عيسى (عليه السلام) يمنح “الماء الحي”

عرفنا من قبل كيف أن المسيح عيسى (عليه السلام) علَّم عن الطريقة التي ينبغي أن نعامل بها من نعتبرهم أعداء لنا.  في عالمنا اليوم نرى صراعات بين سنة وشيعة، مؤيدي الأسد ومعارضيه في سوريا، فلسطينيين وإسرائيليين، في العراق…أوكرانيا – مهما كانت الدولة التي قد تجد نفسك فيها فعلى الأرجح أنك ستجد صراعاً بين مجموعات مختلفة تكره وتقتل بعضها البعض، وهو ما حوَّل عالمنا اليوم إلى وضع مأساوي. أما المسيح عيسى (عليه السلام) فهو يعلَّم في هذا المثل أن دخولنا الجنة يتوقف على كيفية معاملتنا لأعدائنا! ينبغي أن نراعي هذا الأمر جيداً إذا أردنا دخول الجنة.

ولكن من السهل أن نعلم شيئاً ونطبق العكس؛ فكثير من الأئمة والمعلمين في الأديان الأخرى يعلمون شيئاً ولكن حياتهم العملية مختلفة. ماذا عن النبي المسيح عيسى (عليه السلام)؟ ذات مرة تقابل مع امرأة سامرية. (تذكر أنه في عصره كان بين اليهود والسامريين عداوة تشبه العداوة القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عصرنا هذا). إليك هذه المقابلة كما يسجلها الإنجيل.

المسيح يتحدث مع امرأة سامرية

1  وَسَمِعَ الْفَرِّيسِيُّونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَجْذِبُ إِلَيْهِ تَلامِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يَحْيَى وَيُغَطِّسُهُمْ. 2 مَعَ أَنَّ عِيسَى نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُغَطِّسُ بَلْ تَلامِيذُهُ. 3 فَلَمَّا عَلِمَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ، تَرَكَ مِنْطَقَةَ يَهُوذَا وَرَجَعَ إِلَى الْجَلِيلِ.

4 وَكَانَ لا بُدَّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ فِي السَّامِرَةِ. 5 فَوَصَلَ إِلَى مَدِينَةٍ فِي السَّامِرَةِ اسْمُهَا سُوكَارُ، بِالْقُرْبِ مِنْ قِطْعَةِ الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَاهَا يَعْقُوبُ لابْنِهِ يُوسِفَ، 6 وَفِيهَا بِئْرُ يَعْقُوبَ. وَكَانَ عِيسَى قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، فَجَلَسَ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْبِئْرِ. وَكَانَ الْوَقْتُ حَوَالَيِ الظُّهْرِ.

7 وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ إِلَى الْبِئْرِ لِتَأْخُذَ مَاءً. فَقَالَ لَهَا عِيسَى: “اِسْقِينِي.” 8 وَكَانَ تَلامِيذُهُ قَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَشْتَرُوا طَعَامًا.

9 فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ لَهُ: “أَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا سَامِرِيَّةٌ، فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَسْقِيَكَ؟” لأَنَّ الْيَهُودَ لا يَتَعَامَلُونَ مَعَ السَّامِرِيِّينَ.

10 أَجَابَهَا عِيسَى: “لَوْ عَرَفْتِ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ: اِسْقِينِي، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَيُعْطِيكِ مَاءً حَيًّا.”

11 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: “وَلَكِنْ يَا سَيِّدُ! لَيْسَ مَعَكَ دَلْوٌ، وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ، فَمِنْ أَيْنَ تَأْتِي بِالْمَاءِ الْحَيِّ؟ 12 أَبُونَا يَعْقُوبُ أَعْطَانَا هَذِهِ الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَأَوْلادُهُ وَغَنَمُهُ، فَهَلْ أَنْتَ أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ؟”

13 أَجَابَهَا عِيسَى: “كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ مَرَّةً أُخْرَى، 41 أَمَّا مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا، فَلَنْ يَعْطَشَ أَبَدًا. بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ لَهُ يَصِيرُ فِي دَاخِلِهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَتَدَفَّقُ وَيُعْطِي حَيَاةَ الْخُلُودِ.”

15 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: “يَا سَيِّدُ، أَعْطِنِي هَذَا الْمَاءَ لِكَيْ لا أَعْطَشَ وَلا أَعْودَ إِلَى هُنَا لآخُذَ مَاءً.” قَالَ لَهَا:

16 “اِذْهَبِي وَنَادِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ.”

17 أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ: “لَيْسَ لِي زَوْجٌ.”

قَالَ لَهَا عِيسَى: “أَنْتِ عَلَى حَقٍّ لأَنَّكِ قُلْتِ إِنَّهُ لَيْسَ لَكِ زَوْجٌ، 18 فَقَدْ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالرَّجُلُ الَّذِي تَعِيشِينَ مَعَهُ الآنَ لَيْسَ زَوْجَكِ. أَنْتِ صَدَقْتِ فِي هَذَا.”

91 قَالَتِ الْمَرْأَةُ: “يَا سَيِّدُ، أَعْتَقِدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ! 20 آبَاؤُنَا عَبَدُوا اللهَ فِي هَذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمُ الْيَهُودُ تَقُولُونَ إِنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَعْبُدَ فِيهِ هُوَ الْقُدْسُ.”

21 قَالَ لَهَا عِيسَى: “صَدِّقِينِي يَا امْرَأَةُ، يَحِينُ وَقْتٌ فِيهِ تَعْبُدُونَ الأَبَ لَكِنْ لا فِي هَذَا الْجَبَلِ وَلا فِي الْقُدْسِ. 22 أَنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ الَّذِي نَعْبُدُهُ، لأَنَّ الْمُنْقِذَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِنَا. 23 وَيَحِينُ وَقْتٌ، بَلْ حَانَ الْوَقْتُ الَّذِي فِيهِ الْعَابِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَعْبُدُونَ الأَبَ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ. فَالأَبُ يُرِيدُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعَابِدِينَ. 24 اللهُ رُوحٌ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَعْبُدُهُ أَنْ يَعْبُدَهُ بِالرُّوحِ وَبِالْحَقِّ.”

25 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: “أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَسِيحَ سَيَجِيءُ. وَمَتَى جَاءَ يَشْرَحُ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ.”

26 أَجَابَهَا عِيسَى: “أَنَا هُوَ، أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ.”

