علامة العهد الجديد

أينا فى المقال السابق من النبى أرميا (عليه السلام) أن الخطية, من بين أمور أخرى, علامة على عطشنا. على الرغم من أننا نعرف أن الأشياء الخاطئة خطأ و سوف تقود إلى الخزى, فمازال عطشنا يقودنا للخطية. عاش النبى أرميا (عليه  السلام) فى نهاية فترة حكم ملوك إسرائيل – قبل دينونه الله  – فى وقت كانت الخطية موجودة بكثرة. فى وقت النبى أرميا (عليه السلام – 600 ق.م) تقريبا بعد ألف سنة من أخذ الناموس بواسطة النبى موسى, كانت حياة الإسرائييلين منحلة. لم يحفظوا الناموس و بالتالى كانت ستجرى محاكمتهم كأمة. أثبت الدين أنه خيبة أمل لكل من الله و الناس العطشى. و لكن النبى أرميا (عليه السلام) الذى كان رسول القضاء كان لديه رسالة أخرى عن شيئ ما … يوما ما فى المستقبل … ماذا كانت الرسالة؟

ها ايام تاتي يقول الرب واقطع مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا. ليس كالعهد الذي قطعته مع ابائهم يوم امسكتهم بيدهم لاخرجهم من ارض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي اقطعه مع بيت اسرائيل بعد تلك الايام يقول الرب.اجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم واكون لهم الها وهم يكونون لي شعبا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد اخاه قائلين اعرفوا الرب لانهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم الى كبيرهم يقول الرب.لاني اصفح عن اثمهم ولا اذكر خطيتهم بعد. (أرميا 31 : 31 – 34)

Timeline for intro to Zabur - in arabic - jeremiah highlighted

التسلسل الزمنيّ التاريخي للنبيّ إرميا (عليه السلام) مع بعض الأنبياء الآخرين في الزبور

العهد الأول – الناموس المعطى بالنبى موسى (عليه السلام) – فشل ليس بسبب أن الناموس لم يكن جيد. ناموس موسى كان (و مازال) جيد جدا. لكن المشكلة كانت ببساطة أن الناموس كتب على ألواح حجرية. بوجود العطش فى قلوبهم لم يتمكنالناس من طاعة الناموس. لم تكن المشكلة مع ما كتب فى الناموس, لكن أين كتب. كان الناموس محتاج أن يكتب على قلوب الناس حتى يتمكن الناس من إتباعه, لا أن يكتب على ألواح حجرية. كان الناموس محتاج أن يكتب داخل الناس, حتى يكون لديهم القدرة على إتباعه. لكن هل كان سبب فشلهم فى حفظ الناموس هو أنهم يهود؟ العديد من الناس, لأسباب عديدة, يسارعون فى لوم اليهود. لكن فى هذه النقطة سيفيدنا أن نفحص أنفسنا أولاً. ففى النهاية, فى يوم الحساب سنجيب عن نجاحنا و فشلنا الخاص أمام الله, و لن يعنينا الناس الأخرين. و أنت تستعرض حياتك هل تشعر أنك تحفظ الناموس – هل هو مكتوب فى قلبك فلديك القدرة على إتباعه. لو أنك تشعر أنك تحفظ الناموس كما ينبغى قد تريد أن تراجع أفعالك فى ضوء تعاليم النبى عيسى المسيح (عليه السلام). أو هل هو بالنسبة لك كما كان بالنسبة للإسرائييلين فى أيام أرميا – أن الناموس جيد –  لكنه ببساطة مكتوب على ألواح حجرية بدون إعطائك القدرة على إتباعه؟ تذكر القياس الذى تعلمنه من النبى موسى (عليه السلام). ليس كافيا أن نطيع معظم الناموس أحيانا. يجب أن نطيعه كله, دائما. لو أنك تحاسب نفسك على تقصيرك فى الناموس بطريقة ما, لو أنك تشعر بالخزى بسبب بعض تصرفاتك, تشجع. الله, فى رحمته, فى الرسالة السابقة قطع وعد أخر, وعد بعهد جديد – سيتحقق فى يوم فى  المستقبل من بعد النبى أرميا (عليه السلام). هذا العهد سيكون مختلف لأن متطلباته ستكتب “بداخل” الناس الداخلين فى هذا العهد, معطي لهم القدرة على العيش بأحكامه. لكن لاحظ أن هذا العهد الجديد يبدو أنه “لبيت إسرائيل” – اليهود. كيف نفهم هذا؟ يبدو أن اليهود فى بعض الأوقات بيوجهوا أسوء الأوضاع, و فى أحيان أخرى أفضل الأوضاع. ها هو نبى عظيم أخر من الزبور, أشعياء (الذى تنبأ أن المسيا سيأتى من عذراء – عليه السلام) كان لديه نبوة أخرى مرتبطة بتلك التى فى أرميا (عليه السلام). هذان النبيان, على الرغم من أنه كان يفصل بينهما 150 سنة (كما يمكنك أن ترى فى الجدول الزمنى بالأسفل) و بالتالى لم يعرفوا بعضهما البعض, أعطهم الله رسالات مكملة لبعضهم لدرجة أننا عرفنا من هذه الرسائل أن الله من بعثهما بها. النبى أرميا موضح فى الجدول الزمنى مع أنبياء الزبور الأخرين. أشعياء, أيضا يتطلع للمستقبل, تكلم عن عبد قادم. ها هو ما تنبأ به

والان قال الرب – جابلي من البطن عبدا له لارجاع يعقوب اليه فينضم اليه اسرائيل, فاتمجد في عيني الرب والهي يصير قوتي – 6فقال قليل ان تكون لي عبدا لاقامة اسباط يعقوب ورد محفوظي اسرائيل. فقد جعلتك نورا للامم لتكون خلاصي الى اقصى الارض. (أشعياء 49 : 5 – 6)

بمعنى أخر, هذا العبد القادم, سيوسع خلاص الله من اليهود إلى الأمم (أى غير اليهود) و بذلك سيمتد الخلاص إلى أقصى الأرض. من كان هذا العبد القادم؟ كيف سيؤدى هذه المهمة؟ و كيف ستتحقق نبوة أرميا عن العهد الجديد المكتوب فى قلوبنا بدلا من الحجر؟ سنواصل البحث عن إجابات (هم موجودون)

علامات عطشنا

الكتاب المقدس يسجل لناتاريخ بنى إسرائيل الذين  أخذوا الشريعة  وبالرغم من ذلك نجد أنهم قد عصوا  الله ولم يعملوا بحسب الشريعة . وذكرت فى مقدمة الزبور أن الملوك الذين جاءوا بعد دأود وسليمان ومن نسيله . كان كثير منهم أشرار جدا والله أرسل لهم كثير من الأنبياء لتحذيرهم .

Timeline Jeremiah alinjil

النبي إرميا مبين في الجدول الزمني مع سائر الأنبياء من الزبور

 

عاش أرميا التبى ( عليه السلام ) كما هو واضح من الخط الذمنى فى نهاية حكم الملوك وكان الشر والخطية منتشرة بشدة  وهى تشبه كثيرا خطايا الشائعة هذه الأيام ، الزنا ، والسكر ، والفجور الجنسى ، والوثنية ، والسحر ، والقتل ، والعنف ، وخيانة الأمانة واستغلال الأغنياء للفقراء … ولكن أرميا يبدأ كتابه بإعطاء ملخص لخطياهم وقسم هذه الخطايا إلى شرين

لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً.    (إر2 :13)

إرميا النبي يستخدم صورة مجازية ليساعدنا لفهم أفضل للخطية فيقول بالنبوة : أن الناس كانوا عطشى ، ولا يوجد خطأ فى أنهم عطشي ولكنهم يحتاجون إلى مياه صالحة للشرب . الله نفسه هو المياه الجيدة التى يمكن أن تروى عطشهم  . وبدلا من المجئ إلى الله ، ذهبوا إلى أبار أخرى مشققة ( أبار خاوية من الماء )

وبعبارة أخرى خطياهم باشكالها المختلفة يمكن تلخيصها فى :بدلا من أن يأتوا إلى الله ليرووا عطشهم بحثوا فى أماكن مشققة لا يوجد بها ماء ، بكلمات أخرى خطيتهم  بكل أشكالها يمكن تلخيصها فى بحثهم البحث فى أشياء عوض عن الله ليرووا عطشهم  ، وهذه الأشياء لايمكن أن تروى عطشهم .

