آية هرون: ثَورٌ واحدٌ واثنان من التيوس

رأينا في آية موسى الثانية أنَّ الوصايا التي أُعطِيَت على جبل سيناء كانت صعبةً جدًّا. إذن، ما الذي كان شعب العهد القديم يفعله في حال فشله في أن يُطيع الشريعة؟ لقد كان هرون (هارون)، شقيق موسى، وذرِّيته هو الذي عالج هذا الأمر بإقامة الذبائح – وكانت هذه الذبائح بمثابة تكفيرٍ عن الذنوب أو حجبٍ لها. كان لهرون ذبيحتان تحملان أهميَّةً خاصَّة، وكانت هذه الذبائح آياتً لفهم كيفيَّة تغطية الله للخطيئة التي ارتُكِبَت بمخالفة الشريعة. كانت هذه ذبيحة البقرة والتَيسَين. دعنا نبدأ بالتَيسَين.

 كبشُ الفداء ويوم الغفران (يوم الكفارَة)

بحسبِ آية موسى الأولى، كان الشعب اليهوديّ (ولا يزال!) يحتفل بالفصح في ذكرى نجاته من فرعَون. لكنَّ التوراة أمَرَت باحتفالاتٍ أخرى كذلك. كان أحدها، الذي يحمل أهميَّةً خاصَّة، يُدعى يوم الغفران أو يوم الكفارة. انقر هنا لقراءة القصَّة كاملة في التوراة.

 ما سبب وجود مثل هذه التعليمات الدقيقة والمـــُفصَّلة التي أُعطِيَت بالنسبة ليوم الغفران؟ نرى في ما يلي كيف تبدأ: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هرون عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أَمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ‘‘كَلِّمْ هرون أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ. (لاويِّين 16: 1-2)

كان ما حدث قبلاً أنَّ اثنين من أبناء هرون قد ماتا عندما قاما، في لحظة تهوُّرٍ، بدخول الخيمة حيث كان حضور الربّ. لكنَّ إخفاقهما في الطاعة التامَّة للشريعة في قداسة حضوره، أدَّى إلى موتهما. لماذا؟ كان تابوت العهد موجودًا في الخيمة. يذكرُ القرآنُ الكريمُ أيضًا تابوتَ العهد هذا. يقول:

بِسْمِ الله الَّرَحمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ (توكيدٌ) سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هرون تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. سورة 2: 248 (البقَرَة)

كما يقول القرآن الكريم، كان ‘تابوت العهد’ هذا آيةَ مُلكِه ، لأنَّ التابوت كان رمزًا لعهدِ أو ميثاق شريعة موسى. وقد حُفِظَت الألواح الحجريَّة مع الوصايا العشر داخل هذا التابوت. وكلُّ مَن فشلَ في إطاعة الشريعة – في حضور هذا التابوت – سوف يموت. لقد مات أوَّل اثنين من أبناء هرون عندما دخلا الخيمة. لهذا، صدرت تعليماتٌ دقيقةٌ جدًّا، والتي تضمَّنَت أمرًا مفاده أنَّ هناك يومًا واحدًا فقط في السنة كلّها يمكن لهرون فيه أن يدخل الخيمة – وهذا اليوم هو يوم التكفير. إذا دخل الخيمة في أيِّ يومٍ آخر، كان هو أيضًا سيموت. ولكن حتّى في هذا اليوم الأوحد، وقبل أن يتمكَّن هرون من الدخول في وجود تابوت العهد، كان عليه أن

 يُقَرِّبُ هرون ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ… فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. (لاويِّين 16: 6، 13)

لذلك قُدِّم الثورُ ذبيحةً للتكفير عن خطايا هرون التي ارتكبها ضدَّ ألواح الشريعة أو تغطيةً لهذه الخطايا. ثمَّ بعد ذلك مباشرةً، قام هرون بتنفيذ طقس كبش الفداء الاستثنائي.

 وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 8وَيُلْقِي هرون عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ (كَبش الفِداء). وَيُقَرِّبُ هرون التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. (لاويِّين 16: 7- 9)

بعد أن قُدِّم الثور ذبيحة خطاياه، قام هرون بذبح تيسَين وألقى القُرعَتين. كان أحد التَيسَين سيُخَصَّص ليكون كبش فداء. وكان سيُضحَّى بالتَيسِ الآخر كذبيحة خَطِيَّة. لماذا؟

ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ… فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. (لاويِّين 16: 15- 16)

وما الذي حصل لكبشِ الفداء؟

وَيَضَعُ هرون يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ… (لاويِّين 16: 20-22)

إنَّ التضحية بثورٍ وموته، كان من أجل خطيئة هرون. إنَّ التضحية بالتَيْس الأوَّل كذبيحة خَطِيَّة، كانت لأجل خَطِيَّة شعب إسرائيل. وعند ذلك، يضعُ هرون يديه على رأس التَّيسِ الحيّ و – كرمزٍ – ينقلُ ذنوبَ الشعب ويجعلها على التَيس (كبش الفداء). ثمَّ يُطلَقُ التَّيس في البَرّيَّة كعلامةٍ على أنَّ خطايا الشعب كانت الآن بعيدةً عنهم. بهذه الذبائح تمَّ التكفير عن خطاياهم. وكان كلُّ ذلك يتمُّ مرَّةً واحدةً في السنة في يوم الغفران.

 العِجْلَة أم البَقَرَة

كان لهرون كذلك ذبائح أخرى يُقيمها. كانت إحدى هذه الذبائح غير العاديَّة إلى حدٍّ بعيد، ذبيحة عِجْلَةٍ (بقرة أُنثى بدلاً من ثورٍ ذَكَر). كانت هذه العِجْلَة والتضحية بها هي السبب في إطلاق اسم البقرة على السورة 2. إذًا، يتحدَّث القرآن الكريم مباشرةً عن هذا الحيوان. انقر هنا لقراءة القصَّة في القرآن الكريم. كما يمكن أن ترى، أُصيب الشعب بالذهول والارتباك عند صدَرَت إليه الأوامر بأن تُستَخدَم بقرة (أي أُنثى) لهذه الذبيحة، وليس حيوانٌ ذكرٌ كما جَرَت العادة. وانتهى الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (سورة 2: 73 – البَقَرَة)

لهذا، تُعتَبَرُ هذه إحدى الآيات (المــُعجزات) – ويجب أن نوليها اهتمامنا. ولكن كيف تكون هذه البقرة آيةً؟ نقرأ أنَّ ذلك يتعلَّق بمسألة الموت والحياة. ‘‘من المحتَمَل أن نفهم’’ ونحن ندرس التعليمات الأصليَّة في التوراة التي أُعطِيَت لهرون حول هذه الذبيحة. انقر هنا لترى الفقرة الكاملة في التوراة. نرى هنا هذه الآية:

 وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ خَشَبَ أَرْزٍ وَزُوفَا وَقِرْمِزًا وَيَطْرَحُهُنَّ فِي وَسَطِ حَرِيقِ الْبَقَرَةِ. (العدد 19: 5- 6)

كانت الزوفا فرعًا من فروع إحدى الأشجار المورِقة. في الفِصح، عندما كان على الإسرائيليِّين أن يرسموا بدم خروف الفصح على أبواب بيوتهم حتّى يتجاوزهم الموت، أُمِروا بما يلي:

خُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لاَ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ (خروج 12: 22)

تُستَخدَم الزوفا أيضًا مع البقَرة، ثمَّ تُحرَقُ البقرةُ والزوفا والصوف وخشب الأرْز حتّى لا يتبقَّى سوى الرماد. ثمَّ

 وَيَجْمَعُ رَجُلٌ طَاهِرٌ رَمَادَ الْبَقَرَةِ وَيَضَعُهُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ، فَتَكُونُ لِجَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي حِفْظٍ، مَاءَ نَجَاسَةٍ. إِنَّهَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. (العدد 19: 9)

وهكذا، يُخلَط الرماد ﺒ ‘‘مياه التطهير’’. من شأن شخصٍ غير طاهرٍ أن يقوم بالاغتسال (طقوس الاغتسال أو الوضوء) ليستعيد طهارته باستخدام هذا الرماد الممزوج بالماء. لكنَّ الرماد لم يكن لتطهير أيَّة نجاسة، بل لنوعٍ بعينه.

 مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ لاَ يَكُونُ طَاهِرًا. كُلُّ مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَتَطَهَّرْ، يُنَجِّسُ مَسْكَنَ الرَّبِّ. (العدد 19: 11- 13)

لذلك كان هذا الرماد الممزوج بالماء للاستخدام في عمليَّة الاغتسال أو الوضوء عندما يتنجَّس أحد الأشخاص من ملامسة جثَّة ما. ولكن لماذا يؤدّي لمس جثَّة إلى مثل هذه النجاسة البالغة؟ فكِّر في هذا الأمر! جُعِل آدم فانيًا بسبب عصيانه، هو وجميع أولاده (أنا وأنتَ!) كذلك. وبالتالي، الموت هو نجسٌ لأنّه نتيجة الخطيئة – فهو مرتبطٌ بنجاسة الخطيئة. عندما يلمس أحد الأشخاص جثَّةً هادئة، فسيصبح أيضًا نجِسًا. لكنَّ هذا الرماد كان بمثابة رمزٍ (آيةٍ) – من شأنه أن يُزيل (يغسل) هذه النجاسة. إنَّ الشخص غير الطاهر، الذي هو ميِّتٌ في ‘نجاسته’، سيجد ‘حياةً’ في التطهُّر بواسطة الاغتسال برماد البَقَرة. ولكن لماذا كان يجب أن يموت حيوانٌ أُنثى، في هذه الحالة الخاصَّة، وليس حيوانٌ ذكرٌ؟ لم يُقدَّم أيُّ تفسيرٍ مباشرٍ، لكن يمكننا أن نجد المسوِّغ من الكتب المقدَّسة. في الكتب المقدَّسة كلِّها، يعلنُ الله عن نفسه بصيغة المــُذكَّر – ‘هو’. وترِد عبارة أمَّة إسرائيل بشكلٍ جماعيّ بصيغة التأنيث ‘هي’. وكما هو الحال في علاقات الرجل والمرأة التقليديَّة، الله قاد، فاستجاب شعبه. لكنَّ المبادرة كانت دائمًا مع الله. فقد بادر إلى إصدار الأمر إلى إبراهيم بالتضحية بابنه؛ وقد بادر إلى إعطاء الوصايا على ألواح؛ وبادر إلى إصدار الحكم على نوح، إلخ… لم تكن الفكرة أبدًا بادرة من الإنسان (نبيًّا كان أو غير ذلك) – كان أتباعه يخضعون بكلِّ بساطة لقيادته. كان رماد البقَرَة لتلبية حاجة الإنسان – وهي التطهُّر من النجاسة. فلكي تكون هذه آيةً خاصّة لحاجة الإنسان، كان الحيوان الذي سيموت أُنثى. تُشير هذه النجاسة إلى شعورنا بالخجل عندما نخطئ، وليس شعورنا بالذنب أمام الله. عندما أُخطِئ، فإنَّني لا أكون قد خالفتُ الشريعة فحسب وأنا مُذنِبٌ أمام الديَّان، بل إنّني أشعر بالخجل والندم أيضًا. كيف يقدِّم الله الحلَّ لهذا الشعور بالعار؟ بادئ ذي بِدء، يمدُّنا الله بغطاءٍ من الملابس. تلقَّى البشر الأوائل (آدم وحوّاء) ثيابًا من الجلد لتغطية عريهم وعارهم. ومنذ ذلك الوقت، كان بنو آدم يقومون دائمًا بتغطية أنفسهم بالملابس – في الواقع، من الطبيعيّ جدًّا القيام بذلك بحيث أنّنا نادرًا ما نتوقَّف لنسأل ‘لماذا؟’. كان هذا الاغتسال بماء التطهير وسيلةً أخرى كي نتمكَّن من الشعور ‘بالنظافة’ من الأشياء التي تلوِّثنا. كان الهدف من البقرة هو تطهيرنا.

 لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. (عبرانيِّين 10: 22)

وعلى العكس من ذلك، فإنَّ التضحية بذَكَر الماعز في يوم الغفران، كانت في المقام الأوّل في سبيل الله. لاحظنا مع آية الوصايا العَشْر أنَّ عقوبة العصيان كانت واضحة ومكرَّرة بشكلٍ محدَّد، وهي الموت (انقر هنا لمراجعة الفقرات). كان الله (ولا يزال!) الديَّان، وهو كديّان، كان يُطالِبُ بعقوبة الموت. إنَّ موت الثور الذَكَر، وفى بمَطلب الله الأوّل الذي اشترط أن يكون الموت هو ثمن خطيئة هرون. ثمَّ لبَّى موت ذكر التَّيس الأوّل مطلَب الله بأن يكون الموت ثمنًا لذنوب بني إسرائيل. ثمَّ يمكن أن توضَع خطايا المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ رمزيٍّ على كبش الفداء مِنْ قِبَل هرون، كان إطلاق كبش الفداء في البرّيَّة بمثابة علامةٍ على تحرُّر المجتمع من خطاياه. كان يتمُّ الاحتفال بتقديم هذه الذبائح مِن قِبَل هرون وذريّته على مدى تاريخ بني إسرائيل في الأرض التي أُعطِيَت لهم؛ كانت هذه الذبائح تُقام لتلبية هذه الاحتياجات حتّى نصل إلى حياة عيسى المسيح (عليه السلام). وهكذا وصلت رسائل التوراة إلى نهايتها مع آيات هرون الأخيرة هذه. سيأتي قريبًا أنبياءٌ آخرون، وسيواصل الزبور إيصال رسائل من الله. ولكن كان هناك أوّلاً رسالة واحدة أخيرة للتوراة. كان النبيّ موسى (عليه السلام) بصدد النظر إلى المستقبل، إلى مجيء نبيٍّ، وكذلك النظر إلى البركات واللعنات التي ستحلُّ في المستقبل على نسل إسرائيل. قمنا ببحث هذا الموضوع في دراساتنا السابقة في التوراة.

تحريف الإنجيل! ماذا يقول القرآن الكريم في هذا الشأن؟

     لديَّ أصدقاء مسلمون كُثُر.  ونظرًا إلى كوني أنا أيضًا مؤمنٌ بالله وممَّن يتَّبعون الإنجيل، نتناول عادةً أنا وأصدقائي المسلمون وعلى نحوٍ منتَظمٍ في أحاديثنا مواضيع تتعلَّق بالمعتقدات والإيمان.  هناك حقيقةً الكثير من القواسم المشتركة بيننا، أكثر من تلك الموجودة بيني وبين أشخاصٍ علمانيين غربيّين إمّا لا يؤمنون بالله، أو يعتقدون بأنَّ لا علاقة للإيمان بحياتهم.  ولكنّي أسمع في محادثاتي، دون استثناءٍ تقريبًا، الادّعاء بأنَّ الإنجيل محرَّف (وكذلك الكتاب المقدَّس)، أو أنّه تمَّ تزويره بحيث أنَّ رسالته كما تُقرأ اليوم هي رسالة تمَّ الحطّ من قيمتها وهي مليئة بالأخطاء ممّا كان قد أُوحيَ به في البدء وتمَّ تدوينه من قِبَل أنبياء الله ورسله.  ليس هذا بادِّعاءٍ بسيط، لأنَّ ذلك يعني أنّنا لا يمكن أن نثق في الكتاب المقدّس كما يُقرَأ اليوم ليكشف عن حقيقة الله.  لقد قرأت كلاً من الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم وقمت بدراستهما، وبدأت بدراسة السُنَّة.  إنَّ ما أجده مدعاةً للعجب هو أنَّ روح الشكّ في الكتاب المقدّس، على الرغم من شيوعها إلى حدٍّ بعيد اليوم، لم أجدها في القرآن الكريم.  في الواقع، أذهلني مدى الجديّة التي يتناول بها القرآن الكريم الكتاب المقدّس.  أودُّ أن أبيِّن باختصار ما أُعنيه.  (في النصّ الإنكليزي، استخدمتُ ترجمة يوسف علي للقرآن الكريم)

