وبآية موسى (عليه السلام) هذه، فإنَّ الله هو من أعطانا هذه العلامة.  لماذا أعطانا هذه العلامة؟  حسنًا، إنَّ العلامة، مع التوقيت الجدير بالملاحظة للحَمَل وهو يُقدَّم كذبيحة في اليوم نفسه كما عيسى (عليه السلام)، يجب أن يكون مؤشِّرًا إلى ذبيحة عيسى المسيح (عليه السلام).

 Slide3إنَّ العلامة تعمل في عقولنا كما قد بيَّنتُ هنا في الرسم البيانيّ كيفيَّة عملها انطلاقًا من عقلي.  العلامة كانت هناك لتوجيهي إلى تقديم عيسى المسيح كذبيحة.  في الفصح الأوَّل، كانت الحملان تُذبَحُ ويُراق الدّم ويُهرَق لكي يحيا البشر.  وبالتالي، فإنَّ هذه العلامة التي تُشير إلى عيسى هي لإخبارنا أنَّه هو ‘حَمَل الله’ قد سُلِّمَ أيضًا للموت حتَّى نحصل نحن على الحياة.

رأينا في آية إبراهيم الثالثة أنَّ المكان الذي تمَّ فيه اختبارSlide4 إبراهيم (عليه السلام) بالتضحية بابنه، كان جبل موريا.  لكن تمَّ التضحية بحَمَلٍ بدلاً من ابنه في اللحظة الأخيرة.  مات حَمَلٌ لكي يعيش ابن إبراهيم.  كان جبل موريا هو المكان عينه الذي قُدِّم فيه عيسى المسيح (عليه السلام) كذبيحةٍ.  تلك كانت علامة لتجعلنا نفكِّر في عيسى المسيح (عليه السلام) وهو يُقدَّم ذبيحةً بالإشارة إلى المكان.  هنا في آية موسى، نجد مؤشِّرًا آخر للحدث نفسه – تقديم عيسى (عليه السلام) ليُضحَّى به – وذلك بالإشارة إلى اليوم المحدَّد في التقويم لذبيحة الفصح.  استُخدِمَت ذبيحة الحَمَل مرّة أخرى للإشارة إلى الحدث نفسه.  لماذا؟  نتابع مع آية موسى القادمة للحصول على مزيدٍ من الفهم.  هذه الآية هي تسليم الشريعة على جبل سيناء.

    ولكن لإنهاء هذه الآية، ما الذي حدث لفرعون؟  كما نقرأ في فقرة في التوراة، فهو لم يَسْتَجِب للتحذير ومات ابنه البكر (الوريث) في تلك الليلة.  ولذلك سمح أخيرًا للإسرائيليّين بمغادرة مصر.  ولكنَّه بدَّل رأيه بعد ذلك وطاردهم إلى البحر الأحمر.  وهناك، وبسببٍ من الربّ، استطاع بنو إسرائيل المرور عبره، لكنَّ فرعون غرق مع جيشه.  بعد الضربات التسع ووفيَّات الفصح وخسارة الجيش، تضاءلت مصر إلى حدٍّ كبير ولم تستعِد مكانتها كالقوَّة الأولى في العالم مرَّةً أخرى.  لقد وقعت عليها دينونة الله.

آية إبراهيم الأولى: البَرَكَة

 إبراهيم!  وهو يُعرَفُ أيضًا باسمِ أبرام (عليه السلام).  تنظر إليه الديانات السماويَّة الثلاث كلّها، اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام باعتباره قدوةً يُحتَذى بها.  ويعود العرب واليهود بأنسابهم إليه اليوم من خلال ولدَيهِ إسماعيل وإسحاق.  وهو مهمٌّ أيضًا في سلسلة الأنبياء باعتبار أنَّ آياته قد أسَّسَت إلى حدٍّ كبيرٍ لجميع الأنبياء الآخرين.  ما الذي كان يمتلكه أو كان يفَعَلَهُ أو كان يعرفه إذًا، ما سمح بأن يكون له دورٌ كهذا حتَّى بين الأنبياء؟  إنَّ الإجابة على هذا السؤال مهمَّةٌ جدًّا بحيث أنَّنا سوف ننظر في آية إبراهيم (عليه السلام) في أقسامها المختلفة.  انقر هنا لقراءة الآية الأولى كما وردت في القرآنِ الكريمِ و في التوراة.