فى النهاية وبعد متابعة خطاياهم ، لا يزال إسرائيل عطشى ، والأن بدون الله تبقى الأبار المشققة ، أى جميع المشاكل والصعوبات هى نتيجة  خطياهم .

حكمة سليمان تكشف لنا الأبار المشققة’

فى الحقيقة كان سليمان (عليه السلام) ذو خبرة واوضح أختبارة كان يمتلك كل ما يتمناه وفى النهاية كان ” عطشان “

وكما شرحت مي المقال بعنوان ؛الحكمه التي تعلمتها من الخضوع للرحمه الله ؛ كم كانت كتابات سليمان هذه مؤثره جدا في حياتي .

شرح كل محاولاته الفاشلة للارتواء من الأبار المشققة فقال:

كُنْتُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِلسُّؤَالِ وَالتَّفْتِيشِ بِالْحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ مَا عُمِلَ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ. هُوَ عَنَاءٌ رَدِيءٌ جَعَلَهَا اللهُ لِبَنِي الْبَشَرِ لِيَعْنُوا فِيهِ. رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ.  اَلأَعْوَجُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَالنَّقْصُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ. أَنَا نَاجَيْتُ قَلْبِي قَائِلاً: «هَا أَنَا قَدْ عَظُمْتُ وَازْدَدْتُ حِكْمَةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَقَدْ رَأَى قَلْبِي كَثِيرًا مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ». وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِمَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ هذَا أَيْضًا قَبْضُ الرِّيحِ.  لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا ( جامعة 1: 12-18 ) .

قُلْتُ أَنَا فِي قَلْبِي: «هَلُمَّ أَمْتَحِنُكَ بِالْفَرَحِ فَتَرَى خَيْرًا». وَإِذَا هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. لِلضَّحْكِ قُلْتُ: «مَجْنُونٌ» وَلِلْفَرَحِ: «مَاذَا يَفْعَلُ؟». 3اِفْتَكَرْتُ فِي قَلْبِي أَنْ أُعَلِّلَ جَسَدِي بِالْخَمْرِ، وَقَلْبِي يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَأَنْ آخُذَ بِالْحَمَاقَةِ، حَتَّى أَرَى مَا هُوَ الْخَيْرُ لِبَنِي الْبَشَرِ حَتَّى يَفْعَلُوهُ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ.  فَعَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ. عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ.

قَنَيْتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ، وَكَانَ لِي وُلْدَانُ الْبَيْتِ. وَكَانَتْ لِي أَيْضًا قِنْيَةُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا فِي أُورُشَلِيمَ قَبْلِي. جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ.  فَعَظُمْتُ وَازْدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي فِي أُورُشَلِيمَ، وَبَقِيَتْ أَيْضًا حِكْمَتِي مَعِي.

وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ، لأَنَّ قَلْبِي فَرِحَ بِكُلِّ تَعَبِي. وَهذَا كَانَ نَصِيبِي مِنْ كُلِّ تَعَبِي. ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ              (جامعة 2 : 1- 11 )

حكمة سليمان وتحذيرات أرميا كتبت لأجلنا اليوم . وبصفة خاصة لأننا نعيش فى عصر فيه الكثير من الرفاهية والثروة والأفلام والموسيقة وما إلى ذلك من الأجيال السابقة . مجتمعنا الحديث هم الأكثر ثراء ، وأفضل تعليم . سافر كثيرا ولديه الترفيه والسعادة والتقدم التكنولوجى أكثر من أى عصر مضى . لذلك يمكننا بكل سهولة نقدر أن نتحول إلى هذه الأمور والأمور الأخرى المتاحة فى عصرنا مثل : الأباحية  والعلاقات غير المشروعة والمخدرات والكحول والجشع والمال والغضب والغيرة -  وهذابغرض أن نروى عطشنا . ونحن نعلم من الشريعة لجميع الأنبياء أن هذه الأشياء خاطئة ، ولكننا نعتقد ( نظن ) أنها سوف تروى عطش قلوبنا . ولكنها تسبب وجع لنا .

هذا كان صحيحا فى أيام سليمان وفى أيام أرميا وفى أيام الأنبياء الآخرين ، وأيضا فى أيامنا هذه . والله يرسل لنا التحذيرات من أرميا وسليمان وهذا يجعلنا أن نكون صادقين مع أنفسنا ونسأل بعض الأسئلة :

س1 : لماذا فى عصرنا الحديث نتصارع كثيرا مع الاكتئاب ، والانتحار ، والسمنة ، والطلاق ، والغيرة ، والحسد ،

       والكراهية ، والمواد الإباحية ، والادمان ؟

س2 :  ما هى الأبار التى تستخدمها لتلبية عطشك ؟ هل فيها ماء ؟

س3 : هل تعتقد أنك سوف تحصل على أكبرقدر من الحكمة والحب والأنجازات والثروة مثل سليمان ؟ وأن كان سليمان غير راضى عن أنجازاته ، هل تعتقد أنك يمكن أن تلبى عطشك من خلال هذه الأشياء ؟

الخطيئة هي عدم حفظ الوصايا ، وإنما هى أيضا شيء آخر – شيء ينبغي أن نولي اهتماما . بل هو علامة من العطش لدينا. عندما نقر بهذا العطش الذى نحن  عليه اكتسبنا بعض الحكمة.

الله شمل هذا فى الزبور ( المزامير ) لأنه يرغب أن نكون على علم به ولأنه يريد أن يروى عطشنا لآنه يدرك تماما عطشنا وأنه يبدأ فى طريقه المعتاد – من خلال إعطاء وعد النبوة ومرة آخرى من خلال إرميا . وسوف نبين هذا فى المقال القادم

ما مصدر تسمية عيسى ‘المسيح’ ويسوع ‘المسيح’

     يُشير القرآن الكريم إلى عيسى (عليه السلام) باسم ‘المسيح’.  ماذا تعني هذه التسمية وما هو مصدرها؟  لماذا يُشير المسيحيّون إليه باسم ‘‘المسيح’’؟  هل المسيح هو Christ نفسه أم أنّ هناك بعض التناقض أو التحريف؟  يقدِّم لنا الزبور (المزامير) إجاباتً لهذه الأسئلة المهمَّة.  ولكن لكي تفهم هذه المقالة، ينبغي أن تقرأ أوّلاً المقالة الأولى حول ‘كيف تمَّت ترجمة الكتاب المقدّسنظرًا إلى أنّني سوف أستخدم المعرفة الخلفيّة التي تمّ شرحها في تلك المقالة لمساعدتنا على فهم هذه الأسئلة حول ‘مسيح’ و ‘Christ’.

 مصدر كلمة ‘مسيح’

      أتتبَّع في الشكل أدناه عمليّة الترجمة كما تمّ شرحها في كيف تمّت ترجمة الكتاب المقدَّس؟’، لكنّي ركَّزت في هذه المرّة تحديدًا على كلمة ‘Christ’ التي تظهر في إنجيل العصر الحديث.

تُظهِر عمليّة الترجمة أن ‘الممسوح’ = ‘المسيّا’ = ‘Christ’

تُظهِر عمليّة الترجمة أن ‘الممسوح’ = ‘المسيّا’ = ‘Christ’

      يمكنك أن ترى أنّ الاسم في الزبور باللغة الأصليّة العبريّة كانmashiyachالذي يعرِّفه القاموس العبريّ كشخصٍ ‘ممسوحٍ أو مُكرَّس’.  تبعًا لشكل مقالتي التي موضوعها كيف تمَّت ترجمة الكتاب المقدَّس، فهو ربع الدائرة رقم 1 في الشكل الوارد فيها.  تتحدَّث بعض النبوءات في الزبور عن أنَّ mashiyach محدَّد (باستخدام أداة التعريف ‘اﻟــ’) سوف يأتي. عندما وضِعَت الترجمة السبعينيّة سنة 250 قبل الميلاد، (انظر مقالة كيف تمّت ترجمة الكتاب المقدّس)، استخدم علماء اللاهوت كلمة في اللغة اليونانيّة مرادفة للاسم  mashiyach  في الأصل العبريّ والتي كان لها معنى مماثل – Christos -  المشتقّة من chrio، التي معناها المــَسْح بالدُهن بحسب الشعائر.   وهكذا تُرجِمَت كلمة كريستوس Christos بحسب المعنى (وليس من خلال الترجمة الصوتيّة) من الأصل العبريّ ‘mashiyach’ إلى الترجمة اليونانيّة السبعينيّة للإشارة إلى هذا الشخص الآتي.  هذا هو ربع الدائرة رقم 2 في الشكل.  أدرك تلاميذ عيسى (عليه السلام) أنّه كان الشخص نفسه الذي كانت تتحدَّث عنه الترجمة السبعينيّة، ولذلك استمرّوا في استخدام مُصطَلَح كريستوس Christos في الإنجيل.  (مرّة أخرى في ربع الدائرة رقم 2).