ما يقوله القرآن الكريم عن الكتاب المقدَّس

قلْ يا أهل الكتابِ لستُم على شيءٍ حتّى تُقيموا التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم ولَيَزيدَنَّ كثيرًا منهم ما أُنزِلَ إليكَ من رَّبِّك طُغيانًا وكُفرًا.  سورة 68:5 المائدة (انظر أيضًا 136:4)

فإن كنتَ في شكٍّ ممَّا أنزلنا إليكَ فاسألِ الذين يقرءُون الكتابَ من قَبلِكَ لقد جاءَكَ الحقُّ من ربِّكَ فلا تكونَنَّ من الممترينَ.  سورة 94:10 يونس (يونان)

     ألاحظ أنّ هذا يعلن بشكلٍ عام أنَّ الوحي الذي أعطيَ ‘لأهل الكتاب’ (المسيحيين واليهود) هو من عند الله.  ردًّا على ذلك، يقول أصدقائي المسلمون إنَّ هذا الوحي المــُنزَل من الله ينطبق فقط على أسفار الكتاب المقدّس كما جاءت في الأصل، ولكنَّ هذه الأسفار الأصليّة قد تمَّ تغييرها.  وبالتالي فإنَّ الكتاب المقدَّس الحاليّ هو كتابٌ محرَّف، وهذا الوعد بالوحي لا ينطبق على الكتاب المقدَّس كما يُقرَأ اليوم.  ولكنَّ الفقرة الثانية أيضًا تؤكِّد على هؤلاء الذين يقرؤون (في الزمن الحاضر وليس في الزمن الماضي ‘قرأوا’) الكتب المقدَّسة اليهوديّة.  لا تتحدّث الفقرة عن الوحي الأصليّ، بل عن الكتب المقدّسة التي كانت موجودة في الزمن الذي أُنزِل فيه القرآن الكريم.  وقد أُنزِل على النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) على مدى سنوات نحو العام 600 للميلاد.  ولذلك فإنَّ هذه الفقرة تؤكِّد صحَّة الكتاب المقدَّس اليهوديّ كما كان قائمًا في القرن السادس الميلادي.  والفقرات الأخرى مماثلة.   تأمَّل في ما يلي:

وما أرسلنا من قَبلِك إلاَّ رجالاً نوُّحِى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.  سورة 43:16 النحل

وما أرسلنا قبلَكَ إلاَّ رجالاً نوُّحِى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. سورة 7:21 الأنبياء

     تتحدَّث هذه الفقرات عن الرسل الذين سبقوا النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلّم).  ولكن، الأهمّ من ذلك هو أنّها تؤكّد أنّ الرسائل التي أعطاها الله لهؤلاء الرسل/الأنبياء كانت (في الأعوام 600 ميلاديّة) في حوزة أتباعهم.  لم يكن الوحي كما ورد في الأصل قد تمَّ تحريفه في زمن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم).