27 وَعِنْدَ ذَلِكَ، وَصَلَ التَّلامِيذُ، فَاسْتَغْرَبُوا لأَنَّهُ كَانُ يُكَلِّمُ امْرَأَةً. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ: “مَاذَا تُرِيدُ مِنْهَا؟” أَوْ “لِمَاذَا تَتَكَلَّمُ مَعَهَا؟”

28 فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَرَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: 92 “تَعَالَوْا وَانْظُرُوا رَجُلا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ! هَلْ يَا تُرَى هُوَ الْمَسِيحُ؟” 30 فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا إِلَى عِيسَى.

31 وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ كَانَ التَّلامِيذُ يَتَرَجُّونَهُ قَائِلِينَ: “يَا مُعَلِّمُ، كُلْ.”

32 فَقَالَ لَهُمْ: “أَنَا لِي طَعَامٌ آكُلُهُ لا تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ.”

33 فَأَخَذَ التَّلامِيذُ يَتَسَاءَلُونَ: “هَلْ جَاءَهُ أَحَدٌ بِالطَّعَامِ؟”

34 فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى: “طَعَامِي هَوَ أنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أرْسَلَنِي، وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ. 53 عِنْدَكُمْ مَثَلٌ يَقُولُ: بَعْدَ أَرْبَعَةِ شُهُورٍ يَجِيءُ الْحَصَادُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: اِفْتَحُوا عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ، إِنَّهَا نَضَجَتْ وَحَانَ حَصَادُهَا. 36 وَبَدَأَ الْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَتَهُ وَيَجْمَعُ الْمَحْصُولَ لِحَيَاةِ الْخُلُودِ، فَيفْرَحُ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا. 37 وَيَصْدُقُ الْمَثَلُ: وَاحِدٌ يَزْرَعُ وَآخَرُ يَحْصُدُ. 38 أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. غَيْرُكُمْ تَعِبُوا، وَأَنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ مِنْ ثِمَارِ تَعَبِهِمْ.”

39 فَآمَنَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّامِرِيِّينَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ، لأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَشْهَدُ وَتَقُولُ: “قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ.” 40 فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ، دَعَوْهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ، فَأَقَامَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. 14 فَآمَنَ بِهِ عَدَدٌ أَكْثَرُ لَمَّا سَمِعُوا كَلامَهُ.

42 وَقَالُوا لِلمَرْأَةِ: “نَحْنُ نُؤْمِنُ، لا لأَنَّكِ أَخْبَرْتِنَا، بَلْ لأَنَّنَا سَمِعْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا، وَعَرَفْنَا أَنَّهُ هُوَ حَقًّا مُنْقِذُ الْعَالَمِ.” (يوحنا 4: 1-42)

لاحظ كيف أن المرأة السامرية اندهشت من  مبادرة المسيح عيسى (عليه السلام) ببدء الكلام معها؛ نظراً للكراهية الكبيرة التي كانت موجودة بين اليهود والسامريين في ذلك الوقت. بادرها عيسى (عليه السلام) بأن طلب منها بعض الماء التي كانت ترفعه من البئر. وقد فعل ذلك هذا لسببين؛ أولهما أنه كان عطشان وأراد أن يشرب. ولكن (لأنه النبي) عرف أيضاً أن المرأة كان لديها نوع مختلف تماماً من العطش. كانت عطشى إلى الفرح والرضا في حياتها. لقد ظنت هذه المرأة أنها تستطيع إرواء

هذا العطش عن طريق إقامة علاقات غير شرعية مع الرجال. ولهذا، فقد ارتبطت بالعديد من الرجال بل إنها أثناء حديثها مع النبي كانت تعيش مع رجل ليس بزوجها. نظر إليها المجتمع بصفتها امرأة منحرفة. ولعل هذا هو السبب في أنها ذهبت منفردة لجلب المياه في منتصف النهار حيث إن النساء الأخريات في القرية لم يرغبن أن تصاحبهن عند خروجهن إلى البئر في فترة الصباح والجو مازال لطيفاً. كان لدى هذه المرأة علاقات متعددة بالرجال وتسبب هذا العار في إبعادها عن نساء القرية.

رأينا في الزابور كيف يصف الأنبياء الخطية باعتبارها نتيجة لعطش عميق في حياتهم – وهو عطش يجب أن يرتوي. واليوم كثيرون، بغض النظر عن دياناتهم، يعيشون حياة مليئة بالذنوب والخطايا بسبب هذا العطش.

ولكن النبي عيسى المسيح (عليه السلام) لم يتجنب هذه المرأة الخاطئة وإنما أخبرها بأنه يستطيع أن يعطيها “الماء الحي” الذي سيروي عطشها. غير أنه لم يكن يتحدث عن ماء مادي (الذي مهما شربت منه سيعاودك العطش مرة أخرى) وإنما قصد تغييراً لقلبها، تغييراً من الداخل. إن أنبياء الزابور تنبأوا بمجيئ عهد القلب الجديد هذا. قدم المسيح عيسى (عليه السلام) هذا العهد الجديد لقلب جديد “يفيض حياة أبدية.”

الإيمان – الاعتراف بالحق

ولكن تقديم “الماء الحي” وضع المرأة في مأزق إذ عندما طلب منها عيسى أن تحضر زوجها، فقد تعمد أن يجعلها تقر بذنبها – أي تعترف به. وهذا أمر نتجنبه بأي ثمن! نحن نفضل أن نخفي ذنوبنا على أمل ألا يراها أحد. وأحياناً نكسو أخطاءنا بالمنطق أو نختلق الأعذار. هذا ما فعله آدم وحواء في الجنة ومازلنا اليوم نفضل أن نخبئ خطايانا أو نلتمس لها الأعذار. ولكننا إذا أردنا نوال رحمة الله المانحة “حياة الخلود” علينا أن نكون صادقين ونقر بذنوبنا لأن الإنجيل يعدنا:

“إِنِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، فَهُوَ أَمِينٌ وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَتَّكِلَ عَلَيْهِ لِيَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.” (1يوحنا 1: 9)

لهذا السبب فعندما قال المسيح عيسى (عليه السلام) للمرأة السامرية:

“اللهُ رُوحٌ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَعْبُدُهُ أَنْ يَعْبُدَهُ بِالرُّوحِ وَبِالْحَقِّ…”

يقصد بقوله “أن يعبده….بالحق” أن نكون صادقين عن أنفسنا ولا نحاول إخفاء أخطائنا أو التماس الأعذار لأنفسنا. والخبر العظيم أن الله يريد ولن يرفض هذا النوع من العابدين الذين يأتون بهذا النوع من الصدق.

