المسيح يُعلِن عن نفسه – من خلال تعليمه بسلطان

بدأ عيسى المسيح (عليه السلام) بعد أن جُرِّب مِنْ قِبَل الشيطان خدمته كنبيٍّ بتعاليم فريدةٍ من نوعها. وقد ظهر هذا بشكلٍ خاصّ في ما يُسمّى الآن موعظته على الجبل المسجَّلة في الإنجيل. يمكنك أن تقرأ الموعظة على الجبل كاملة هنا. سوف أقوم بتلخيص بعض النقاط الرئيسة، وبعد ذلك نجد الصلة المذهلة بما تنبّأ به النبيّ موسى في التوراة. علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) ما يلي:

الغَضَب

21 «تَعرِفُونَ أنَّهُ قِيلَ لِآبائِكُمْ: ‹لا تَقتُلْ.  وَكُلُّ مَنْ يَقتُلْ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ.› 22 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ مَنْ يَغضَبُ مِنْ شَخصٍ آخَرَ فَإنَّهُ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ، وَمَنْ يَشتِمُ شَخصاً آخَرَ يَنبَغِي أنْ يَقِفَ أمامَ مَجلِسِ القَضاءِ. وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ لِشَخصٍ آخَرَ: ‹أيُّها الغَبِيُّ› يَستَحِقُّ الجَحِيمَ.

23 «لِذَلِكَ إنْ كُنتَ تُقَدِّمُ تَقدِمَةً عَلَى المَذْبَحِ، وَهُناكَ تَذَكَّرْتَ أنَّ شَخصاً آخَرَ لَهُ شَيءٌ عَلَيكَ، 24 فَاترُكْ تَقدِمَتَكَ هُناكَ أمامَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ وَاصْطَلِحْ مَعَ ذَلِكَ الشَّخصِ أوَّلاً، ثُمَّ ارجِعْ وَقَدِّمْ تَقدِمَتَكَ.

25 «سالِمْ خَصمَكَ سَرِيعاً، بَينَما تَمشِي مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ إلَى المَحكَمَةِ. وَإلّا فَإنَّهُ سَيُسَلِّمُكَ إلَى القاضِي، وَالقاضِي سَيُسَلِّمُكَ إلَى السَّجّانِ فَيُلقِي بِكَ إلَى السِّجْنِ. 26 أقولُ الحَقَّ لَكَ، إنَّكَ لَنْ تَخرُجَ مِنْ هُناكَ إلَىْ أنْ تَسُدَّ آخِرَ فِلْسٍ عَلَيكَ.

الزِّنَى

27 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹لاتَزْنِ.›  28 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ مَنْ نَظَرَ إلَى امْرأةٍ لِيَشتَهيَها، فَقَدْ زَنَى بِها فِي قَلبِهِ. 29 لِذَلِكَ إنْ كانَتْ عَينُكَ اليُمنَى تَدفَعُكَ إلَى الخَطِيَّةِ، فَاقلَعْها وَألقِها بَعِيداً عَنْكَ. فَالأفضَلُ أنْ تَفقِدَ عُضْواً واحِداً مِنْ جِسْمِكَ، مِنْ أنْ يُطرَحَ جِسْمُكَ كُلُّهُ إلَى جَهَنَّمَ. 30 وَإنْ كانَتْ يَدُكَ اليُمنَى تَدفَعُكَ إلَى الخَطِيَّةِ، فَاقطَعْها وَألقِها بَعِيداً عَنْكَ. فَالأفضَلُ أنْ تَفقِدَ عُضْواً واحِداً مِنْ جِسْمِكَ، مِنْ أنْ يُطرَحَ جِسْمُكَ كُلُّهُ إلَى جَهَنَّمَ.

الطَّلاق

31 «قِيلَ أيضاً: ‹إذا طَلَّقَ أحَدٌ زَوجَتَهُ، فَليُعطِها وَثِيقَةً تُثبِتُ ذَلِكَ.›  32 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ كُلَّ مَنْ يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، إلّا بِسَبَبِ الزِّنَى، فَإنَّهُ يُعَرِّضُها لارْتِكابِ الزِّنَى. وَمَنْ يَتَزَوَّجُ امْرأةً مُطَلَّقَةً، فَإنَّهُ يَزنِي.