يقول القرآن الكريم إنَّ كلمة الله لا يمكن تغييرها

     ولكن بمعنى أقوى، حتّى احتمال تحريف الكتاب المقدَّس/تغييره لا يوجد له سندٌ في القرآن.  فلنتذكَّر ما جاء في سورة المائدة 68:5 (التوراةَ والإنجيلَ… ما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم)، وفكِّر في ما يلي:

ولقد كُذِّبَت رسلٌ من قَبلِك فصَبروا على ما كُذِّبوا وأُوذوا حتّى أتاهُم نصرُنا ولا مبدِّلَ لكلماتِ اللهِ ولقد جاءَك من نبأِ المــُرسَلينَ.  سورة  34:6 الأنعام

وتمَّت كلمة ربِّكَ صدقًا وعدلاً لا مبدِّلَ لكلمتهِ وهو السَّميعُ العليمُ.  سورة 115:6 الأنعام

لهُمُ البُشرى في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ لا تبديلَ لكلماتِ اللهِ ذلك هو الفوزُ العظيمُ.  سورة 64:10 يونس (يونان)

واتلُ ما أُحِيَ إليكَ مِن كتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّل لكلمتهِ.، سورة 27:18 الكهف

     وبالتالي، إذا ما اتّفقنا على أنَّ الأنبياء الذين سبقوا النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) قد أتاهم الوحي من الله (كما تقول سورة المائدة 68:5-69)، وبما أنَّ هذه الفقرات تقول بشكلٍ واضحٍ جدًّا مرَّاتٍ عدّة إنَّ أحدًّا لا يستطيع تغيير كلمة الله، فكيف إذًا يمكن أن يصدِّق أحدٌ أنّ التوراة والزبور والإنجيل (أيّ الكتاب المقدَّس) كان محرَّفًا أو تمَّ تغييره أو تزويره مِن قِبَلِ الإنسان؟  إنَّ ذلك يتطلَّبُ إنكار القرآن نفسه لتصديق أنّ الكتاب المقدَّس قد تمَّ تحريفه أو تغييره.

     في واقع الأمر، إنَّ فكرةَ الحكم على أنواعٍ مختلفة من الوحي الآتي من الله كأفضل أو أسوأ من غيره،  على الرغم من تبنّيها على نطاقٍ واسعٍ، لا سندَ لها في القرآن الكريم.

قولوا آمَنَّا بالله وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إلى إِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ وما أُوتِىَ موسي وعيسى وما أُوتِى النَّبيُّونَ من ربِّهِم لا نفرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمونَ.  سورة 136:2 البقرة (انظر أيضًا 285:2).

     لذا، ينبغي ألاّ يكون ثمّة اختلافٍ في كيفيَّة تعاملنا مع جميع أنواع الوحي.  ويجب أن يتضمَّن هذا دراستنا لها.  بعبارةٍ أخرى، ينبغي أن ندرس الكتب المقدّسة كلّها.  في الواقع، إنّني أحثُّ المسيحيّين على دراسة القرآن الكريم كما أحثُّ المسلمين على دراسة الكتاب المقدَّس.

     إنَّ دراسة هذه الكتب المقدّسة تستغرق وقتًا وشجاعةً.  سوف يُثار العديد من الأسئلة.  على أنَّ هذا بالتأكيد هو استخدامٌ للوقت يستحقُّ الجهد هنا على الأرض – لنتعلَّم من جميع الكتب المقدّسة التي أعلن عنها الأنبياء.  أنا أعلم أنّه على الرغم من أنّ الأمر بالنسبة إليَّ قد احتاج إلى الشجاعة وبعض الوقت لدراسة جميع الكتب المقدّسة وأثار العديد من الأسئلة في ذهني، إلاّ أنّه كان خبرةً مجزيّة شعرت معها ببركة الله وقد حلَّت عليّ.  آمل أن تستمرّوا في استكشاف بعض المواد والدروس على هذا الموقع.  ربّما كان المقال حول ما يقوله الحديث وما يراه النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلَّم) في ما يتعلَّق بالتوراة والزبور والإنجيل (الكتب التي تشكِّل الكتاب المقدَّس) واستخدامهم.  إنَّ رابط هذا المقال هو هنا here.  إذا كان لديك اهتمامٌ علميّ بكيفيّة تحديد موثوقيّة جميع الكتب المقدّسة وبما إذا كان الكتاب المقدَّس يُعتَبَر موثوقًا أو محرَّفًا من وجهة النظر العلميّة هذه، انظر المقال هنا  here.

كلمات البحث