ولكنها وجدت صعوبة في الاعتراف بذنبها. ومن الأساليب الشائعة في إخفاء شعورنا بالخزي أن نحول موضوع الخطية إلى مجادلة دينية. واليوم يحفل عالمنا بجدالات دينية. في ذلك الوقت كان بين اليهود والسامريين جدال ديني حول المكان الصحيح الذي يجب أن تمارس فيه العبادة. آمن اليهود بأن العبادة يجب أن تمارس في القدس بينما تمسك السامريون بأنها يجب أن تمارس في جبل يقع نحو الشمال اسمه جبل جرزيم. كانت المرأة بتحويلها الموضوع إلى مناظرة دينية تأمل أن تشتت انتباه عيسى عن خطيتها. الآن بإمكانها إخفاء خطيتها خلف هذا الجدل الديني.

كم من السهل والطبيعي أن نفعل الأمر نفسه – خصوصاً إذا كنا متدينيين. عندئذ نستطيع الحكم على الآخرين بأنهم مخطئون وأننا على صواب – متجاهلين حاجتنا إلى الاعتراف بذنوبنا وخطايانا.

غير أن عيسى المسيح (عليه السلام) لم يدخل معها هذا الجدل بل أصر بأن مكان العبادة ليس مهماً بقدر الصدق مع نفسها عندما تتعبد. يمكنها أن تمثل أمام الله في أي مكان (فهو روح)، ولكنها تحتاج أن تقترب إليه صادقة مع نفسها حتى تستطيع نوال “الماء الحي”

الآن، عليها اتخاذ قرار مهم: يمكنها مواصلة الاختباء خلف جدل ديني أو ربما الانصراف. ولكنها اختارت أخيراً الاعتراف بذنبها لدرجة أنها عادت إلى القرية لتخبر الآخرين كيف أن هذا النبي عرفها وما فعلته. لم تعد تخفي شيئاً. وعندما فعلت هذا صارت “مؤمنة”. كانت قبل ذلك امرأة “متدينة” مثل كثيرين منا، ولكنها الآن أصبحت وكثيرون من أهل قريتها “مؤمنين”.

ولكي يصير الإنسان مؤمناً فلا تكفيه القناعة العقلية بصحة معتقد ما – رغم أهمية ذلك، وإنما يحتاج إلى تصديق وعد الرحمة الإلهي فلا يحتاج إلى إخفاء خطيته. هذا ما فعله النبي إبراهيم (عليه السلام) منذ زمن طويل لنوال التبرير – لقد صدق وعداً.

هل تبرر خطيتك أو تخفيها؟ هل تخفيها تحت غطاء شعائر دينية أو جدال ديني؟ أم أنك تعترف بخطيتك؟ لماذا لا تأتي أمام الله خالقك وتعترف بصدق بكل خطية تجعلك تشعر بالذنب والخزي؟ عندئذ تستطيع أن تفرح بكونه “يريد” عبادتك وسيطهرك من كل شر. بالتأكيد نحتاج إلى مزيد من الإنجيل لنفهم كيف سنعيش هذا وكيف ينبغي أن نعيش. نرى من المحادثة أن فهم هذه المرأة لطبيعة النبي عيسى (عليه السلام) باعتباره “المسيا” (المسيح) كان مهماً وبعد أن مكث عيسى (عليه السلام) وعلمهم لمدة يومين فهموا أنه “منقذ العالم”. لعلنا لا نستوعب تماماً معنى هذا كله، ولكن كما أعد النبي يحيى (عليه السلام) الناس من قبل لكي يفهموا، فإن فهمنا لخطايانا سيعدنا لقبول الرحمة من الله. وهذه بحق خطوة على السراط المستقيم.

“اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ.”

يعلِّم عيسى المسيح (عليه السلام) عن… دخول الجنَّة

هل تأملُ في دخول الجنّة (الفردَوس) في يومٍ ما؟ ما المطلوب منك ومنّي لدخول الجنَّة؟ طُرِحَ مرَّةً على عيسى المسيح (عليه السلام) هذا السؤال مِن قِبَل يهوديٌّ (خبيرٌ) متقدِّمٌ في تفسير جميع جوانب شريعة موسى (عليه السلام). فكانت إجابة عيسى المسيح (عليه السلام) غير مُتَوَقَّعة. إليكم أدناه الحوار المدَوَّن في الإنجيل. ولكي تتمكَّن من تقدير تأثير مثَل عيسى في هذا الخبير، يجب أن تُدرك أن ’السامريّين‘ كانوا مُحتَقَرين مِن قِبَل اليهود في تلك الأيّام. فقد كانوا يُعتَبَرونهم نجسين. في المقابل، كان السامريّون يكرهون اليهود. إنّ الكراهية بين السامريّين واليهود في ذلك الوقت قد تكون مشابهة لتلك الموجودة اليوم بين اليهود الإسرائيليّين والفلسطينيّين، أو بين المؤيِّدين والمعارضين لبعض الأنظمة العربيّة اليوم.

مَثَلُ الحياة الأبديَّة والقريب الصالح

السّامِرِيُّ الصّالِح

25 ثُمَّ وَقَفَ واحِدٌ مِنْ خُبَراءِ الشَّرِيعَةِ لِيَمتَحِنَ يَسُوعَ، فَسَألَهُ: «يا مُعَلِّمُ، ماذا يَنْبَغِيُ أنْ أفعَلَ لِكَي أنالَ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ؟»

26 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «ما المَكتُوبُ فِي الشَّرِيعَةِ؟ وَكَيفَ تَفهَمُهُ؟»

27 فَأجابَ: «مَكتُوبٌ: ‹تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وَبِكُلِّ نَفسِكَ، وَبِكُلِّ قُوَّتِكَ، وَبِكُلِّ عَقلِكَ،›  وَمَكتوبٌ أيضاً: ‹تُحِبُّ صاحِبَكَ كَما تُحِبُّ نَفسَكَ.› »

28 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «هَذا صَحِيْحٌ، افعَلْ هَذا وَسَتَحيا.»

29 لَكِنَّ الرَّجُلَ أرادَ أنْ يُبَرِّرَ سُؤالَهُ، فَقالَ لِيَسُوعَ: «وَمَنْ هُوَ صاحِبي؟»

30 فَأجابَهُ يَسُوعُ: «كانَ رَجُلٌ نازِلاً مِنَ القُدسِ إلَى أرِيحا، فَوَقَعَ فِي أيدِي لُصُوصٍ. فَجَرَّدُوهُ مِنْ مَلابِسِهِ وَضَرَبُوهُ، ثُمَّ مَضُوا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ الحَياةِ وَالمَوتِ.