      ولكن في اللغة الإنكليزيَّة في العصر الحديث (أو في لغاتٍ أخرى)، لم يكن هناك كلمة معترف بها وقابلة للتداول الفوريّ مرادفة في المعنى، ولذلك تُرجِمَت كلمة ‘Christosترجمةً صوتيّة، منالإنجيل باللغة اليونانيّةإلى اللغة الإنكليزيّة (وإلى لغاتٍ أوروبيّة أخرى) إلى التسمية ‘Christ’ (المسيح).  هذا هو النصف السفليّ من الشكل المشار إليه بالرقم 3.  وبالتالي، فإنّ الاسم Christباللغة الإنكليزيّة هو لقبٌ محدَّدٌ جدًّا مصدره الزبور، والذي يأتي من الترجمة من اللغة العبريّة إلى اللغة اليونانيّة، ومن ثمَّ من خلال الترجمة الصوتيّة في الإنجيل، من اللغة اليونانيّة إلى اللغة الإنكليزيّة.  تُرجِم العهد القديم مباشرةً إلى لغات العصر الحاضر، إلى الإنكليزيّة، واستخدمَ المترجمون كلماتٍ في تحويل كلمة ‘mashiyach’ العبريّة الأصل إلى اللغة الإنكليزيّة.  قام البعض بترجمة الاسمmashiyach’  إلى الكلمة الإنكليزيّة مسيَّا Messiah  من خلال الترجمة الصوتيّة.  وترجم آخرون الكلمة ‘mashiyach’ من خلال معناها، بحيث أعطت كلمة ‘الممسوح’ في هذه الفقرات المحدَّدة من المزامير (أو الزبور).  ولكن نحن نعلم انطلاقًا من هذا التحليل أنَّ في الكتاب المقدّس:

 ‘Christ’ = ‘المسيّا’ = ‘الممسوح’

إذن، من أين أتى اسم ‘المسيح’ في القرآن الكريم؟

      ماذا بالنسبة إلى الإشارة إلى ‘Christ’ في القرآن الكريم باسم المسيح؟  للإجابة على هذا السؤال، سوف أقوم بالاستقراء من الشكل أعلاه الذي يُظهِر تسلسُل الاسم Mashiyach – >  Christ في الكتاب المقدَّس.

      يوسِّع الشكل أعلاه العمليّة لتشمل القرآن الكريم العربيّ الذي نزل بعد الترجمات العبريّة واليونانيّة للكتاب المقدّس.  يمكنك أن ترى أنّ ربع الدائرة رقم 1 مقسومة إلى جزأين.  الجزء 1أ هو نفسه كالذي سبقه يتعامل  مع كلمة ‘Mashiyach’ في الزبور باللغة العبريّة كما هو موضَّح أعلاه.  الجزء 1ب يتتبّع هذا المصطلح إلى اللغة العربيّة.

      يُرجِع القاموس العربيّ أصل التسمية إلى الجذر مَسَحَ – يمسَح، يمَسِّد، يمشّط، يغسل (بالماء)، يمسح بالدُهن، إلخ.  معنى لقب مسيح، مَلِسْ، ممسوح، مسيَّا، رحّالة عظيم. 

      يقوم الكثيرون بعمليّة المسح أثناء الوضوء (الغَسْل) قبل الصلوات.  هذا هو المسح بالماء على الرأس والرقبة والأُذُنَين.  تمامًا كما أنَّ المسح أثناء الوضوء الذي يقوم به المرء بنفسه، باستخدام الماء، هو تحضيرٌ للصلاة، هكذا المسح في الكتاب المقدّس الذي يقوم به شخصٌ آخر، باستخدام الدُهن أو الزيت، هو الإعداد لرسامة شخصٍ ما ليصبح نبيًّا أو كاهنًا أو تنصيبه ملكًا.  المسيح، الذي معناه (الذي مُسِحَ بالدهن أو الزيت) هو الذي أُعِدَّ أسمى إعداد للأدوار الثلاثة جميعها.

      هكذا تُرجِمَ (أيّ من خلال المعنى) مُصطَلَح ‘Mashiyach’ في القرآن الكريم (إلى مسيح).  وفي وقتٍ لاحقٍ، عندما ردَّ الناطقون باللغة العربيّة الكلمة إلى اللغة الإنكليزيّة، قاموا بترجمتها ترجمةً صوتيّة إلى ‘مسيح’.

تُبيِّن عمليّة الترجمة أنَّ ‘الممسوح’ = ‘مسيح’ = ‘مسيّا’ = ‘Christ’

تُبيِّن عمليّة الترجمة أنَّ ‘الممسوح’ = ‘مسيح’ = ‘مسيّا’ = ‘Christ’

     بخلفيّة المعرفة هذه يمكننا أن نرى أنَّ هذه التسميات جميعها هي اللقب نفسه، وتعني كلّها الشيء نفسه على النحو الذي فيه ‘‘4 = ‘four’ (بالإنكليزيّة) = ‘quatre’ (بالفرنسيّة) = IV (الأرقام الرومانيّة) = 6-2 = 2+2.

 المسيح المُنتَظَر في القرن الأوّل

      مزوّدون بهذه الرؤية، دعونا نذكر بعض الملاحظات من الإنجيل.  يرد أدناه ردّ فعل الملك هيرودس عندما جاء المجوس من الشرق بحثًا عن ملك اليهود، وهذا جزءٌ معروفٌ من قصّة ولادة عيسى (عليه السلام).  لاحظوا أنَّ اﻟــ التعريف تسبق لقب ‘مسيح’ على الرغم من أنّها لا تُشير تحديدًا إلى عيسى (عليه السلام).

 فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ اﻟـ مَسِيحُ.  (متى 2: 3- 4)

      يمكنك أن ترى أنّ فكرة ‘المسيح’ نفسها كانت بالفعل مقبولة عمومًا بين هيرودس ومستشاريه الدينيّين – حتّى قبل ولادة عيسى (عليه السلام) – وهي مُستَخدَمَة هنا دون الإشارة تحديدًا إليه.  وهذا يعود، كما هو موضَّح أعلاه، إلى أنّ لقب ‘مسيح’ يأتي من الزبور (المزامير) التي كتبها النبيّ والملك داود (عليه السلام) قبل مئات السنين،  وكانت تُقرأ عادةً مِنْ قِبَل اليهود من القرن الأوّل (أمثال هيرودس ورئيس الكهنة في تلك الأيّام) في الترجمة اليونانيّة السبعينيّة.  كانت كلمة ‘مسيح’ (ولا تزال) لقبًا وليس اسمًا.  من هذا المنطَلَق، يمكننا أن نستبعد على الفور المفاهيم السخيفة التي تقول إنّ لقب ‘مسيح’ كان ابتكارًا مسيحيًّا أو اختراعًا من قِبَل شخص مثل الإمبراطور قسطنطين (300م) الروماني.  كان اللقب موجودًا قبل مئات السنين من وجود أيّ مسيحيّين أو قبل مجيء الإمبراطور قسطنطين إلى السلطة.

 نبوءات عن ‘المسيح’ في الزبور

      دعونا ننظر إلى التكرارات الأولى للَّقب النبويّ ‘مسيح’ في الزبور، الذي كتبه النبيّ داود (عليه السلام) قبل الميلاد بألف عام تقريبًا – قبل فترةٍ طويلة من ولادة عيسى (عليه السلام).