القَسَم

33 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ أيضاً لِآبائِكُمْ: ‹لا تَحلِفْ بِالكَذِبِ، بَلْ أوفِ بِما أقسَمْتَ بِأنْ تَفعَلَهُ لِلرَّبِّ.›  34 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: لا تَحلِفُوا مُطلَقاً. 35 لا تَحلِفُوا لا بِالسَّماءِ لِأنَّها عَرشُ اللهِ، وَلا بِالأرْضِ لِأنَّها مَسنَدُ قَدَميهِ،  وَلا بِمَدِينَةِ القُدسِ لِأنَّها مَدِينَةُ المَلِكِ العَظِيمِ. 36 لا تَحلِفْ بِرَأسِكَ، لِأنَّكَ لا تَستَطِيعُ أنْ تَجعَلَ شَعرَةً مِنْهُ سَوداءَ أوْ بَيضاءَ. 37 فَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقُولُوا ‹نَعَمْ،› فَقُولُوا ‹نَعَمْ.› وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقُولُوا ‹لا،› فَقُولُوا ‹لا.› وَكُلُّ ما يَزِيدُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ. 

مُقاوَمَةُ الشَّرّ

38 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹العَينُ بِالعَينِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ.›  39 أمّا أنا فَأقُولُ: لا تُقاوِمُوا الشَّرَّ. بَلْ إنْ لَطَمَكَ أحَدٌ عَلَى خَدِّكَ الأيمَنِ، فَقَدِّمْ لَهُ الخَدَّ الآخَرَ أيضاً. 40 وَإنْ أرادَ أحَدٌ أنْ يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَمِيصَكَ، فَدَعْهُ يَأخُذُ مِعطَفَكَ أيضاً. 41 وَإنْ أجبَرَكَ أحَدٌ عَلَى السَّيرِ مَعَهُ مِيلاً واحِداً، فَامشِ مَعَهُ مِيلَينِ. 42 وَإنْ طَلَبَ مِنْكَ أحَدٌ شَيئاً، فَأعطِهِ إيّاهُ. وَلا تَرفُضْ إقراضَ مَنْ يَطلُبُ الاقتِراضَ مِنْكَ.

مَحَبَّةُ الجَمِيع

43 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹أحبِبْ صاحِبَكَ، وَأبغُضْ عَدُوَّكَ.›  44 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: أحِبُّوا أعداءَكُمْ، وَصَلُّوا مِنْ أجلِ الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ، 45 فَتَكُونُوا بِذَلِكَ أبناءَ أبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّماءِ. لِأنَّ اللهَ يَجعَلُ الشَّمْسَ تُشْرِقُ عَلَى الخُطاةِ وَالصّالِحِينَ، وَيُرسِلُ المَطَرَ إلَى الأبرارِ وَالأشْرارِ. 46 فَإنْ أحبَبْتُمْ مَنْ يُحِبُّونَكُمْ فَقَط، فَأيَّةَ مُكافَئَةٍ تَستَحِقُّونَ؟ أفَلا يَفْعَلُ جامِعُو الضَّرائِبِ ذَلِكَ أيضاً؟ 47 وَإنْ كُنْتُمْ تُحَيُّونَ إخْوَتَكُمْ فَقَطْ، فَما الَّذِي يُمَيِّزُكُمْ عَنِ الآخَرِينَ؟ أفَلا يَفعَلُ حَتَّى عابِدُو الأوثانِ ذَلِكَ أيضاً؟ 48 لِذَلِكَ كُونُوا كامِلِينَ كَما أنَّ أباكُمُ السَّماوِيَّ كامِلٌ.