31 فَمَرَّ بِهِ كاهِنٌ كانَ نازِلاً مِنْ تِلكَ الطَّرِيْقِ. فَلَمّا رَآهُ، ذَهَبَ إلَى الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الطَّرِيقِ دُونَ أنْ يَلتَفِتَ إلَيهِ. 32 وَكَذَلِكَ مَرَّ لاوِيٌّ  مِنْ ذَلِكَ المَكانِ وَرَأى الرَّجُلَ المَضْرُوبَ، فَذَهَبَ إلَى الجانِبِ الآخَرِ أيضاً.

33 لَكِنَّ سامِرِيّاً  مُسافِراً مَرَّ بِهِ أيضاً. وَحِينَ رَآهُ تَحَنَّنَ عَلَيْهِ. 34 فَاقتَرَبَ مِنهُ وَضَمَّدَ جِراحَهُ بَعدَ أنْ سَكَبَ عَلَيها زَيتَ زَيتُونٍ وَنَبيذاً. ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى دابَّتِهِ، وَأخَذَهُ إلَى فُندُقٍ وَاعتَنَى بِهِ هُناكَ. 35 وَفِي اليَومِ التّالِي أخرَجَ دِينارَيْنِ  مِنَ الفِضَّةِ وَأعطاهُما لِصاحِبِ الفَندُقِ، وَقالَ لَهُ: ‹اعتَنِ بِهِ، وَمَهما زادَ ما تَصرُفُهُ فَإنِّي سَأُعَوِّضُكَ حِيْنَ أعُودُ.›

36 فَمَنْ مِنَ الثَّلاثَةِ تَصَرَّفَ كَصاحِبٍ حَقِيقِيٍّ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ فِي أيدِي اللُّصُوصِ فِي اعتِقادِكَ؟»

37 قالَ الخَبِيْرُ فِي الشَّرِيعَةِ: «الرَّجُلُ الَّذِي أظهَرَ لَهُ رَحمَةً.» فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «فَاذْهَبْ وَافعَلْ كَما فَعَلَ.»

(لوقا 10: 25-37)

عندما أجاب المتخصِّص في الشريعة  ’تُحبُّ الربّ إلهك‘ و ’تُحبِبُّ قريبك كنفسكَ‘، فقد كان يقتبس من شريعة موسى (عليه السلام). أشار عيسى إلى أنَّه أجاب بشكلٍ صحيحٍ، ولكن هذا قد أثار تساؤلاً عمَّن كان قريبه. ولذلك أعطى عيسى المسيح (عليه السلام) مَثَل القريب الصالح.

في هذا المثَل، نحن نتوقَّع أن يقوم رجلا الدين (الكاهن واللاويّ) بمساعدة الرجل الذي تعرَّض للضرب، لكنّهما تجاهلاه وتركاه في حالةٍ من البؤس والعجز. إنَّ دينهم أو تديّنهم لم يجعلهم قريبَين صالحَين. بدلاً من ذلك، فإنَّ آخر شخصٍ كنّا نتوقَّعه، الذي كنّا نفترض أنّه عدوّه – هو الذي قدَّم يدَ العَون إلى الرجل الذي تعرَّض للضرب.

بهذا المثَل، يوصي عيسى المسيح (عليه السلام) ’’اذهب وافعلْ مثله‘‘. أنا لا أعلم ما هو ردّ فعلك، ولكن ردّ فعلي الأوّل على هذا المثل هو أنّني لا بدَّ قد أسأت فهمه، ومن ثَمَّ كان هناك ما يغريني بتجاهله فقط وبأن أدَّعي أنّني لم أقرأه قَطّ.

ولكن فكِّر في كلِّ المعارك والقتل والحزن والبؤس الذي يحدث في كلِّ مكانٍ لأنَّ الغالبيّة العظمى من الناس تتجاهل هذه الوصيَّة. لو كنّا نعيش مثل هذا السامريّ، لكانت مدننا وبلداننا إذ ذاك تعيش في سلام بدلاّ من أن تكون مليئة بالتقاتل والحروب. ولكنَّا أيضًا متأكِّدين من دخول الجنَّة. أمّا والحال كما هو عليه، فإنَّ عددًا قليلاً جدًّا لديهم ضمان الحياة الأبديّة – حتّى ولو كانوا متديِّنين كما كان الخبير في الشريعة الذي كان يتحدَّث مع عيسى (عليه السلام).

هل لديك ضمانٌ بحصولك على الحياة الأبديَّة؟

ولكن أمِنَ  الممكن حتّى أن يصبح المرء هذا النوع من القريب؟ كيف يمكننا أن نفعل ذلك؟ إن كنّا صادقين مع أنفسنا، يتعيَّن علينا الاعتراف بأنّه أن يكون الإنسان قريبًا مثلما أوصانا المسيح، هو أمرٌ من الصعب جدًّا القيام به.

وقد نرى هنا بصيصًا من الأمل، لأنَّه عندما ندرك أنّنا لا نستطيع القيام بذلك، نصبح ’فقراء في الروح‘ – وهو ما كان عيسى المسيح (عليه السلام) يعلِّم أيضًا أنّه ضروريٌّ لدخول ’ملكوت الله‘

ربما يتعيَّن علينا، بدلاً من مجرَّد تجاهُل هذا المثل أو سَوق التبريرات لرفضه، أن نفحص أنفسنا ونعترف بأنّنا لا نستطيع تطبيقه – إنّه صعبٌ جدًّا. وحينذاك، ونحن في هذه الحالة من العجز، يمكننا أن نسأل الله العَون. كما كان عيسى المسيح (عليه السلام قد وعد في الموعظة على الجبل.

7’’اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. 8لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ،

وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ.

9 ’’أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ 10وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ 11فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ،

يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ! (متى 7: 7-11)

إذًا، لدينا إذن المسيح لطلب العَون –  وقد وعد هو بتقديم العَون. لعلّك ترفع إلى الله صلاةً من هذا القبيل:

أيّها الإله السماويّ (الرَحمَن الرحيم). يا مَنْ أرسلتَ الأنبياء ليعلِّمونا اتّباع الصراط المستقيم. علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) أنَّ عليَّ أنّ أُحِبَّ وأساعد حتّى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أعدائي، ومن دون أن أفعل هذا، لا أستطيع الحصول على الحياة الأبديَّة. لكنّني أجد أنّ هذا أمرٌ من المستحيلٌ بالنسبة إلي أن أتمكَّن من القيام به. أرجوك يا إلهي ساعدني وغيِّرني حتّى أتمكَّن من تتبُّع هذا السبيل وأحصل على الحياة الأبديَّة. ارحمني يا الله أنا الخاطئ.