The kings of the earth take their stand … against the LORD andagainst his Anointed One ‘‘ممسوحِه’’ The One enthroned in heaven laughs; the Lord scoffs at them… saying, “I have installed my King on Zion, my holy hill….”. (Psalm 2:2-4)

     كانت الترجمة اليونانيّة السبعينيَّة مقروءة على نطاقٍ أوسع بكثير من النصّ العبريّ في زمن عيسى (عليه السلام).  كما كان مزمور 2 في الزبور في الترجمة السبعينيّة يُقرأ على النحو التالي (إنّي أضعه باللغة الإنكليزيّة بترجمة Christos ترجمة صوتيّة بحيث يمكنكم أن ‘تروا’ لقب المسيح كما كان بإمكان قارئ الترجمة السبعينيّة أن يراه أو يقرأه).

The kings of the earth take their stand … against the LORD and against his Christ ‘‘مسيحه’’… The One enthroned in heaven laughs; the Lord scoffs at them… saying, “I have installed my King on Zion, my holy hill … (Psalm 2)

يمكنك أن ترى الآن كلمة ‘مسيح’ في هذه الفقرة مثلما كان قارئٌ في زمن عيسى ليراها.  وما يلي سيكون له تمامًا المعنى ذاته:

 قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ… عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ.                حِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ… ‘‘أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي’’. 

(مزمور 2: 2 –  4)

      لكنَّ الزبور (المزامير) يتابع مع مزيدٍ من الإشارات إلى المسيح الآتي.  إنّي أضع النبوءة التالية هذه جنبًا إلى جنب مع تلك التي تُرجِمت ترجمةً صوتيّة حيث ترِد كلمة ‘Christ’ مع كلمة ‘مسيح’ بحيث يمكنكم أن تروها.

مزمور 132- من اللغة العبريّة

مزمور 132- من الترجمة السبعينيّة

مزمور 132- الترجمة العربيّة

 

O Lord, …10 For the sake of David your servant, do not reject your Christ.11 The Lord swore an oath to David, a sure oath that he will not revoke: “One of your own descendants I will place on your throne— …17 “Here I will make a horn grow for David and set up a lamp for my Christ. 18 I will clothe his enemies with shame, but the crown on his head will be resplendent.”

 

O Lord, …10 For the sake of David your servant, do not reject your anointed one.11 The Lord swore an oath to David, a sure oath that he will not revoke:

 “One of your own descendantsI will place on your throne—…17 “Here I will make a horn grow for David and set up a lamp for my anointed one. 18 I will clothe his enemies with shame, but the crown on his head will be resplendent.”

من اجل داود عبدك لا تردّ وجه مسيحك. اقسم الربُّ لداود بالحقِّ لا يرجع عنه من ثمرة بطنكَ اجعلُ على كرسيكَ هناك أُنبت قرنًا لداود رتّبت سراجًا لمسيحي. أعداءه اُلبِس خزيًا و عليه يُزهر اكليله.

 

      يمكنكم أن تروا أنّ المزمور 132 يتحدّث تحديدًا بصيغة المستقبل (‘‘… أُنبِتُ قرنًا لداود…’’)، مثل العديد من الفقرات الموجودة في صفحات التوراة والزبور.  من المهمِّ أن نتذكَّر هذا عند تقييم  النبوءات.  فمن الواضح أنّ الزبور يجعل للمطالبات والتوقُّعات مظهرًا مستقبليًّا.  كان هيرودس يدرك أنّ أنبياء العهد القديم نطقوا بنبوءاتٍ حول ‘مسيحٍ’ آتٍ –  وهذا ما جعله مستعدًّا لهذا الخبر.  كان في حاجةٍ فقط إلى أن يشرح مستشاروه له تفاصيل هذه النبوءات لأنّه لم يكن مطَّلعًا على الزبور بشكلٍ جيِّدٍ جدًّا.  في الواقع، لا يزال اليهود ينتظرون مجيء مسيحهم، وليس لهذا الأمر أيّة علاقة بعيسى (عليه السلام) أو بالإنجيل (بما أنّهم يتجاهلون الإنجيل ولا يعترفون بعيسى بكونه المسيح).  بل إنّهم ينتظرون، مستندين فقط إلى هذه النبوءات المستقبليّة في الزبور.

 نبوءات التوراة والزبور:  محدَّدة، كما نظام القفل والمفتاح

     إنّ حقيقة أنّ التوراة والزبور يتنبّآن صراحةً بالمستقبل، يجعلهما كقفل الباب.  القفلُ مُصمَّمٌ لشكلٍ معيَّن بحيث أنَّ ‘مفتاحًا’ محدّدًا واحدًا فقط يطابق شكله يمكن أن يفتحه.  وبالطريقة ذاتها، العهد القديم هو مثل القفل.  لقد رأينا أنّ الإشارات لا توجد فقط في هذين المزمورَين اللّذَين اطَّلَعنا عليهما هنا، بل إنّنا قد سبق وأن رأينا بعضها في ذبيحة إبراهيم العظمى (عليه السلام)، وفي فصح النبيّ موسى (عليه السلام)، وفي آية ابن العذراء الآتي.  إنَّ المزمور 2 والمزمور 132 في الزبور يُضيفان تعريفًا يقول بأنّ ‘المسيح’ سيكون من نسل النبيّ والملك داود (عليه السلام).  وهكذا يصبح القِفْلُ أكثر وأكثر دقةً وتحديدًا كلّما قرأنا في الفقرات التنبّؤيّة بين صفحات الزبور.  لكنَّ الزبور لا يختم بهذه التنبّؤات.  فهو يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير فيذكر لنا بمزيدٍ من التفصيل ما سيكون عليه المسيح وما سيفعله.  نتابع الموضوع في مقالنا القادم.

كيف تمَّت ترجمة الكتاب المقدَّس؟

الكتاب المقدَّس لا يُقرأ عادةً بلغتَيه الأصليَّتين، (العبريِّة واليونانيّة). ولا يعود السبب إلى عدم توفُّره بهاتَين اللغَتين – فهو متوفِّر. يمكن لأيِّ شخصٍ مهتمّ أن يقوم بدراسة اليونانيّة والعبريّة في الجامعة حتّى يتمكَّن من قراءة الكتاب المقدّس في لُغتَيه الأصليَّتَين، وفي أغلب الأحيان، يدرس علماء اللاهوت الكتاب المقدَّس في هاتَين اللغَتَين. لكنَّ المؤمنين العاديِّين لا يمكنهم عادةً قراءة هذه اللغات، وبالتالي، بدلاً من ذلك يقومون بقراءة ترجمة للكتاب المقدَّس. لهذا، نحن في الغالب لا نرى الكتاب المقدَّس في لغتَيه الأصليَّتَين، ممّا يحدو بالبعض إلى الاعتقاد بأنَّ نسخته باللغات الأصليّة قد فُقِدَت، ويرى آخرون أنّ عمليَّة الترجمة أدَّت إلى التحريف. قبل القفز إلى هذه الاستنتاجات، ربّما يكون من الأفضل أوّلاً أن نفهم عمليَّة ترجمة الكتاب المقدَّس وتاريخها.

 تاريخ ترجمة الكتاب المقدَّس في مراحلها اللغويّة

تمَّ كتابة التوراة والزبور في الأصل باللغة العبريَّة خلال الفترة بين 1500- 400 قبل الميلاد. يظهر هذا في الجدول الزمنيّ التالي، حيث أنَّ خطوة اللغة #1 هي العبريَّة.

Slide3

تُرجِم الكتاب المقدَّس للمرَّة الأولى عندما تُرجِم العهد القديم (= التوراة والزبور) إلى اللغة اليونانيّة في سنة 250 قبل الميلاد. وهذه الترجمة التي لا تزال مُستَخدَمة على نطاقٍ واسعٍ اليوم، هي المعروفة بالترجمة السبعينيّة (أو (LXX. يُضيف الشكل أدناه هذه الترجمة الأولى إلى الجدول الزمنّي حيث تمَّ ترجمة خطوة اللغة #1 إلى اللغة #2 اليونانيّة. منذ ذلك الحين فصاعدًا، أصبح العهد القديم في كلٍّ من هاتين اللغتَين.

Slide4

في ذلك الزمن، كُتِبَت الأناجيل بعد صعود عيسى المسيح (عليه السلام) باللغة اليونانيّة ليشكِّلوا الكتاب المقدَّس كاملاً. يُتَرجَم الكتاب المقدَّس اليوم من المخطوطات العبريّة واليونانيّة العديدة الموجودة، إلى العديد من اللغات الحديثة (مثل العربيّة والإنكليزيّة) كما هو موضَّحٌ في الشكل أدناه كخطوة لغة #3.