     إنَّنا نرى في آياتِ القرآنِ الكريم هذه أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان سيكون لديه ‘قبائل’ من البشر ينحدرون منه.  كان الله سيُؤتي هؤلاء الناس ‘‘مُلْكًا عظيمًا’’.

     ولكنَّ يجب أن يكون للمرء ابنٌ واحدٌ على الأقلّ قبل أن يكون له ‘قبائلً’ من البشر، ويجب أن يكون له أيضًا مكانٌ قبل أن يتمكَّن هؤلاء الناس من الحصول على ‘مُلْكٍ عظيمٍ’.

وعدُ إبراهيم (عليه السلام)

     تُظهِرُ لنا الفقرة الواردة في التوراة (تكوين 1:12-7) كيف أنَّ الله كان على وشك تحقيق هذا الكشف المزدوج، ‘القبائل’ و ‘المــُلك العظيم’ الذي يأتي من إبراهيم (عليه السلام).  يُعطيه الله وعدًا يُعتَبَر تأسيسيًّا لخططه المستقبليَّة.  دعونا نستعرِض ذلك بمزيدٍ من التفصيل.  نحن نرى أنَّ الله يقولُ لإبراهيم:

2 ‘‘فَأَجْعَلَ مِنْكَ أُمَّةً كَبِيرَةً

وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً (لِكَثِيرِينَ).

3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَأَلْعَنُ لاعِنِيكَ،

وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ’’.

عظَمَة إبراهيم (عليه السلام)

      يتساءلُ كثيرٌ من الناس اليوم في الغرب حيث أعيش الآن عمَّا إذا كان هناك إله، وكيف يمكن للمرءِ أن يعرف ما إذا أعلن عن نفسه حقيقةً من خلال التوراة.  أمامنا الآن وَعدٌ نستطيع التحقُّق من جزءٍ منه.  تقول نهاية هذا الوحي إنَّ الله وعد إبراهيم (عليه السلام) مباشرةً ‘وأعظِّمُ اسمكَ’.  ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين وما زال اسم إبراهيم/أبراهام/أبرام واحدًا من أكثر الأسماء المعروفة عالميًّا في التاريخ.  لقد تحقَّق هذا الوعد حرفيًّا وتاريخيًّا.  إنَّ أقدم نُسَخ التوراة الموجودة اليوم هي من مخطوطات البحر الميِّت التي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل الميلاد (انظر مقالتي حول ما إذا كانت السنَّة النبويَّة تشهد على توراةٍ وزبورٍ وإنجيلٍ دون تغيير أم لا).  إنَّ معنى هذا هو أنَّ هذا الوعد على أقلِّ تقدير كان مسجَّلاً كتابةً منذ ذلك الوقت.  بيد أنَّ اسم شخصيَّة إبراهيم واسمه لم يكونا معروفَين- فقط لقلَّةٍ من اليهود الذين اتّبعوا التوراة.  ولكن لأنَّنا نعرف عظمة اسمهِ اليوم، يمكننا أن نرى أنَّ تحقيق الوعد قد جاء فقط بعد أن سُجِّل هذا الوعد كتابةً وليس قبل ذلك.

     إذًا، حدث هذا الجزء من وعد الله لإبراهيم (عليه السلام) بشكلٍ مؤكَّد، كما لا بدَّ أنَّ ذلك كان واضحًا حتَّى النسبة إلى غير المؤمنين، وهذا من شأنه أن يمدّنا بثقةٍ أكبر لفهم الجزء المتبقّي من هذا الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم (عليه السلام).  دعونا نواصل دراسة هذا الوعد.