بناءً على وعدِ المسيح وإذنه، أضرَعُ إليك يا الله

(ليس مهمًّا استخدام عباراتٍ محدَّدة – المهمُّ هو أن نعترف بحاجتنا ونطلب الرحمة)

يُسجِّل الإنجيل واقعة لقاء عيسى المسيح (عليه السلام) بالسامريّة. كيف يمكن لنبيٍّ أن يتعامل مع شخصٍ كان يُعتَبرُ عدوًّا مكروهًا من شعبه (اليهود)؟ ما الذي جرى في لقائه بالسامريّة، وماذا يمكننا أن نتعلَّم ليساعدنا على أن نصبح هذا النوع من القريب الذي ينبغي أن نكونه، سوف نبحث في هذا تاليًا.

عيسى المسيح يعلم عن الصفح

 بينما أتابع أخبار العالم يبدو لي أن سفك الدماء والعنف يزيد في كل مكان؛ ما بين تفجيرات في أفغانستان وعنف في لبنان وسوريا والعراق ومصر، وحوادث إرهاب في باكستان وشغب في تركيا واختطاف طالبات في نيجيريا والحرب بين فلسطين وإسرائيل ومذابح كينيا – وما هذه سوى ما سمعته دون تعمد البحث عن الأخبار السيئة. وفوق هذا كله يأتي فيض من الذنوب والآلام والمظالم التي نؤذي بها بعضنا البعض ولا تشرق طريقها إلى عناوين الأخبار ومع ذلك تؤلمنا. في هذا العصر الموصوم بالعنف والانتقام يصبح لتعليم عيسى المسيح عن الصفح أهمية قصوى. ذات مرة سأله تلاميذه عن عدد المرات التي ينبغي أن يصفحوا فيها عمن أساء إليهم. ها هي المحادثة من الإنجيل مباشرة

قصة الخادم الشرير – الإنجيل حسب متى 18: 21-  35

21 حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ:  ” يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ ” .

22 قَالَ لَهُ يَسُوعُ:  ” لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.

23 لِذَلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. 24 فَلَمَّا ٱبْتَدَأَ فِي ٱلْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشَرِ آلَافِ وَزْنَةٍ.  25 وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَٱمْرَأَتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَي ٱلدَّيْنُ.

26 فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلًا: يا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ. 27 فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذَلِكَ ٱلْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ ٱلدَّيْنَ.

28 وَلَمَّا خَرَجَ ذَلِكَ ٱلْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ ٱلْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلًا: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ.

29 فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلًا: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ.

30 فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ ٱلدَّيْنَ. 31 فَلَمَّا رَأَى ٱلْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى.

32 فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلشِّرِّيرُ، كُلُّ ذَلِكَ ٱلدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لِأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. 33 أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ ٱلْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ 34 وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى ٱلْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ.

35 فَهَكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لِأَخِيهِ زَلَّاتِهِ ” .

مغزى القصى أننا إذا قبلنا غفران الله (الذي يرمز إليه الملك)، فقد غفر لنا الكثير، وهو ما يُرمز إليه في القصة بآلاف الوزنات الذهبية التي كان يدين بها الخادم. أعلن الخادم بأن تسديد دينه يحتاج إلى مزيد من الوقت، ولكن هذا الدَين أكبر مما يمكن تسديده على الإطلاق ولهذا أسقط الملك الدَين بأكمله. وهذا ما يفعله الله حينما ننال رحمته.

ولكن هذا الخادم عينه وجد خادماً آخر يدين له بمائة وزنة من الفضة، فطالبه بدفع الدين كاملاً ولم يسمح له بمزيد من الوقت. عندما نخطئ في حق بعضنا البعض نتسبب في آلام وضرر حقيقي، ولكنها لا تقاس بالألم والإهانة التي نوجهها لله- تماماً بقدر ما لا تقاس 100 وزنة من الفضة حينما نقارنها بعشرة آلاف وزنة من الذهب.

وعليه، فإن الملك (الله) يأمر بإلقاء الخادم في السجن حتى يدفع كل دينه. طبقاً لتعليم عيسى المسيح، فإننا نتخلى عن غفران الله لنا ونحكم على أنفسنا بالجحيم حينما نرفض غفران الإساءات والمظالم الصادرة من الآخرين في حقنا. الأمر في منتهى الخطورة.

التحدي هو أن نقوم بذلك فعلاً. عندما يسيئ إلينا شخص ما، من السهل أن تغلبنا الرغبة في الانتقام. كيف يمكن أن ننال هذه الروح القادرة على الغفران؟ نحتاج أن نواصل بحثنا في الإنجيل.

 

المسيح يعلم عن الطهاره الداخليه

لقد رأينا كيف كان لكلمات عيسى المسيح (عليه السلام) قوة فى التعليم وله سلطان على شفاء الناس،وحتى على السيطره على الطبيعه. وكانت كلماته موجهه ايضا للكشف عن حالة قلوبنا – ليجعلنا نختبر نفوسنا من الداخل كما من الخارج .كلنا نعرف عن الطهاره الخارجيه، فلهذا يتوضأ الناس قبل الصلاة، وياكلون اللحم الحلال.ذكر النبى محمد فى حديث :

“النظافه نصف ألأيمان” (صحيح مسلم.الباب ألأول-الكتاب الثانى-رقم 432 ).

ولكن النبى عيسى المسيح (عليه السلام) يريدنا ايضا ان نفكر بالطهاره الخارجيه. هذا مهم جدا لأنه يمكننا ان نرى نظافة الناس الخارجيه من عدم نظافتهم…لكن بالنسبه لله الوضع مختلف فهو يرى النظافه والطهاره الداخليه أيضا.

عندما كان هناك احد ملوك يهوذا الذين حافظوا ظاهريا على جميع ألألتزامات الدينيه، ولكنه لم يحافظ على طهارة ونظافة قلبه، جاء نبى فى ذلك الزمان برساله قال فيها :

“لأن عيني الرب تجولان فى كل ألأرض ليتشدد مع الذين قلوبهم كامله نحوه”.(اخبار ألأيام الثانى 16: 9 – الزبور).

كما اعلنت تلك الرساله، الطهاره الداخليه تتعلق “بقلوبنا” التى تفكر،وتشعر،وتقرر،وتسلم او تعصى،وتسيطر على اللسان.