 

المسيح والعظة على الجبل

يمكنك أن ترى أنَّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد علَّم مستخدمًا هذه الصيغة ’’سمعتُم أنّه قيلَ… أمّا أنا فأقولُ لكم…‘‘. في تركيبة الجملة هذه، هو عادةً أوَّل ما يستشهد بآيةٍ من التوراة، ثمّ يوسِّع نطاق الوصيَّة لتشمل الدوافع والأفكار والكلمات، إلى درجةٍ تبعثُ على الذهول. علَّمَ عيسى المسيح من خلال أخذ وصايا النبيّ موسى (عليه السلام) الصارمة، وجعل اتِّباعها حتَّى أكثر صعوبةً بكثيرٍ.

ولكن ما هو لافتٌ للنظر أيضًا هو السبب الذي يجعله يوسِّع وصايا التوراة. إنّه يفعل ذلك مستندًا إلى سلطانه هو. فهو يقول ببساطة ’أمّا أنا فأقولُ لكم…‘ وبذلك يزيد من مجال الوصيَّة. وهذا أحد الأمور التي كانت فريدة للغاية بشأن عيسى المسيح (عليه السلام). كما جاء في الإنجيل عندما انتهى من هذه العِظة:

فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. (متى 7: 28-29)

بالفعل، علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) كمَن له سلطانٌ عظيم. كان معظم الأنبياء رُسُلاً فقط ينقلون رسالةً من الله، ولكن كان الوضعُ مختلفًا هنا. لماذا تمكَّن عيسى المسيح من القيام بذلك؟ حيث أنَّ اسم ’المسيح‘ الذي نراه هنا كان لقبًا أُعطيَ في الزبور لشخصٍ آتٍ، فقد كان لديه سلطانٌ عظيمٌ. يصف المزمور 2 في الزبور حيث أُعطيَ لقبُ ’المسيحِ‘ للمرَّة الأولى، الله وهو يُكلِّم المسيح بالطريقة التالية:

اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ. (مزمور 2: 8)

أُعطيَ المسيح سلطانًا على الأُممِ، حتّى أقاصي الأرض. إذًا، كان عيسى باعتباره المسيح يملك سلطانًا ليعلِّم على النحو الذي فعله.

النبيُّ والموعظة على

الجبل في الواقع، كما رأينا هنا، كان النبيّ موسى (عليه السلام) قد تنبّأ في التوراة بمجيء ’النبيّ‘ الذي سيُشتَهَر بطريقة تعليمه. وقد كتبَ موسى:

أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. (تثنية 18: 18-19)

في طريقة تعليمه هذه، كان عيسى يمارس سلطته بوصفه المسيح، وكان يحقِّق نبوءة موسى عن النبيّ الذي سيعلِّم بسلطان عظيمٍ. كان هو في آنٍ معًا، المسيح و النبيّ.

أنتَ و أنا والموعظة على الجبل

إذا ما درستَ أو تأمَّلْتَ بعنايةٍ هذه الموعظة على الجبل لترى كيف ينبغي أن تعيش، فإنّك ربّما ستشعر بالحيرة. كيف يمكن لأحدٍ أن يطبِّق هذا النوع من الوصايا التي تكشف قلوبنا ودوافعنا؟ ما كان قصدُ عيسى المسيح (عليه السلام) من

.لقاء هذه العِظة

 يمكننا أن نعرف الجواب من جملته الختاميَّة. فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ. (متى 5: 48)

لاحظوا أنَّ هذا كان وصيَّةً وليس اقتراحًا. فمطلبه هو أن نكون كاملين؛ لماذا؟ لأنّ الله هو كاملٌ، وإذا أردنا أن نكون معه في الجنّة، فلا شيء أقلُّ من الكمال سيكون مقبولاً. نحن نعتقد في أحيانٍ كثيرةٍ بأنّه ربّما بمجرَّد أن تكون الحسنات أكثر من السيِّئات – فإنَّ ذلك سيكون كافيًا. ولكن إن كان ذلك هو الحال، وسمح الله لنا بدخول الجنّة، فلسوف ندمِّر كمالها ونحوِّله إلى الفوضى التي لدينا في هذا العالم. إنّ شهوتنا وجشعنا وغضبنا هم الذين يدمِّرون حياتنا هنا اليوم. إذا ذهبنا إلى الجنّة ونحن لا نزال نتمسَّك بهذه الشهوة وهذا الجشع والغضب، فحينها ستصبح تلك الجنّة بسرعةٍ مثل هذا العالم – تحفل بالمشاكل التي تسبَّبنا بها. في الواقع، إنَّ معظم تعاليم عيسى المسيح (عليه السلام) تركِّز على داخل قلوبنا بدلاً من التركيز على الشكليّات الخارجيَّة. فكِّر في كيفيّة تركيزه في تعليمٍ آخر على أعماق قلوبنا. ثُمَّ قَالَ: ’’إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.

لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ‘‘. (مرقس 7: 20-23)

فما يجري في داخلنا إذن هو مهمٌّ جدًّا، والمستوى المطلوب هو الكمال. ولن يسمح الله إلاَّ لما هو ’كامل‘ بدخول كمال جنَّته. ولكن على الرغم من أنّ ذلك قد يبدو حسنًا من الناحية النظريَّة، إلاّ أنّه يُثير مشكلةً كبيرة: كيف سندخل الجنّة إذا لم نكن كاملين؟ إنَّ الاستحالة المطلقة لأن نكون كاملين بما فيه الكفاية، يمكن أن يتسبَّب بشعورنا باليأس. وهذا هو ما يريده؛ عندما نيأس من إمكانيّة أن نصبح يومًا صالحين تمامًا، وعندما نتوقَّف عن الثقة في استحقاقاتنا الذاتيّة المحتملة، عندئذٍ نصبح ’مساكين بالروح‘. قال عيسى المسيح مستهلاًّ تلك الموعظة كلّها:

’’طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَا تِ‘‘. (متى 5: 3)

بداية الحكمة بالنسبة إلينا ليس صرف النظر عن هذه التعاليم باعتبار أنّها لا تسري علينا. إنّها تنطبقُ علينا؛ إنّ المعيار هو ’كونوا كاملين‘. عندما ندَع ذلك المعيار ينغرس فينا ونُدرك أنّنا لسنا قادرين على أن نصبح كذلك، نكون عندها قد بدأنا السير في الطريق المستقيم. نبدأ المسير في الطريق المستقيم لأنّنا وقد اعترفنا بعدم أهليَّتنا، قد نكون أكثر استعدادًا لقبول المساعدة ممّا إذا كنّا نعتقد بأنّنا نستطيع أن نفعل ذلك باستحقاقاتنا الذاتيّة.

تحريف الإنجيل! ماذا يقول القرآن الكريم في هذا الشأن؟

     لديَّ أصدقاء مسلمون كُثُر.  ونظرًا إلى كوني أنا أيضًا مؤمنٌ بالله وممَّن يتَّبعون الإنجيل، نتناول عادةً أنا وأصدقائي المسلمون وعلى نحوٍ منتَظمٍ في أحاديثنا مواضيع تتعلَّق بالمعتقدات والإيمان.  هناك حقيقةً الكثير من القواسم المشتركة بيننا، أكثر من تلك الموجودة بيني وبين أشخاصٍ علمانيين غربيّين إمّا لا يؤمنون بالله، أو يعتقدون بأنَّ لا علاقة للإيمان بحياتهم.  ولكنّي أسمع في محادثاتي، دون استثناءٍ تقريبًا، الادّعاء بأنَّ الإنجيل محرَّف (وكذلك الكتاب المقدَّس)، أو أنّه تمَّ تزويره بحيث أنَّ رسالته كما تُقرأ اليوم هي رسالة تمَّ الحطّ من قيمتها وهي مليئة بالأخطاء ممّا كان قد أُوحيَ به في البدء وتمَّ تدوينه من قِبَل أنبياء الله ورسله.  ليس هذا بادِّعاءٍ بسيط، لأنَّ ذلك يعني أنّنا لا يمكن أن نثق في الكتاب المقدّس كما يُقرَأ اليوم ليكشف عن حقيقة الله.  لقد قرأت كلاً من الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم وقمت بدراستهما، وبدأت بدراسة السُنَّة.  إنَّ ما أجده مدعاةً للعجب هو أنَّ روح الشكّ في الكتاب المقدّس، على الرغم من شيوعها إلى حدٍّ بعيد اليوم، لم أجدها في القرآن الكريم.  في الواقع، أذهلني مدى الجديّة التي يتناول بها القرآن الكريم الكتاب المقدّس.  أودُّ أن أبيِّن باختصار ما أُعنيه.  (في النصّ الإنكليزي، استخدمتُ ترجمة يوسف علي للقرآن الكريم)