بركة الله لنا

     يمكننا أن نرى مرَّةً أخرى وعدَ الله بأن يجعل من إبراهيم (عليه السلام) ‘أُمَّةً كبيرةً’ و ‘أُباركك’.  ولكن ثمَّة شيءٌ آخر كذلك، إنَّ البرَكة ليست فقط لإبراهيم لأنّها تقول ‘‘وتتباركُ فيك جميعُ أممِ الأرضِ’’ (أيّ من خلال إبراهيم عليه السلام).  وهذا ينبغي أن يجعلنا أنا وأنت أن نقف ونفكِّرَ مليًّا.  لأنّنا، أنا وأنتَ جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’ – بغضِّ النظر عن ديننا أو خلفيَّتنا العرقيَّة أو أين نعيش أو وضعنا الاجتماعي أو اللغة التي نتحدَّث بها.  هذا الوعد يشمل كلَّ شخصٍ حيٍّ اليوم!  على الرغم من أنَّ أدياننا المختلفة، وخلفيّاتنا العرقيَّة، ولغاتنا، تؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تقسيم الناس وتتسبَّبُ بالصراعات، فإنَّ هذا وعدٌ يبدو أنّه يتجاوز هذه الأمور التي  غالبًا ما تفرِّقنا.  كيف؟  متى؟ أيُّ نوعٍ من البركة هي؟  لم يُكشَف عن هذا بوضوح، لكنَّ هذه الآية قد أدَّت إلى ولادةِ وعدٍ هو مهمٍّ بالنسبة إليك وبالنسبة إليَّ  من خلال إبراهيم (عليه السلام).  وبما أنَّنا نعرف أنَّ جزءًا من هذا الوعد قد تحقَّق، يمكننا أن نثق في أنَّ هذا الجزء الآخر الذي ينطبق علينا سيتحقَّق بشكلٍ واضحٍ وحرفيٍّ – علينا فقط العثور على المفتاح لفتحهِ.

     ولكن يمكننا أن نلاحظ أنَّه عندما تلقَّى إبراهيم هذا الوعد أطاع الله و…

     ‘‘فارتحَلَ أبرامُ كما أمَرَهُ الربُّ’’ (الآية 4)

خريطة رحلة إبراهيم  (هجرة إبراهيم من أور-< حاران - < أرض كنعان)

خريطة رحلة إبراهيم
(هجرة إبراهيم من أور-< حاران – < أرض كنعان)

كم من الوقت استغرقت هذه الرحلة إلى أرض الميعاد؟  تبيِّن لنا الخريطة هنا مسار هذه الرحلة.  كان إبراهيم يعيش في الأصل في أور (جنوب العراق اليوم) وانتقل إلى حاران (شمالي العراق).  ثمَّ ارتحلَ إبراهيم (عليه السلام) إلى ما كان يُدعى أرض كنعان في تلك الأيّام.  يمكنكم أن تروا أنَّ الرحلة كانت طويلةً جدًّا.  قد يكون سافر على ظهر جملٍ أو حصانٍ أو حمارٍ، وبالتالي قد يكون استغرقه ذلك شهورًا عديدة.  ترك إبراهيم أُسرته وحياته المريحة (كانت بلاد ما بين النهرين في ذلك الزمان مركز الحضارة) وأمنه وكلَّ ما كان مألوفًا لديه ليسافر إلى أرضٍ كانت غريبة بالنسبة إليه.  وحدث هذا، كما تقول لنا التوراة، عندما كان في الخامسة والسبعين من عمره!

الذبائح الحيوانيَّة مثل الأنبياء السابقين

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّه عند وصول إبراهيم (عليه السلام) إلى كنعان بسلام:

     ‘‘فَبَنَى أَبْرَامُ هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ’’ (آية 7)

     سيُبنى المذبحُ حيثُ قدَّم لله دماء الذبائح الحيوانيَّة كما فعل قايين و نوح من قَبْلِهِ.  إنَّنا نرى أنَّ هذا هو نمطٌ لكيفيَّة عبادة الأنبياء الله.