انبياء الزبور اعلنوا ان عطش قلوبنا هو اساس خطايانا وان قلوبنا من ألأهميه بحيث ان عيسى(عليه السلام) اكد وشدد على هذا فى تعاليمه بمقارنته بطهارتنا الخارجيه.هنا نرى كيف سجل ألأنجيل المرات المختلفه التى علم فيها عن الطهاره الداخليه او النقاء :

طهر الداخل وايضا الخارج:

(فى الحديث التالى تم ذكر” الفريسيين” وهم معلمين للشريعه اليهوديه فى ذلك الوقت،مثل ألأئمه اليوم).عيسى (عليه السلام) ذكر ا تقديم  “العشور” لله (هذه هى الزكاة عند اليهود).:

“وفيما هو يتكلم سأله فريسى ان يتغدى عنده،فدخل واتكأ.واما الفريسى فلما رأى ذلك تعجب انه لم يغتسل اولا قبل الغداء.

فقال له الرب :”انتم ألآن ايها الفريسيون تنقون خارج الكأس والقصعه، واما باطنكم فمملوء اختطافا وخبثا.يا اغبياء،اليس الذى صنع الخارج صنع الداخل ايضا؟ بل اعطوا ما عندكم صدقه، فهوذا كل شئ يكون نقيا لكم.

ولكن ويل لكم ايها الفريسييون! لأنكم تعشرون النعنع والسذاب وكل بقل، وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله .كان ينبغى ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك.

ويل لكم ايها الفريسيون! لأنكم تحبون المجلس ألأول فى المجامع ، والتحيات فى ألأسواق . ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون! لأنكم مثل القبور المختفيه،والذين يمشون عليها لا يعلمون.”                         (لوقا 11: 37-44 ).

حسب الشريعة اليهودية لمس جسد ميت يجعل اليهودى غير طاهر. عندما قال عيسى (عليه السلام)ان الناس يسيرون فوق “القبور المختفيه” كان يقصد انهم اصبحوا غير طاهرين بدون ان يدروا بذلك لأنهم يتجاهلون الطهاره الداخليه.انها مصيده سهله يقع فيها المؤمن بان يهتم فقط بالطهاره والنظافه الخارجيه وينسى الداخليه… وبالتالى يصبح غير طاهر مثل غير المؤمن الذى ليس له تقدير او اعتبار لأى التزام.

القلب ينجس الشخص الطاهر المتدين :-

عيسى المسيح(عليه السلام) يقتبس من اشعياء النبى(عليه السلام)  الذى عاش فى العام (750 قبل الميلاد) هذا التعليم الذى سجل فى الزبور:-

(اضغط هنا لرؤيه الجدول الزمني.)

حينئذ جاء إلى يسوع كتبه وفريسيون الذين من اورشليم قائلين:

“لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ،فانهم لا يغسلون ايديهم عندما يأكلون خبزا؟”.فأجاب وقال لهم:”وانتم ايضا ،لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟  فان الله اوصى قائلا: اكرم اباك وامك،ومن يشتم ابا او اما فليمت موتا. واما انتم فتقولون : من قال لأبيه او امه:قربان هو الذى تنتفع به منى.فلا يكرم اباه او امه.فقد ابطلتم وصية الله بسبب تقليدكم! يا مراؤون !حسنا تنبأ عنكم اشعياء قائلا :

يقترب الى هذا الشعب بفمه،ويكرمنى بشفتيه،واما قلبه فمبتعد عنى بعيدا . وباطلا يعبدوننى وهم يعلمون تعاليم هى وصايا الناس”.

ثم دعا الجمع وقال لهم:”اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس ألأنسان،بل ما يخرج من الفم هذا ينجس ألأنسان”.

فأجاب بطرس وقال له:”فسر لنا هذا المثل”.

فقال يسوع :”هل انتم ايضا حتى ألآن غير فاهمين؟  ألا تفهمون بعد ان كل ما يدخل الفم يمضى الى الجوف ويندفع الى المخرج؟ وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر،وذاك ينجس ألأنسان،لأن من القلب تخرج افكار شريره : قتل، زنى، فسق، سرقه، شهادة زور، تجديف.هذه هى التى تنجس ألأنسان، واما ألأكل بأيد غير مغسوله فلا ينجس ألأنسان”.                (متى 15 :1-20 ).

فى هذا اللقاء مع معلمى الشريعه اليهوديه، اشار عيسى المسيح (عليه السلام) بأننا نسرع فى بناء التزاماتنا الدينيه من التقاليد ألأنسانيه بدلا من رسالة الله. فى زمن عيسى المسيح(عليه السلام) تجاهل القادة اليهود وصية الله فى ألأهتمام بابائهم بانهم يقدمون اموالهم لأغراض دينيه بدلا من ان يساعدوا ابائهم.

السبب الدينى هو حقيقة تقليد من صنع ألأنسان.واليوم ايضا الوضع مشابه الى حد كبير.وقد اعلن احد العلماء بانه يمكن ان يكون هنالك شئ محدد يكون حراما بينما يقول شخص آخر انه حلال، ونحن لا ننظر لرسالة ألأنبياء فى هذه المسأله.ولكن الله يهتم جدا بالنجاسه التى تخرج من القلوب.هذه النجاسه تؤدى الى ادانتنا يوم القيامه (الدينونه) اسرع بكثير من كسر التقاليد ألأنسانيه.

جميل من الخارج ولكن ملئ بالشر من الداخل:-

“ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون ! لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفه،وهما من داخل مملوآن اختطافا ودعاره.ايها الفريسى ألأعمى ! نق اولا داخل الكأس والصحفه لكى يكون خارجهما ايضا نقيا.

ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون ! لأنكم تشبهون قبورا مبيضه تظهر من خارج جميله ،وهى من داخل مملوءة عظام اموات وكل نجاسة.هكذا انتم ايضا : من خارج تظهرون للناس ابرارا ،ولكنكم من داخل مشحونون رياءا واثما”.(متى 23: 25-28)

فى هذه المخاطبه، عيسى المسيح(عليه السلام) تكلم بما شهدناه جميعا.متابعة الطهاره والنظافه الخارجيه يمكن ان يكون شائع جدا وسط المؤمنين،ولكن العديد مننا نحن المؤمنون مازلنا مملوئين بالجشع والتساهل مع دواخلنا- حتى الناس ذوى ألأهميه الدينيه والمركز الدينى.

نوال الطهاره الداخليه مهم- ولكنه اكثر صعوبه. الله سوف يحاسبنا على طهارتنا الداخليه بحرص شديد. اذن القضيه التى تثير نفسها :-       كيف نطهر قلوبنا بحيث يمكننا دخول ملكوت الله فى يوم الدينونه(القيامه)؟

سوف نواصل فى ألأنجيل لنجد ألأجابه.