ما يقوله القرآن الكريم عن الكتاب المقدَّس

قلْ يا أهل الكتابِ لستُم على شيءٍ حتّى تُقيموا التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم ولَيَزيدَنَّ كثيرًا منهم ما أُنزِلَ إليكَ من رَّبِّك طُغيانًا وكُفرًا.  سورة 68:5 المائدة (انظر أيضًا 136:4)

فإن كنتَ في شكٍّ ممَّا أنزلنا إليكَ فاسألِ الذين يقرءُون الكتابَ من قَبلِكَ لقد جاءَكَ الحقُّ من ربِّكَ فلا تكونَنَّ من الممترينَ.  سورة 94:10 يونس (يونان)

     ألاحظ أنّ هذا يعلن بشكلٍ عام أنَّ الوحي الذي أعطيَ ‘لأهل الكتاب’ (المسيحيين واليهود) هو من عند الله.  ردًّا على ذلك، يقول أصدقائي المسلمون إنَّ هذا الوحي المــُنزَل من الله ينطبق فقط على أسفار الكتاب المقدّس كما جاءت في الأصل، ولكنَّ هذه الأسفار الأصليّة قد تمَّ تغييرها.  وبالتالي فإنَّ الكتاب المقدَّس الحاليّ هو كتابٌ محرَّف، وهذا الوعد بالوحي لا ينطبق على الكتاب المقدَّس كما يُقرَأ اليوم.  ولكنَّ الفقرة الثانية أيضًا تؤكِّد على هؤلاء الذين يقرؤون (في الزمن الحاضر وليس في الزمن الماضي ‘قرأوا’) الكتب المقدَّسة اليهوديّة.  لا تتحدّث الفقرة عن الوحي الأصليّ، بل عن الكتب المقدّسة التي كانت موجودة في الزمن الذي أُنزِل فيه القرآن الكريم.  وقد أُنزِل على النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) على مدى سنوات نحو العام 600 للميلاد.  ولذلك فإنَّ هذه الفقرة تؤكِّد صحَّة الكتاب المقدَّس اليهوديّ كما كان قائمًا في القرن السادس الميلادي.  والفقرات الأخرى مماثلة.   تأمَّل في ما يلي:

وما أرسلنا من قَبلِك إلاَّ رجالاً نوُّحِى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.  سورة 43:16 النحل

وما أرسلنا قبلَكَ إلاَّ رجالاً نوُّحِى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. سورة 7:21 الأنبياء

     تتحدَّث هذه الفقرات عن الرسل الذين سبقوا النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلّم).  ولكن، الأهمّ من ذلك هو أنّها تؤكّد أنّ الرسائل التي أعطاها الله لهؤلاء الرسل/الأنبياء كانت (في الأعوام 600 ميلاديّة) في حوزة أتباعهم.  لم يكن الوحي كما ورد في الأصل قد تمَّ تحريفه في زمن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم).