     لقد جازف إبراهيم (عليه السلام) كثيرًا وفي مرحلة متأخِّرة جدًّا من حياته في السفر إلى هذه الأرض الجديدة.  ولكنَّه بفعله هذا، أخضع نفسه لوعد الله بأن يتبارك هو وبأن تتباركَ فيه جميعُ أُممِ الأرضِ.  وهذا هو السبب الذي يجعله مهمًّا جدًّا بالنسبة إلينا.  ولكنَّ آيته لا تنتهي هنا.  نواصل مع آية إبراهيم الثانية في مقالتنا القادمة.

آية لوط

     كان لوط ابن شقيقِ النبي إبراهيم (عليه السلام).  وقد اختار العيشَ في مدينةٍ تعجُّ بأُناسٍ أشرارٍ.  لكنَّ الله استخدمَ هذا الوضع كآياتٍ نبويَّة لجميعِ الناس.  ولكن أيَّةُ آياتٍ هي؟  للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نولي اهتمامًا وثيقًا لمختلف الأشخاص في هذه القصَّة.  انقرْ هنا لتقرأ القصَّة كما وردتْ في كلٍّ من التوراةِ والقرآنِ الكريمِ.

     يمكنُنا أن نرى في القصَّتَين اللتَين وردتا في التوراةِ والقرآنِ الكريمِ أنَّ هناكَ ثلاثَ مجموعاتٍ من الناسِ، وكذلك ملائكة (أو رسُل) الله.  دعونا نفكِّر في كلِّ واحدةٍ من هذه المجموعاتِ بدورها.

رجالُ سَدوم

     كان هؤلاء الأشخاص فاسدين ومنحرفين إلى أبعد الحدود.  ونحن نرى أنَّ هؤلاءِ الرجالِ كانوا يأملون في اغتصابِ الرجالِ الآخرين (الذين كانوا حقًّا ملائكة، ولكن بما إنَّ رجالَ سَدوم اعتقدوا أنّهم كانوا رجالاً، فقد كانوا يخطِّطونَ لاغتصابهم اغتصابًا جماعيًّا).  إنَّ هذا النوعَ من الإثْمِ كان شرِّيرًا جدًّا إلى حدٍّ جعل الله يصمِّم على أن يُدينَ المدينةَ بأكملِها.  وكانَ الحكمُ متَّسقًا مع الحكم الذي أصدَرَه على آدمَ.  قبل ذلك، كان اللهُ في البدايةِ قد حذَّر آدمَ من أنَّ عقوبةَ الخطيئة كانت الموت.  لم يكن أيُّ نوعٍ آخرٍ من العقابِ (مثل الضربِ والسَجنِ وما إلى ذلك) كافيًا.  وقد قال اللهُ لآدم:

 ‘‘وأمَّا شجرة معرفةَ الخيرِ والشرِّ فلا تأكلَ منها. لأنَّكَ يومَ تأكلَ منها موتًا تموتُ’’.  (سفر التكوين 17:2)

     وبالمثلِ، كان عقابُ خطايا رجال سَدوم أن يموتوا هم أيضًا.  بل إنَّ المدينة بأكملها في الواقع، وجميع الذين يعيشون فيها، كانت النيران الآتية من السماء ستدمِّرُها.  هذا هو مثالٌ على وجودِ نمطٍ تمَّ شرحه لاحقًا في الإنجيل:

                لأنَّ أُجرَةِ الخطيَّة هي موت (رومية 23:6)