ملكوت الله: كثيرون مدعوّون، إنّما…

    لقد رأينا كيف كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يتكلَّمُ بسلطانٍ بحيث أنّ الأمراض و حتّى الطبيعة كانت تخضع له. وهو أيضًا قد تحدَّث مطوَّلاً عن ملكوت الله. تذكَّرْ أن العديد من أنبياء الزبور قد كتبوا عن مجيء ملكوت الله. وقد بنى عيسى على نبوءاتهم ليعلِّم أنَّ ملكوت الله كان ’قريبًا‘.

في البداية، علَّم الموعظة على الجبل، مبيِّنًا كيف كان يُنتَظَر من مواطني ملكوت الله أن يسلكوا ويعامِلوا بعضهم البعض. وقد علَّم مبدأً جذريًّا في محبّة حتّى ’العدوّ‘. فكِّر في مدى البؤس والموت والظلم والرعب الذي يعاني منهم الإنسان في يومنا هذا (يكفيك الاستماع إلى الأخبار لتتذكَّر) لأنَّ الكثيرين لا يستمعون إلى تعاليمه عن المحبّة. إذا كانت الحياة في ملكوت الله ستكون مختلفةً عن جحيم الحياة الذي نعيشه في بعض الأحيان في هذا العالم، فيتعيَّن علينا إذًا أن نعامِل بعضنا بعضًا بشكلٍ مختلفٍ – بمحبَّة.

 مَثَلُ الوليمة العظيمة

      بما أنّ عددًا قليلاً جدًّا من الأشخاص يعيشون بحسب تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فإنّك سوف تعتقد  أن عددًّا قليلاً جدًّا سيكون مرغوبًا فيه في ملكوت الله أو مَدعوًّا إلى دخوله. ولكن ليس هذا هو الحال. لقد أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) مثلاً عن وليمة كبيرة لتوضيح مدى شموليَّة وامتداد دعوة المجيء إلى ملكوت الله. يسرد الإنجيل تعليمه في هذا الشأن:

 ﻟﻮﻗﺎ 14:15-24

مَثَلُ الوَليمَة

15 فَسَمِعَ أحَدُ الجالِسِينَ عَلَى المائِدَةِ هَذا الكَلامَ، فَقالَ لِيَسُوعَ: «هَنِيئاً لِكُلِّ مَنْ يَتَعَشَّى فِي مَلَكُوتِ اللهِ!»

16 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «كانَ رَجُلٌ يُعِدُّ لِوَلِيمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَدَعا أشخاصاً كَثِيرِينَ. 17 وَفِي وَقتِ الوَلِيمَةِ أرسَلَ خادِمَهُ لِيَقُولَ لِلمَدعُوِّينَ: ‹تَعالَوا لِأنَّ العَشاءَ جاهِزٌ!› 18 فَابتَدَأُوا جَمِيعاً يَختَلِقُونَ الأعذارَ. قالَ الأوَّلُ: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ حَقلاً، وَعَلَيَّ أنْ أخرُجَ وَأراهُ، فَاعذُرنِي مِنْ فَضلِكَ.› 19 وَقالَ آخَرٌ أيضاً: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ لِلتَّوِّ عَشْرَةَ ثِيرانٍ وَأنا الآنَ ذاهِبٌ لِأُجَرِّبَها، فَاعذُرْنِي مِنْ فَضلِكَ.› 20 وَقالَ آخَرُ أيضاً: ‹لَقَدْ تَزَوَّجتُ مُنْذُ فَترَةٍ قَصيرَةٍ، وَلا أستَطِيعُ أنْ آتِيَ.›

21 «وَلَمّا عادَ الخادِمُ أخبَرَ سَيِّدَهُ بِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ. فَغَضِبَ سَيِّدُ البَيتِ وَقالَ لِخادِمِهِ: ‹اخرُجْ بِسُرعَةٍ إلَى شَوارِعِ المَدِينَةِ وَأزِقَّتِها، وَأحضِرِ الفُقَراءَ وَالمُعَوَّقِيْنَ وَالعُرجَ إلَى هُنا!›

22 «فَعادَ الخادِمُ وَقالَ لَهُ: ‹يا سَيِّدُ، ما أمَرتَ بِهِ قَدْ تَمَّ. وَما يَزالُ هُناكَ مُتَّسَعٌ.› 23 فَقالَ السَّيِّدُ لِلخادِمِ: ‹اخرُجْ إلَى الطُّرُقاتِ الرِّيفِيَّةِ وَإلَى أسيِجَةِ الحُقُولِ وَألزِمِ النّاسَ بِالمَجِيءِ لِكَيْ يَمتَلِئَ بَيتِي. 24 فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ، إنَّهُ لَنْ يَذُوقَ وَلِيمَتِي أحَدٌ مِنَ أولَئِكَ الَّذينَ دَعَوتُهُمْ أوَّلاً!›»

إنّ مفاهيمنا المـــُسَلَّم بها قد انقلَبَت رأسًا على عقِب – عدّة مرَّاتٍ – في هذا التعليم. في المقام الأوّل، قد نفترض أنّ الله لن يدعو كثيرين إلى ملكوته (الذي هو الوليمة في البيت) لأنّه لا يجد كثيرين يستحقّون ذلك، ولكنّ ظهرَ أنّ ذلك الافتراض خاطئ. إنّ دعوة الحضور إلى الوليمة موَجَّهة إلى الكثير الكثير من الناس. إنّ السيّد (الذي هو الله في هذا المثل) يريد أن تكون الوليمة مليئة بالمدعوّين. وهذا أمرٌ مُشَجِّعٌ.

      ولكن سرعان ما نعرف أنَّ ثمّة انعطافة أُخرى غير مُتوَقَّعة في تعليمه. إنَّ عددًا قليلاً جدًّا من الضيوف أراد فعلاً أن يأتي، بدلاً من ذلك جعلوا يسوقون الأعذار حتَّى لا يُضطّروا إلى الذهاب! فلننظر إلى مدى عدم منطقيَّة أعذارهم! من الذي سيشتري البقر دون أن يحاول إخراجها للاختبار قبل شرائها؟ ومن الذي سيشتري حقلاً دون أن يكون قد عاينه أوّلاً؟ كلاّ، إنّ هذه الأعذار تكشف عن النوايا الحقيقيَّة لقلوب الضيوف – فهم لم يكونوا مهتمّين بدخول ملكوت الله بل كان لديهم اهتمامات أُخرى بدلاً من ذلك.