Slide6

الترجمةـ في مقابل الترجمة الصوتيّة (نَسخْ كتابة لغة بحروفِ لغةٍ أخرى)

بسبب بعض المبادئ الأساسيّة جدًّا في الترجمة، يحاول بعض المترجمين إيجاد أفضل معنى. وبالتالي، فإنَّ استخدام أسلوب كلمة مقابل كلمة (الترجمة الحرفيَّة) لا يُستخدَم دائمًا. على سبيل المثال، إذا كنت أسأل عن الوقت باللغة العربيّة فسوف أقول ‘‘كم الساعة الآن؟’’ التي تُتَرجَم حرفيًّا إلى الإنكليزيّة على النحو التالي ‘‘ما ثمن الساعة الآن (أو كيف الساعة..)’’، ولكنّنا لا نستخدم هذا الأسلوب في الكلام في اللغة الإنكليزيّة، لهذا، فإنّ ترجمة تلك العبارة عن طريق المعنى بدلاً من الترجمة الحرفيَّة هو المفضَّل. لكنَّ المترجمين يحتاجون أحيانًا إلى الترجمة عن طريق الصوت المماثل بدلاً من ترجمة المعنى، خاصَّةً عندما يتعلَّق الأمر بالأسماء أو الألقاب. وهذا يُعرَف باسم الترجمة الصوتيَّة.

يوضِّح الشكل أدناه الفرق بين الترجمة والترجمة الصوتيَّة. يمكنك اختيار طريقتين لترجمة كلمة ‘الله’ من اللغة العربيّة إلى اللغة الإنكليزيّة. تستطيع ترجمتها بحسب المعنى ممّا يعطينا كلمة ‘God’، أو يمكنك أن تترجمها صوتيًّا على النحو التالي ‘Allah’ (الله). مع ازدياد التبادل بين اللغتَين الإنكليزيّة والعربيّة في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت عبارة ‘Allah’ (الله)كلمة معتَرَف بها في اللغة الإنكليزيّة والتي تعني ‘God’.

Slide1

تُستَخدَم هنا كلمة ‘God’ لتوضيح كيف نُترجِم من خلال المعنى أو من خلال الصوت من لغةٍ إلى أخرى.

ليس ثمَّة خطأ وصواب في المـــُطلَق في اختيار الترجمة عن طريق المعنى أو الترجمة الصوتيّة في ما يتعلَّق بالأسماء والكلمات الرئيسة. ويتوقَّف الاختيار على مدى قبول المـــُصطَلَح أو فهمه في لغة المتلقّي.

أمّا بالنسبة إلى الكتاب المقدَّس، فقد كان على المترجمين أن يقرِّروا ما إذا كان من الأفضل ترجمة الأسماء والألقاب من خلال الترجمة (عن طريق المعنى) أو الترجمة الصوتيّة في مراحل الترجمة إلى اللغة اليونانيّة (#2) واللغة الحديثة (#3).

الترجمة من خلال المعنى في مقابل الترجمة الصوتيَّة في الترجمة السبعينيَّة

يوضِّح الشكل أدناه كيفيّة تأثير كلّ هذا في الكتب المقدَّسة في العصر الحديث حيث تظهر الآن الخطوات التاريخيَّة للترجمة (#1/ #2، #3).

Slide2

يوضِّح الشكل أعلاه عمليَّة ترجمة الكتاب المقدَّس إلى اللغات الحديثة

العهد القديم الأصليّ باللغة العبريّة (التوراة و الزبور) موجودٌ في الربع العُلويّ الأيسر رقم 1#، ويمكن إيجاده اليوم في النصّ الماسوريتي ومخطوطات البحر الميِّت. العهد الجديد (الإنجيل) باللغة اليونانيّة موجودٌ في الربع العلويّ الأيمن (#2) ويمكن الوصول إليه اليوم من خلال آلاف المخطوطات اليونانيَّة. يُرجى الاطِّلاع على مقالتي في علم النقد النصيّ لفهم كيفيَّة تأكيد المخطوطات على أنَّ النصّ الأصليّ لأسفار الكتاب المقدَّس هي غير مُحرَّفَة.

نظرًا إلى أنّ الترجمة السبعينيّة كانت الترجمة من العبريّة إلى اليونانيّة فهي تظهر على شكل سهم يتَّجه من الربع #1 إلى #2، حيث يتضمَّن الرقم 2 كلًّا من العهدَين القديم والجديد باللغة اليونانيّة. في الربع النصف السفليّ (#3) توجد اللغة الحديثة، كاللغة العربيّة، التي تُرجِم إليها الكتاب المقدَّس. تتمُّ ترجمة العهد القديم مباشرةً من اللغة العبريّة الأصليّة، ويُتَرجَم العهد الجديد من اللغة اليونانيّة الأصليّة كما يوضِّح ذلك سهمان يتَّجهان نحو اللغة الحديثة #3. إنَّ حقيقة أنّ بإمكان المترجمين استخدام ترجمة المعنى أو الترجمة الصوتيّة للأسماء والألقاب، توضِّحه عبارَتي ‘ترجمة’ و ‘ترجمة صوتيّة’ على جانبَي سهمَي الترجمة.

 الترجمة السبعينيّة شاهدٌ على موثوقيَّة الكتاب المقدَّس

تقدِّم لنا الترجمة السبعينيَّة مجموعة أخرى من النصوص للوصول إلى العهد القديم. بما أنَّ الترجمة السبعينيّة قد تُرجِمَت من العبريَّة حوالي 250 قبل الميلاد، (إذا عكسنا الأمر وأعدنا ترجمة النصّ اليونانيّ إلى العبريّة) يمكننا أن نرى النصّ العبريّ الذي ترجم منه هؤلاء المترجمين. إنَّ الرأي المقبول اليوم هو أنّ الترجمة السبعيّنيّة هي سجلُّ في غاية الدقَّة لترجمة مبكِّرة للنصّ العبريّ للعهد القديم. كانت الترجمة السبعينيّة تُقرأ في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسِّط منذ مئات السنين، مِن قِبَل اليهود والمسيحيّين والوثنيّين- وحتّى يومنا هذا، لا يزال العديد من الأشخاص في الشرق الأوسط يستخدمونها. إذا قام أحدٌ ما (من المسيحيِّين أو اليهود، أو أيّ شخصٍ آخر) بتغيير العهد القديم بهدف تحريفه، فسيكون النصّ السبعينيّ في هذه الحال مختلفًا عن النصّ الماسوريتي العبريّ وعن مخطوطات البحر الميِّت. لكنَّ هذه النصوص هي واحدة. وبالمثل، إذا كان أحد الأشخاص في الإسكندريّة في مصر قد قام بتحريف الترجمة السبعينيَّة نفسها، فستكون نُسَخ مخطوطة الترجمة السبعينيّة في الإسكندريّة عندها، مختلفة عن مخطوطات الترجمة السبعينيّة الموجودة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسِّط. لكنّها هي نفسها. وبالتالي، فإنَّ المـــُعطيات تُخبرنا دون أيِّ تناقضٍ، أنّ العهد القديم لم يُحَرَّف.

السبعينيَّة في الترجمة

تُستَخدَم الترجمة السبعينيّة أيضًا كمساعدة إضافيّة في الترجمة. يستخدم علماء اللاهوت الترجمة السبعينيّة حتّى يومنا هذا لمساعدتهم على ترجمة بعض أكثر الفقرات صعوبة في العهد القديم. تُفهَم الترجمة اليونانيّة بشكلٍ جيِّدٍ، في بعض الفقرات حيث يكون من الصعب فهم النصّ العبريّ، يستطيع المترجمون أن يروا كيف فهم المترجمون السبعينيّون هذه العبارات قبل 2250 سنة. إنَّ المساهمة التي قدّمتها الترجمة السبعينيّة ككلّ في ترجمة العهد القديم هي أنّها أعطتنا مجموعة من المخطوطات الأخرى تدعم مصداقيّة العهد القديم فضلاً عن إعطائنا بُعدَ نظر للقيام بترجمة بعض الفقرات الصعبة بصورةٍ أفضل.