أصهار لوط

     في قصَّة نوح، أدان الله العالم كلَّه، ومتَّسقًا مع آية آدم، كانت الدينونة هي الموت في طوفانٍ عظيمٍ.  لكنَّ التوراةَ والقرآنَ الكريمِ يُخبراننا أنَّ العالم أجمع كان ‘شرِّيرًا’ في ذلك الحين.  أدان اللهُ رجالَ سَدوم، لكنَّهم كانوا هم أيضًا أشرارًا منحَرِفين.  قد تدفعني قراءتي لهاتين القصَّتَين فقط إلى الاعتقاد بأنَّني في مأمنٍ من دينونةِ اللهِ لأنَّني لست بذلك الشرّ.  بالرغم ممّا قيل، أنا أُؤمنُ باللهِ، وأفعل أشياءَ صالحة كثيرة، ولم أرتكب يومًا مثل هذه الأفعال الشرِّيرة.  أأنا آمنٌ إذًا؟  إنَّ آية لوط مع صهريه تحذيرٌ لي.  فهم لم يكونوا جزءًا من جماعة الرجال الذين كانوا يحاولون ممارسة اللواط عن طريق الاغتصاب.  لكنَّهم لم يأخذوا التحذير من الدينونة الآتية على محمل الجدِّ.  في الواقع، تقولُ لنا التوراة إنَّهم كانوا يعتقدون ‘أنَّ (لوط) كان مازحًا’.  أكانَ مصيرهم مختلفًا في أيِّ شيءٍ عن مصير رجال المدينة الآخرين؟  كلاّ!  لقد عانوا المصير نفسه.  لم يكن هناك اختلافٌ في المحصِّلة بين هؤلاء الأصهار وبين رجال سَدوم الأشرار.  مغزى الآية هنا أنَّ على الجميع أن يأخذوا هذه التحذيرات على محمَل الجَدّ.  فهي ليست موجَّهة فقط للأشخاص المنحرفين جنسيًّا.

زوجة لوط

     تُعتَبَر زوجة لوط آيةً كبيرةً لنا.  يُذكَر في كلِّ من التوراةِ والقرآنِ الكريم على حدٍّ سواء أنّها لقِيَت حتفها جنبًا إلى جَنبٍ مع الآخرين.  ولقد كانت زوجة نبيٍّ.  ولكن علاقتها الخاصَّة بلوط لم تنقذها بالرغم من أنَّها لم تكن تمارس الجنس المثليّ مثل ما كان رجال سَدوم يفعلون.  لكنَّ الملائكة أمروهُم قائلين:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَحيمِ

                 ‘… ولا يلتَفِتُ مِنكُمْ أحَدٌ…’ (سورة هود 81:11)

 أو

                 ‘… لا تنظُرْ إلى ورائكَ…’ (سفر التكوين 17:19)

     تخبرنا التوراة  في سفر التكوين ‘ونظَرَت امرأَتَهُ مِن ورائِهِ فصارت عمودَ ملحٍ.’ (تكوين 26:19).  لم توضِّح التوراة ما تعنيه بالضبط نظرَتْها إلى الوراء’.  ولكن من الواضح أنَّها اعتقدَت أنَّ بإمكانها تجاهل أمرٍ أصدره الله بدا صغيرًا حتّى، واعتقدت أنَّه لن يكون بذي أهميَّةَ.  لكنَّ مصيرها – مع خطيئتها ‘الصغيرة’ – كان كمصيرِ رجال سدوم بخطيئتهم ‘الكبيرة’ – الموت.  إنَّها لآيةٍ مهمَّةٍ بالنسبة إليَّ تبعدني عن التفكير في أنَّ بعض الخطايا ‘الصغيرة’ مُعفاة من دينونة الله – إنَّ زوجةَ لوط هي آيتنا لتحذِّرنا من هذا الاعتقاد الخاطئ.

لوط، الله والرُسُل الملائكة

     كما رأينا في آيةِ آدم، عندما أصدرَ اللهُ حُكمهُ، قدَّم كذلك الرحمة.  تمثَّلت رحمته في تلك الدينونة في توفير ثيابٍ من الجلد.  في آية نوح، عندما أصدر الله حكمهُ، أبدى رحمتهُ مرَّةً أخرى من خلال الفُلْك.  ونرى مرَّةً أخرى أنَّ اللهَ حتّى في دينونته حريصٌ على إبداءِ الرحمة.  تصف التوراة ذلك على هذا النحو:

                 ولمــَّا توانى أمسكَ الرجلانِ بيدهِ وبيدِ امرأَتِهِ وبيدِ ابنتَيهِ لشَفقةِ الربِّ عليهِ وأخرجاهُ ووضعاهُ خارج المدينةِ.  (تكوين 16:19)