بمجرّد تفكيرنا في أنَّ إرادة السيّد ربّما ستُصاب بالإحباط بسبب عدم حضور أحد الوليمة أو حضور عددٍ قليلٍ لها، فسيكون هناك انعطافةٌ أُخرى. إنَّ الناس ’غير المرغوب فيهم‘، أولئك الذين نحن جميعًا نقصيهم عن أفكارنا باعتبار أنّهم لا يستحقّون أن يكونوا مَدعوّين إلى احتفالٍ كبير، أولئك الذين يتواجدون في ’’الشوارع والأزِقّة‘‘ وبعيدًا في ’’طُرُق البلد وممرّاتها‘‘، هم ’’الفقير والمشلول والأعمى والأعرج‘‘ – هم الأشخاص عينهم الذين نتجنّبهم في كثيرٍ من الأحيان – تلقّوا دعواتً لحضور الوليمة. وهذه الدعوات تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وتضمُّ عددًا من الناس أكبر ممّا كنّا أنت وأنا لنعتقد أنّه ممكنٌ. إنَّ صاحب الدعوة يريد حضور الناس، وهو سيدعو حتّى أولئك الذين ما كنا نحن أنفسنا لندعوهم إلى بيوتنا.

وهؤلاء الناس يلبّون الدعوة! فليس لديهم اهتماماتٍ متعارضة مثل الحقول أو البقر لتصرف محبَّتهم بحيث لا يأتون إلى الوليمة. إنّ ملكوت الله ممتلئ، وإنّ إرادة السيّد قد تمَّت!

أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) هذا المثل ليجعلنا نطرحُ السؤال التالي: ’’هل سأقبل دعوةً إلى ملكوت الله إن تلقَّيتُ واحدة؟‘‘ أم سيجعلك الاهتمام أو الحبّ الذي يتعارض مع حضورك تقدِّم ذريعةً لرفض هذه الدعوة؟  الحقيقة هي أنّك مدعوٌّ إلى وليمة الملكوت هذه، لكنّ الواقع هو أنّ معظمنا سوف يرفض الدعوة لسببٍ أو لآخر. نحن لن نقول أبدًا ’لا ‘ بشكلٍ مباشر، لهذا فإنّنا نقدِّم الأعذار لتغطية رفضنا. في هذا المثل، كان السبب الأصليّ لرفضنا حبَّ الأشياء الأُخرى. إنّ أولئك الذين وُجِّهَت إليهم الدعوة أوّلاً أحبّوا أشياء هذا العالم (التي يُمثِّلها ’الحقل‘ و ’البقرة‘ و ’الزواج‘) أكثر ممّا أحبّوا ملكوت الله.

 مثلُ معلِّم الناموس الذي لم يحصل على التبرير

البعضُ منّا يُحبّون الأشياء الماديّة في هذا العالم أكثر ممّا يُحبّون ملكوت الله، ولذا فإنّنا سوف نرفض هذه الدعوة. وبعضنا الآخر يحبُّ أو يثق باستحقاق برِّه الذاتيّ.  علَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أيضًا عن هذا الموضوع في قصَّةٍ أُخرى:

ﻟﻮﻗﺎ 18:9-14

البِرُّ الحَقِيقِيّ

كَما رَوَى يَسُوعُ المَثَلَ التّالِي لِلَّذِينَ كانُوا مُقتَنِعينَ بِأنَّهُمْ صالِحُونَ وَيَحتَقِرُونَ الآخَرِينَ: 10 «ذَهَبَ اثْنانِ إلَى ساحَةِ الهَيكَلِ لِكَي يُصَلِّيا. كانَ أحَدُهُما فِرِّيسِيّاً، وَالآخَرُ جامِعَ ضَرائِبَ. 11 فَوَقَفَ الفِرِّيسِيُّ وَصَلَّى عَنْ نَفسِهِ فَقالَ: ‹أشكُرُكَ يا اللهُ لِأنِّي لَستُ مِثلَ الآخَرِينَ، اللُّصُوصِ وَالغَشّاشِيْنَ وَالزُّناةِ، وَلا مِثلَ جامِعِ الضَّرائِبِ هَذا. 12 فَأنا أصُومُ مَرَّتَينِ فِي الأُسبُوعِ، وَأُعطِي عُشراً مِنْ كُلِّ ما أكسِبُهُ.›

13 «أمّا جامِعُ الضَّرائِبِ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَمْ يَجرُؤْ عَلَى أنْ يَرفَعَ عَينَيهِ إلَى السَّماءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدرِهِ وَقالَ: ‹ارحَمنِي يا اللهُ، فَأنا إنسانٌ خاطِئٌ!› 14 أقُولُ لَكُمْ، إنَّ جامِعَ الضَّرائِبِ هَذا، قَدْ عادَ إلَى بَيتِهِ مُبَرَّراً أمامَ اللهِ، أمّا الفِرِّيسِيُّ فَذَهَبَ كَما أتَىْ. لِأنَّ كُلَّ مَنْ يَرفَعُ نَفسَهُ يُذَلُّ، وَكُلُّ مَنْ يَتَواضَعُ يُرفَعُ.»

نلتقي هنا أحد الفرّيسيّين (وهو معلِّمُ دين مثل الإمام) الذي كان يبدو مثاليًّا في جدارته وجهوده الدينيَّة. وكان صومه وزكاته أكثر حتّى ممّا هو مطلوب. لكنّه وضع ثقته في برِّه الذاتيّ. ولم يكن هذا ما أبداه النبيّ إبراهيم (عليه السلام) قبل ذلك بزمنٍ طويلٍ عندما حصل على البِرّ فقط من خلال الثقة المتواضعة بوعد الله. في الواقع، طلب العشّار (وكانت مهنة غير أخلاقيَّة في ذلك الوقت) بتواضعٍ الرحمة، وبيقينه من حصوله على هذه الرحمة مجّانًا، مضى إلى بيته ’مُبرَّرًا‘ – باستقامةٍ مع الله – في حين أنّ الفرّيسي الذي نحتسب أنّه ’يسلك باستقامة مع الله‘، كانت خطاياه لا تزال تُحتَسَب ضدَّه.

وهكذا يسألك النبيّ عيسى (عليه السلام) ويسألني مرّة أُخرى وهو يتكلَّم بسلطان، إذا كنّا نرغب حقَّا في ملكوت الله، أو إذا كان ذلك مجرّد اهتمامٍ من بين اهتماماتٍ أُخرى كثيرة غيره. إنّه يسألنا أيضًا ما الذي نثقُ به – استحقاقنا الشخصيّ أو رحمة الله.

من المهمِّ أن نطرح على أنفسنا بصدقٍ هذه الأسئلة وإلاّ فإنّنا لن نفهم تعاليمه التي سنتناولها تاليًا – أنّنا نحتاج إلى الطهارة الداخليّة.