ولكنَّ هذا ليس كلّ شيء. فقد كان على المترجمين السبعينيّين أن يقرِّروا ما إذا كانت الكلمات أفضل في اللغة اليونانيّة بالترجمة الصوتيّة، أو من خلال الترجمة عن طريق المعنى كما هو موضَّح أعلاه. إنَّ فهمنا للترجمة من خلال المعنى/الترجمة الصوتيّة و الترجمة السبعينيّة سوف يساعدنا على إدراك مصدر الكلمات ‘Christ’ و ‘Messiah’(المسيَّا) و ‘Masih’ ( (عليه السلام)، الأمر الذي يتوجَّب علينا معرفته إذا أردنا أن نفهم
رسالة الإنجيل.  سوف نبحث في هذا الموضوعفي مقالتنا القادمة.المسيح)، وكيف ترتبط هذه المصطلحات بعيسى المسيح

الملكوت الآتي

 رأينا في مقالتي الأخيرة كيف تنبّأ إشعياء النبيّ (عليه السلام) بمجيء ابن العذراء الذي تحقَّق في ولادة عيسى المسيح (عليه السلام) بعد عدّة مئات من السنين.  غير أنّ نبوءاتٍ أخرى في الزبور أيضًا أعلنَت عن زمنٍ قادمٍ يحلُّ فيه السلام والبركة.  سوف ننظر الآن في هذه النبوءات.

 

      رأينا في تاريخ بني إسرائيل أنّ النبيّ والملك داود (عليه السلام) كان الأوّل من سلسلة الملوك الذين عيّنهم الله حكّامًا على القدس.  ولكنّ معظم الملوك الذي تعاقبوا بعد الملكَين داود وسُليمان (عليهما السلام) كانوا فاسدين.  لهذا، كانت الحياة في مملكتهم حينها شبيهةً بالعيش في ظلّ حكم العديد من حكّام اليوم الفاسدين والمستبدّين؛  كان هناك الكثير من الحروب والمعارك بين الشعوب وبين الأمم – تمامًا كما يحدث اليوم، وكان هناك الكثير من الفساد واستغلالٌ للفقراء مِن قِبَل الأغنياء – تمامًا كما يحدث اليوم؛  وكان هناك الكثير من الموت والبؤس في كلّ مكان – تمامًا كما يحدث اليوم.  لكنّ أنبياء الزبور قالوا إنّ عهدًا جديدًا سوف ينشأ في المستقبل.  وسيكون هذا العهد مملكةً يسودها العدل والرحمة والحبّ والسلام وطمأنينة كبيرة.  تأمّل كيف تنبّأ إشعياء النبيّ (عليه السلام) كيف ستكون الحياة في ظلّ هذا الحُكم. 

  فَيَقْضِي (الله) بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.

(إشعياء 2: 4)

 

     لا مزيد من الحروب!  من المؤكّد أنّ هذا ليس صحيحًا في عالمنا اليوم.  ولكن، حتّى أبعد من السلام بين الأُمم، أعلنت النبوءات حتّى عن تغييراتٍ في البيئة الطبيعيّة. 

     فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا.  وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. (إشعياء 11: 6-9)

 

وهذا بالتأكيد لم يحصل (بعد).  لكنّ النبوءات تمتدّ حتّى إلى ما هو أبعد من امتداد الأعمار والأمن الشخصيّ.

 

‘‘لاَ يَكُونُ بَعْدُ هُنَاكَ طِفْلُ أَيَّامٍ، وَلاَ شَيْخٌ لَمْ يُكْمِلْ أَيَّامَهُ. لأَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَالْخَاطِئُ يُلْعَنُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ. وَيَبْنُونَ بُيُوتًا وَيَسْكُنُونَ فِيهَا، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا. لاَ يَبْنُونَ وَآخَرُ يَسْكُنُ، وَلاَ يَغْرِسُونَ وَآخَرُ يَأْكُلُ… وَيَسْتَعْمِلُ مُخْتَارِيَّ عَمَلَ أَيْدِيهِمْ. لاَ يَتْعَبُونَ بَاطِلاً وَلاَ يَلِدُونَ لِلرُّعْبِ، لأَنَّهُمْ نَسْلُ مُبَارَكِي الرَّبِّ، وَذُرِّيَّتُهُمْ مَعَهُمْ. وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ. الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ يَرْعَيَانِ مَعًا، وَالأَسَدُ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ…’’ قَالَ الرَّبُّ.  (إشعياء 65: 20-25)

      الأمنَ والسلام والاستجابة الفوريّة للصلوات… لا شيء من هذه النبوءات قد حدث – حتّى الآن.  لكنّه قد نُطِق بها ودوِّنَت في الكُتب.  يعتقد الكثيرون أنّه ربّما كان هناك بعض الخطأ في هذه النبوءات السخيّة – لكنَّ تحقُّق هذه النبوءات حرفيًّا في آية ابن العذراء ينبغي أن يجعلنا نأخذها على محمل الجدّ – وأن نطمح في تحقيقها.

 ملكوت الله

      ربّما استطعنا إذا ما أمعنّا التفكير أكثر أن نفهم سبب عدم تحقّقها حتّى الآن.  لقد أُعلِنَت هذه النبوءات في سياق ملكوت الله – سلطة الله في حياة وشؤون الناس.  اقرأ نبوءة أخرى من الزبور حول ملكوت الله الآتي.

 

يَحْمَدُكَ يَا رَبُّ كُلُّ أَعْمَالِكَ، وَيُبَارِكُكَ أَتْقِيَاؤُكَ. بِمَجْدِ مُلْكِكَ يَنْطِقُونَ، وَبِجَبَرُوتِكَ يَتَكَلَّمُونَ، لِيُعَرِّفُوا بَنِي آدَمَ قُدْرَتَكَ وَمَجْدَ جَلاَلِ مُلْكِكَ. مُلْكُكَ مُلْكُ كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. اَلرَّبُّ عَاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطِينَ، وَمُقَوِّمٌ كُلَّ الْمُنْحَنِينَ.  (مزمور 145: 10-14)

 

     كانت هذه رسالة مُقدَّمة من الملك والنبيّ داود (عليه السلام) حوالي 1000 عام قبل الميلاد

(رجاءً، انظر الرابط هنالمعرفة متى عاش داود وغيره من أنبياء الزبور).  تتوقَّع هذه النبوءة مجيء يومٍ سيتمّ فيه على نحوٍ ظاهرٍ قيام ما يدعوه الزبور   سيكون لهذه المملكة المجد والجلال ولن تكون مملكةً مؤقّتة مثل ممالك الإنسان – بل ستكون مملكةً أبديّة.  إنّ هذا لم يحدث بعد، وهذا هو السبب في أنّنا لم نشهد نبوءات السلام الأخرى هذه تتحقّق حتّى الآن -  لأنّ هذا السلام يترافق ومجيء ملكوت الله.

 

     هناك نبيٌّ آخرٌ في الزبور وهو دانيال (عليه السلام) الذي عاش حوالي سنة 550 قبل الميلاد في بابل التي كانت جزءًا من المكان الذي نُفيَ إليه بنو إسرائيل، يشرح المزيد عن كيفيّة نشوء هذه المملكة.  (الخطّ تحت اسم دانيال باللّون الأحمر..) اسم دانيال مُحاط باللّون الأحمر في الجدول الزمني أدناه. 

Timeline Daniel arabic

الزمن الذي عاش فيه النبيّ دانيال (عليه السلام) مقارنةً مع غيره من أنبياء الزبور.

    

      عمِل دانيال (عليه السلام) في الحكومة البابليّة ورُفِع إلى مرتبة رئيس الوزراء.  في بداية حياته المهنيّة، قام بتفسير الأحلام التي كان الله يرسلها إلى الملك البابليّ في ذلك الزمان ليتنبّأ بالمستقبل الذي تتكشّف عنه الممالك عبر التاريخ.  إليكم هنا كيف يفسِّر دانيال الحلم لملك بابل هذا. 