     ما الذي يمكننا أن نتعلَّمه من هذا؟  كما في الآياتِ السابقة، كانت الرحمةُ شاملة، لكنَّها لم تُقدَّم إلاَّ من خلالِ سبيلٍ واحدٍ – إرشادهم للخروج من المدينة.  لم يقدِّم الله تعالى، على سبيل المثال، الرحمة أيضًا من خلال إقامةِ مكانٍ يأوونَ إليه في المدينة يمكن أن يصمُدَ أمام النار الآتية من السماء.  لم يكن هناك إلاّ طريقة واحدة لتلقِّي الرحمة. – أن يتبعوا الملائكة للخروج من المدينة.  لم تمتدّ رحمة الله تعالى إلى لوط وعائلته لأنَّ لوط كان إنسانًا مثاليًّا.  في الواقع، نرى في كلٍّ من التوراة والقرآنِ الكريمِ أنَّ لوط كان على استعدادٍ لتقديمِ ابنتيهِ إلى المغتَصبين – وهي لفتةٌ (عملٌ) لا يمكنُ وصفها بالنبالةِ.  ثمَّ تقول لنا التوراة حتّى إنَّ لوط ‘تَوانى’.  ولكن حتّى بالرغم من كلِّ هذا، بسط الله رحمَته عن طريق ‘إمساك’ الملائكة بيده وإخراجه خارج المدينة.  هذه علامةٌ لنا:  إنَّ الله تعالى سيمدُّنا بالرحمة، ولن يتوقَّف ذلك على جدارتنا .  ولكنَّنا، مثلنا مثل لوط من قبلنا، بحاجةٍ إلى الحصول على هذه الرحمة لكي تعيننا.  لم يحصل الأصهارُ على الرحمة، وبذلك لم يستفيدوا منها.

     تقول لنا التوراةُ في سفر التكوين إنَّ الله بسط هذه الرحمة للوط لأنَّ عمَّه، النبيُّ العظيم إبراهيم (عليه السلام)، قد تشفَّع له (انظر الفقرة في سفر التكوين هنا).  ثمَّ تتابع التوراة من خلال آياتِ إبراهيم مع وعدِ اللهِ بأن ‘يتبارك في نسلِكَ جميعُ أُممِ الأرضِ من أجل أنّكَ سمعتَ لقَولي’ (تكوين 18:22).  ينبغي أن ينبِّهنا هذا الوَعد لأنّنا بغضِّ النظر عمَّن نكون أو أيَّة لغةٍ نتكلَّم أو أيَّ دينٍ نعتنق أو أين نعيش، يمكننا أن نعرف أنَّنا، أنت وأنا، جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’.  إذا كانت شفاعة إبراهيم قد جعلتِ اللهُ أن يمدَّ لوط برحمتهِ، على الرغم من أنّه لم يكن يستحّقها، فكم بالحري هو كمُّ الرحمات الكثيرة التي ستمدّنا بها آيات إبراهيم، نحن الذين ننتمي إلى ‘جميعِ أممِ الأرضِ’؟  مع هذه الفكرة في أذهاننا، نواصل رحلتنا عبر أنبياء التوراة من خلال البحث في آياتِ إبراهيم (عليه السلام).

آيـة نـوح

     نواصل بحثنا بحسب التسلسُل الزمنيّ من البداية آدم/حوّاء و قايين/هابيل والنبيّ الجدير بالذكر الذي سنتحدُّث عنه، والذي ورد ذكره في التوراة، هو نوح (عليه السلام)، الذي عاش بعد آدم ﺒ 1600 سنة تقريبًا.  يجد العديد من الناس في الغرب أنَّ قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) والطوفان غير قابلة للتصديق.  لكنَّ العالم مغطَّى بالصخور الرسوبيَّة التي تشكَّلت من الرواسب خلال طوفانٍ ما.  لذلك، لدينا أدلَّة ماديَّة على حدوث هذا الطوفان، ولكن ما هي آية نوح التي ينبغي أن نوليها اهتمامنا؟  الرجاء النقر هنا لقراءة قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) في التوراة والقرآن.