يقول القرآن الكريم إنَّ كلمة الله لا يمكن تغييرها

     ولكن بمعنى أقوى، حتّى احتمال تحريف الكتاب المقدَّس/تغييره لا يوجد له سندٌ في القرآن.  فلنتذكَّر ما جاء في سورة المائدة 68:5 (التوراةَ والإنجيلَ… ما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم)، وفكِّر في ما يلي:

ولقد كُذِّبَت رسلٌ من قَبلِك فصَبروا على ما كُذِّبوا وأُوذوا حتّى أتاهُم نصرُنا ولا مبدِّلَ لكلماتِ اللهِ ولقد جاءَك من نبأِ المــُرسَلينَ.  سورة  34:6 الأنعام

وتمَّت كلمة ربِّكَ صدقًا وعدلاً لا مبدِّلَ لكلمتهِ وهو السَّميعُ العليمُ.  سورة 115:6 الأنعام

لهُمُ البُشرى في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ لا تبديلَ لكلماتِ اللهِ ذلك هو الفوزُ العظيمُ.  سورة 64:10 يونس (يونان)

واتلُ ما أُحِيَ إليكَ مِن كتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّل لكلمتهِ.، سورة 27:18 الكهف

     وبالتالي، إذا ما اتّفقنا على أنَّ الأنبياء الذين سبقوا النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) قد أتاهم الوحي من الله (كما تقول سورة المائدة 68:5-69)، وبما أنَّ هذه الفقرات تقول بشكلٍ واضحٍ جدًّا مرَّاتٍ عدّة إنَّ أحدًّا لا يستطيع تغيير كلمة الله، فكيف إذًا يمكن أن يصدِّق أحدٌ أنّ التوراة والزبور والإنجيل (أيّ الكتاب المقدَّس) كان محرَّفًا أو تمَّ تغييره أو تزويره مِن قِبَلِ الإنسان؟  إنَّ ذلك يتطلَّبُ إنكار القرآن نفسه لتصديق أنّ الكتاب المقدَّس قد تمَّ تحريفه أو تغييره.

     في واقع الأمر، إنَّ فكرةَ الحكم على أنواعٍ مختلفة من الوحي الآتي من الله كأفضل أو أسوأ من غيره،  على الرغم من تبنّيها على نطاقٍ واسعٍ، لا سندَ لها في القرآن الكريم.

قولوا آمَنَّا بالله وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إلى إِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ وما أُوتِىَ موسي وعيسى وما أُوتِى النَّبيُّونَ من ربِّهِم لا نفرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمونَ.  سورة 136:2 البقرة (انظر أيضًا 285:2).

     لذا، ينبغي ألاّ يكون ثمّة اختلافٍ في كيفيَّة تعاملنا مع جميع أنواع الوحي.  ويجب أن يتضمَّن هذا دراستنا لها.  بعبارةٍ أخرى، ينبغي أن ندرس الكتب المقدّسة كلّها.  في الواقع، إنّني أحثُّ المسيحيّين على دراسة القرآن الكريم كما أحثُّ المسلمين على دراسة الكتاب المقدَّس.

     إنَّ دراسة هذه الكتب المقدّسة تستغرق وقتًا وشجاعةً.  سوف يُثار العديد من الأسئلة.  على أنَّ هذا بالتأكيد هو استخدامٌ للوقت يستحقُّ الجهد هنا على الأرض – لنتعلَّم من جميع الكتب المقدّسة التي أعلن عنها الأنبياء.  أنا أعلم أنّه على الرغم من أنّ الأمر بالنسبة إليَّ قد احتاج إلى الشجاعة وبعض الوقت لدراسة جميع الكتب المقدّسة وأثار العديد من الأسئلة في ذهني، إلاّ أنّه كان خبرةً مجزيّة شعرت معها ببركة الله وقد حلَّت عليّ.  آمل أن تستمرّوا في استكشاف بعض المواد والدروس على هذا الموقع.  ربّما كان المقال حول ما يقوله الحديث وما يراه النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلَّم) في ما يتعلَّق بالتوراة والزبور والإنجيل (الكتب التي تشكِّل الكتاب المقدَّس) واستخدامهم.  إنَّ رابط هذا المقال هو هنا here.  إذا كان لديك اهتمامٌ علميّ بكيفيّة تحديد موثوقيّة جميع الكتب المقدّسة وبما إذا كان الكتاب المقدَّس يُعتَبَر موثوقًا أو محرَّفًا من وجهة النظر العلميّة هذه، انظر المقال هنا  here.

كلمات البحث