خسارة الرحمة والحصول عليها

     عندما أتحدَّث إلى الغربيِّين عن دينونة الله، يكون الجواب الذي أتلقّاه في معظم الأحيان شيئًا من هذا القبيل:  ‘‘أنا لست قلقًا جدًّا من موضوع الدينونة لأنَّ الله واسع الرحمة بحيث أنّني لا أعتقد بأنّه سيُدينني حقًّا’’.  إنَّ قصَّة نوحٍ (عليه السلام) هذه، هي ما دعاني في الحقيقة إلى التشكيك في ذلك النوع من التفكير.  نعم، إنَّ الله رحمَن رحيم، وبما أنّه لا يتغيَّر، فإنّه كان أيضًا ممتلئًا رحمةً في زمن نوح (عليه السلام).  ومع ذلك، تمَّ تدمير العالم كلّه (باستثناء نوح وأسرته) في تلك الدينونة.  فأين كانت رحمته عندها؟  لقد كانت في الفُلْك.  كما تقول لنا الآية 64 من سورة الأعراف:

‘‘فأنجَيتَه (أنا الله) والذينَ معَه (مع نوحٍ) في الفُلك’’

     إنَّ الله في رحمته، استخدم النبيّ نوح (عليه السلام)، ووفَّر له فُلكًا مُتاحًا للجميع.  لقد كان بإمكان أيِّ شخصٍ أن يدخل الفُلك ويلقى الرحمة والأمان.  إنَّ المشكلة أنَّ ردَّ فعل الجميع تقريبًا بالنسبة إلى الرسالة كان الشكّ وعدم التصديق.  سخروا من نوحٍ (عليه السلام) ولم يصدِّقوا الدينونة الآتية.  لو أنَّهم فقط دخلوا الفُلك، لكانوا نجوا من الدينونة.

     تقول لنا الآية في القرآن الكريم أيضًا إنَّ أحد أبناء نوح كان يؤمن بالله وبالدينونة القادمة.  وحقيقة أنّه كان يحاول تسلُّق الجبل، يدلّنا على أنّه كان يحاول الهرب من دينونة الله (وبالتالي، لا بدَّ أنّه كان يؤمن بالله وبالدينونة).  ولكن كانت هناك مشكلة مرَّة أخرى.  فهو لم يجمع ما بين إيمانه وخضوعه، بل اختار بدلاً من ذلك أن يعمل وفق طريقته الخاصّة للهرب من الدينونة.  لكنَّ أباه قال له:

‘‘قال لا عاصِمَ اليومَ مِن أمرِ الله إلاَّ مَن رَّحِمَ’’

سورة هود (43:11)

     كان هذا الابن في حاجة إلى رحمة الله وليس إلى جهوده الخاصّة للهرب من الدينونة.  كانت محاولاته لتسلُّق الجبل عقيمة.  لهذا، كانت نتيجة ذلك بالنسبة إليه عينها بالنسبة إلى أولئك الذين سخِروا من النبيّ نوح (عليه السلام) – الموت غرقًا.  لو أنّه فقط قد دخل الفُلك، لكان قد نجا أيضًا من الدينونة.  من هذا المــُنطَلق، يمكننا أن نعرف أنَّ مجرَّد الإيمان بالله وبالدينونة ليس كافيًا للهروب منه.  في واقع الأمر، إنَّ في الاستسلام لرحمة الله، بدلاً من أفكارنا الخاصّة، يمكننا أن نكون واثقين من أننا سوف نلقى الرحمة.  هذه هي آية نوح (عليه السلام) لنا – الفُلك.  كانت هذه آية عامّة خاصّة بدينونة الله، فضلاً عن كونها تتعلَّق بوسائل الله للرحمة والنجاة.  في حين كان بإمكان الجميع مشاهدة الفُلك وهو يُبنى، كانت تلك ‘آية واضحة’ على الدينونة القادمة والرحمة المـــُتاحة على حدٍّ سواء.  لكنَّ هذا يدلُّ على أنَّه لا يمكن نَيل رحمته إلاّ من خلال التدبير الذي وضعه الله.

      فلماذا إذن وجد نوح رحمة الله؟  يكرِّر كتاب التوراة مرَّاتٍ عدَّة عبارة

‘‘وفعل نوح حسب كلّ ما أمره به الربّ’’

      أجد نفسي ميّالاً إلى فعل ما أفهمه أو ما أحبُّه أو ما أتَّفق معه.  أنا متأكِّدٌ من أنَّ نوح (عليه السلام) لا بدَّ كان لديه العديد من الأسئلة في ذهنه حول تحذير الله من طوفانٍ قادم، وحول الأمر الذي أصدره إليه ببناء مثل هذا الفُلك الضخم على اليابسة.  إنّني متأكِّد من أنّه كان يمكن أن يفكِّر كالتالي، بما أنَّه كان رجلاً صالحًا في مجالاتٍ أخرى، فهو ربّما لم يكن مضطرًّا إلى أن يولي اهتمامًا لبناء هذا الفُلك.  لكنّه فعل ‘كل’ ما أُمِر به – وليس فقط ما قاله له الله، وليس ما كان يفهمه، وليس ما كان يرتاح إلى فعله، وليس، حتَّى، ما كان منطقيًّا بالنسبة إليه.  إنّه مثالٌ عظيمٌ لنا لنقتدي به.

باب الخلاص

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ أهل بيت نوح والبهائم والطيور دخلوا الفُلك بعد دخول نوح إليه، ثمَّ،

‘‘أغلق الربُّ عليه’’

     كان الله هو من يتحكَّم ويُدير الباب الوحيد المؤدّي إلى داخل الفُلك – وليس نوح (عليه السلام).  عندما جاء يوم الدينونة وجاءت مياه الطوفان، ما كان يمكن لأيِّ قدرٍ من الطرق على الفُلك من الأشخاص الواقفين خارجًا، أن يدفع نوح إلى أن يفتح الباب.  كان الله هو من يتحكَّم بذلك الباب الوحيد.  ولكن في الوقت عينه، كان بإمكان أولئك الذين في الداخل أن يشعروا بالراحة وهم واثقون بأنّه ما دام الله هو المسيطر على باب الفُلك، فإنَّه لا يمكن لأيِّة رياحٍ أو موجٍ  أن يفتح الباب عنوةً.  لقد كانوا آمنين في باب رعاية الله ورحمته.

     بما أنَّ الله لا يتغيَّر، فهذا من شأنه أن ينطبق أيضًا بالنسبة إلينا اليوم.  يحذِّر جميع الأنبياء من أنَّ هناك دينونة أخرى قادمة – وهذه ستكون من النار – لكنَّ آية نوح (عليه السلام) تؤكِّد لنا من أنَّ الله، إلى جانب دينونته، سوف يمنحنا الرحمة.  ولكن ينبغي أن نبحث عن ‘الفُلك’ ذي الباب الواحد الذي سيضمن لنا تلقّي الرحمة.

ذبيحة الأنبياء

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ نوح (عليه السلام):

وبنى نوح مذبحًا للربّ. وأخذ من كلِّ البهائم الطاهرة ومن كلّ الطيور الطاهرة

وأصعد محرقاتٍ على المذبح.  (تكوين 20:8)

        هذا يتلاءم مع نموذج آدم/حوّاء و قايين/هابيل في تقديم الحيوانات كذبائح.  وهذا يعني مرَّة أخرى، أنّه من خلال موت حيوانٍ ما وسفك دمه، كان النبيّ نوح (عليه السلام) يرفع صلاته إلى الله وكانت مقبولة لديه.  في واقع الأمر، تقول التوراة إنّ الله ‘بارك نوحًا وبنيهِ’ بعد تقديم الذبيحة (تكوين 1:9) و‘أقام ميثاقًا بينه وبين نوح’ (تكوين 8:9) أن لا ينقرض البشر جميعًا مرَّة أخرى بمياه الطوفان.  لذلك يبدو أنَّ تقديم الذبيحة وموت الحيوان وسفك دمه مِن قِبَل نوح، كان حاسمًا في عبادته لله.  ما مدى أهميَّة هذا الأمر؟  نتابع تاليًا دراستنا من خلال أنبياء التوراة مع لوط.