 

…لأَنَّ إِلهَ السَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَاقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو الْبَشَرِ وَوُحُوشُ الْبَرِّ وَطُيُورُ السَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا… وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لأَنَّ الْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. …تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هؤُلاَءِ. …وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لاَ بِيَدَيْنِ…. (دانيال 2: 36-45)

 

     تبدأ هذه المملكة صغيرةً (‘قطعة صخرٍ مُقتَطعةٍ من جبلٍ’)، لكنّ حكمها في نهاية المطاف سوف يستمرُّ إلى الأبد، كما ورد في نبوءة داود (عليه السلام) في مزمور 145 الذي رأيناه أعلاه.  فلماذا إذن يقوم الله بإنشاء مملكته ببطءٍ شديدٍ؟  لماذا يستغرق الأمر هذا الوقت الطويل؟  لماذا لم تتحقّق النبوءة حتّى الآن؟  حسنًا، عندما تفكِّر في ذلك، فإنّ أيّة مملكة وجميع الممالك يكون لديها المكوِّنات التالية:

  • ·       ملكٌ أو حاكمٌ
  • ·       مواطنون
  • ·       دستورٌ أو قانون
  • ·       طبيعة

      على سبيل المثال، دعونا نعتبر كندا حيث أعيش كمملكة.  لدى كندا حاكم – الذي هو اليوم ستيفن هاربر (Stephen Harper)رئيس وزرائنا المــُنتَخَب. كندا لديها مواطنون – الذين أنا أحدهم.  تمتلك كندا دستورًا أو قانونًا أيضًا يحدِّد حقوق ومسؤوليّات جميع المواطنين فيها.  كما أنّ لدى كندا طبيعة، وهي تقع في هذه الحالة في جزءٍ معيَّنٍ من الأرض يعطيها حجمًا طبيعيًّا معيَّنًا ومناخًا وموارد طبيعيّة، إلخ…  تمتلك جميع البلدان والممالك، في الماضي والحاضر، هذه العناصر الأربعة كلّها.

 أنت وأنا مدعوّان إلى ملكوت الله

      وهذا ينطبق أيضًا على ملكوت الله.  لقد سبق وأن رأينا من النبوءات أعلاه أنّه سيكون لهذا الملكوت طبيعة خاصَّة (مجيدة وأبديّة) ودستور (سلامٍ وعدلٍ وانسجامٍ في الطبيعة، إلخ).  إنّ المكوِّنَين الآخرَين هما اللّذان يجعلان ملكوت الله ممكنًا:  ملكها ومواطنيها.  أتناول أوّلاً في المقال التالي شخص الملك، في هذه الأثناء، ربّما ترغب في أن تسأل نفسك عمّا إذا كنت تريد أن تكون مواطنًا في ملكوت الله هذا – حتّى التَوق إليه مثل شخصٍ عطشان.  إليكم ها هنا كيف أنّ النبيّ إشعياء (عليه السلام)، من خلال رسالته، يدعو الناس جميعًا الذين يريدون أن يكونوا مواطنين في هذا الملكوت. 

 ‘‘أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا… بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا وَكُلُوا الطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ… اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.

(إشعياء 55: 1- 6)

     إنّ الله يدعو جميع الذين هم ‘‘عطاش’’ إلى هذا الملكوت ليأتوا إليه، كما أنّ المحبّة التي أغدقها الله على الملك داود (عليه السلام) منذ القِدَم، سوف تمتدّ لتشمل جميع أولئك الذين يسعون للمجيء إليه.  إذا تلقّيت دعوةً لحضورٍ شيءٍ ما، فذلك يعني أنّك لم تحضر بعد.  لكنّ حقيقة أنّ الله يدعونا، تعني أنّه يريدنا أن نصبح مواطنين في ملكوته ونعيش في ظلِّ هذا الحكم الذي يسوده السلام.  وهكذا فإنّ لدينا العديد من التساؤلات حول هذه النقطة، ‘‘كيف’’ و ‘‘متى’’ بشأن مجيء هذا الملكوت الذي سوف نستمرّ في مناقشته في المزيد من المقالات حول الزبور.  ولكن هناك أيضًا سؤال واحدٌ آخر تستطيع أنت فقط الإجابة عليه:  ‘‘هل أريد أنا أن أكون في هذا الملكوت؟’’

آية ابن العذراء

ذكرتُ في مقدّمة الزبور أنَّ النبيّ والملك داود (عليه السلام) بدأ بكتابة الزبور بالكتابات الموحى بها من سفرلمزامير، ثمَّ أُضاف الأنبياء الذين خلَفوه بعد ذلك الأسفار الأخرى. كان إشعياء (عليه السلام) نبيًّا مهمًّا جدًّا، وكان يُعتَبَر أحد الأنبياء الرئيسيّين (لأنَّ سفره طويلٌ جدًّا). عاش قبل المسيح ﺒ 750 سنة تقريبًا. يُبيِّن الجدول الزمنيّ أدناه متى عاش إشعياء مقارنةً بغيره من أنبياء الزبور.

Timeline  Iasiah and other prophets al-injil

التسلسل الزمنيّ التاريخي للنبيّ إشعياء (عليه السلام) مع بعض الأنبياء الآخرين في الزبور

على الرغم من أنَّ إشعياء عاش قبل زمنٍ بعيدٍ جدًّا (قبل حوالي 2800 سنة)، إلّا أنّه قدّم العديد من النبوءات التي تتحدّث عن أحداثٍ مستقبليّة، كما قال النبيّ موسى (عليه السلام) مِن قبل إنَّ نبيًّا ينبغي أن يقدِّم نبوءات. وكما هو موضَّحٌ في مقدّمة الزبور، فإنَّ الملوك الذين جاءوا بعد النبيّ سليمان (عليه السلام) كانوا في الغالب فاسدين. وكان هذا حال الملوك في زمن إشعياء. وهكذا فإنّ كتابه مليءٌ بالتحذيرات من الدينونة الآتية (وهذا ما حدث بعد 150 عامًا عندما دمَّرت بابل مدينة أورشليم/القدس). على أنّه تنبّأ أيضًا بأبعد من ذلك بكثير، ونظر نظرةً فاحصة في مستقبله حين سيرسل الله آيةً خاصَّة – لم تُرسَل بعد للبشريّة. تحدَّث إشعياء إلى الملك الذي هو من سلالة داود (عليه السلام)، وهذا هو السبب الذي جعل هذه الآية موجَّهَة إلى ‘‘بيت داود’’

فَقَالَ إشعياء: اسْمَعُوا يَا بَيْتَ دَاوُدَ! هَلْ هُوَ قَلِيلٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُضْجِرُوا النَّاسَ حَتَّى تُضْجِرُوا إِلهِي أَيْضًا؟ وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عَّانُوئِيلَ. زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ. (إشعياء 7: 13- 15)

كانت هذه بالتأكيد نبوءة جريئة! مَن الذي كان قد سمع عن امرأة عذراء تلِد ابنًا؟ بدا هذا بمثابة نبوءةٍ لا تُصدَّق بحيث أنَّ الناس تساءلوا لسنواتٍ عديدة عمّا إذا كان هناك خطأ ما. من المؤكَّد أنّ رجلاً يخمِّن (أو يفترض) ما سيحدث في المستقبل لن يعلن – ويسجِّل كتابةً لجميع الأجيال القادمة لتقرأ – نبوءةً تبدو مستحيلة. لكنّ هذا ما حصل. نحن نعرف من مخطوطات البحر الميِّت الموجودة اليوم أنّ هذه النبوءة كانت في الواقع مكتوبة منذ عهدٍ بعيد – قبل مئات السنين من ولادة عيسى (عليه السلام). تمَّ التنبّؤ بولادة عيسى المسيح (عليه السلام) من عذراء نحن الذين نعيش اليوم بعد عيسى المسيح (عليه السلام)، يمكننا أن نرى أنّها نبوءة تتحدَّث عن مجيئه. ما من نبيٍّ آخر، بما في ذلك إبراهيم وموسى ومُحمَّد (عليهم السلام) وُلِدَ من عذراء. إنَّ عيسى، من دون جميع البشر الذين وُلدوا في أيِّ وقتٍ، جاء إلى العالم على هذا النحو. إذًا، كان الله يعطينا قبل ولادته بمئات السنين آية مجيئه، وكان يُعدّنا كذلك لتعلُّم أشياءٍ عن هذا الابن المولود من عذراء. نلاحظ في هذا الصدد أمرَين على وجه الخصوص.  دَعَته أُمّه باسم عمَّانوئيل أوَّلاً، هذا الابن المولود من عذراء ستُطلق عليه والدته اسم ‘‘عمَّانوئيل’’. المعنى الحرفيّ لهذا الاسم هو ‘‘الله معنا’’. ولكن ما الذي يعنيه ذلك؟ ربّما كان له معانٍ عديدة، ولكن بما أنَّ هذه النبوءة كانت قد أُعلِنَت لملوكٍ أشرار كان الله على وشك إدانتهم، فكان أحد المعاني المهمَّة أنّه عند ولادة هذا الابن سيكون ذلك آية على أنّ الله لم يعد ضدّهم في الدينونة ولكنّه كان سيكون ‘‘معهم’’. عندما ولد عيسى (عليه السلام)، بدا في الواقع وكأنَّ الله قد تخلّى عن إسرائيل مذ حكمهم أعداؤهم. فكانت ولادة الابن من العذراء آيةً على أنّ الله كان معهم وليس عليهم. في الواقع، يسجِّل إنجيل لوقا في العهد الجديد أنّ أمّه مريم أنشدت ترنيمةً مقدَّسة حين أبلغها الملاك الرسالة (حين بشّرها الملاك بالمجيء..) التي تُعلِمها بالمجيء القادم لابنها. تتضمَّن هذه الترنيمة ما يلي:

 تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي… وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ… عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ. (لوقا 1: 46- 55)

يمكنك أن ترى أنَّ مريم عندما أُبلِغَت بأنّه سيكون لها ولد على الرغم من أنّها كانت عذراء، فهمت الأمر على أنّه يعني أنّ الربّ كان يتذكَّر رحمتهُ لإبراهيم ونَسلِه إلى الأبد. فإنّ الدينونة لا تعني أنّ الله لن يكون مع بني إسرائيل مرّةً أخرى.  ابن العذراء ‘‘يرفُضُ الشَّرَّ ويختارُ الخَيرَ’’ إنَّ الجزء المذهل من هذه النبوءة في إشعياء هو أنّ هذا الابن ‘زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ’. إنَّ ما يعنيه إشعياء هو أنّ هذا الابن، ما أن يصل إلى السنّ الذي يجعله قادرًا على اتّخاذ قراراتٍ واعية، فإنّه سوف ‘يرفض الشرَّ ويختار الخير’. لديَّ ابن صغير أُحبُّه، ولكن من المؤكّد أنّه من المستحيل أن يقوم من تلقاء نفسه برفض الشرّ واختيار الخير. علينا، أنا وزوجتي أن نعمل، نعلِّم، نُذكِّر، نعاتب، نكون قدوة، نؤدِّب، نختار الأصدقاء المناسبين، نحرص على أن يرى القدوة الحسنة، إلخ… أمّا تعليمه رَفْض الخطأ واختيار الصواب – حتّى مع بذل جهودنا كلّها، فليس هناك من ضمان. بينما أحاول كوالدٍ القيام بذلك، تعود إليَّ ذكريات طفولتي حين كان والديَّ ملتزمَين في النضال نفسه في تعليمي أن ‘‘أرفض الخطأ وأختار الصواب’’. إن لم يبذل الوالدان كلّ ذلك الجهد والعمل ويكتفيان بأن يَدَعا الطبيعة تأخذ مجراها – فسيصبح الطفل شخصًا لا ‘‘يرفض الخطأ ويختار الصواب’’. سيكون الأمر أشبه بمقاومتنا ‘‘الجاذبيّة الأخلاقيّة’’ حيث أنّنا ما أن نتوقّف عن بذل الجهود حتّى ننحدر إلى أسفل. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقوم بإقفال أبواب المنازل والشقق؛ والسبب الذي يجعل كلّ بلدٍ من البلدان يحتاج إلى رجال الشرطة؛ وما يدعو إلى أن يكون لدينا تشفيرًا وكلمات سرٍّ مصرفيّة؛ والسبب الذي يجعلنا نحتاج باستمرار إلى مواصلة سنّ قوانين جديدة في جميع البلدان – لأنّنا في حاجةٍ إلى حماية أنفسنا من بعضنا البعض ما دمنا لا ‘‘نرفض الخطأ ونختار الصواب’’. وحتّى بعد ذلك، لا يكون ذلك كافيًا في العادة. استمعوا فقط إلى الأنباء وأصغوا إلى كيفيّة رفضنا كلّ يومٍ للصواب واختيارنا الخطأ في كيفيّة تعاملنا مع بعضنا البعض.  حتّى الأنبياء لم يكونوا يرفضون دائمًا الشرّ ويختارون الخير وهذا صحيح حتّى مِنْ قِبَل الأنبياء. تسجّل التوراة أنّ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) كَذَب في مناسبتين بشأن زوجته قائلاً إنّها كانت أخته الوحيدة (في تكوين 12: 10- 13 و تكوين 20: 1- 2). وتذكر التوراة أيضًا أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) قتل مصريًّا (في سفر الخروج 2: 12)، ولم يتبع بالضبط وصايا الله في إحدى المناسبات (سفر العدد 20: 6- 12). وأُمِرَ النبيّ محمَّد ۖ بطلب الغفران في القرآن الكريم (سورة 47: 19) – مبيِّنًا أنّه هو أيضًا لم يكن يرفض دائمًا الخطأ ويختار الصواب. يُظهر الحديث التالي من مُسلِم كيف كان يتضرَّع إلى الله في صلاته طلبًا للمغفرة.

قال أبي موسى الأشعري استنادًا إلى أبيه، إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) اعتاد أن يتضرَّع إلى الله بهذه العبارات: ‘‘ربّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كلِّه، وما أنتَ أعلمُ به منّي، اللَّهم اغفِر لي خطايايَ وعمدي وجهلي وهزلي، وكلّ ذلك عندي، اللّهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت وما أسرَرت وما أعلَنت، أنت المقدّم وأنت المؤخّر وأنت على كلِّ شيءٍ قدير’’. (صحيح مسلم 35: 6563)

وهذا مشابهٌ جدًّا لصلاة النبيّ داود (عليه السلام) عندما كان يُصلّي من أجل غفران ذنوبه:

 اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي… طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ… اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ وَامْحُ كُلَّ آثامِي. (مزمور 51: 1-9)

وهكذا نحن نرى أنّ هؤلاء الرجال – على الرغم من كونهم أنبياء – كانوا يُصارعون الخطيئة وكانوا في حاجةٍ إلى طلب المغفرة. يبدو أنّ هذه كانت الحالة العامّة للإنسان لنسل آدم كلّه.  القدّوس ابن العذراء لكنّ هذا الابن الذي تنبّأ به إشعياء يرفض الخطأ ويختار الصواب بشكلٍ طبيعيّ ومنذ نعومة أظفاره. فهذه مقدرة طبيعيّة بالنسبة إليه. ولكي يكون ذلك ممكنًا، يجب أن يكون من نسلٍ مختلف. يعود الأنبياء الآخرون، من خلال أبائهم، إلى آدم، وهو لم ‘‘يرفض الخطأ ويختار الصواب’’ كما رأينا. وكما تنتقل طبيعة الأب إلى ذريَّته في علم الوراثة، هكذا انتقلت طبيعة آدم المتمرِّدة تلك إلينا جميعًا، وحتّى إلى الأنبياء. لكنّ الابن المولود من عذراء، بحكم التعريف، لن يكون من نسل آدم. ستكون السلالة الأبويّة لهذا الابن مختلفة، وهكذا سيكون مُقدّسًا. هذا هو السبب في أنّ القرآن الكريم عندما ذكر قصّة بشارة الملاك لمريم (عليها السلام) بابنها المولود من عذراء، دعا الابن ‘‘زكيًّا’’ (مقدّسًا)

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ (الملاكُ) إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ (لأبشّرك) غُلامًا زَكيًّا. قَاَلتْ أَنَّى يُكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا؟ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقضِيًّا. فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. (سورة 19:19-22)

كان النبيّ إشعياء (عليه السلام) واضحًا، وتؤكّد الأسفار اللاحقة – أنّ هناك ابنًا قادمًا سيولد من عذراء، ومن ثمَّ لن يكون لديه أبٌ أرضيّ ولن تكون لديه طبيعة الخطيئة، وبالتالي سيكون ‘‘زكيًّا’’ (قدّوسًا). عودة إلى آدم في الفردَوس لكنّ الأسفار التي كُتبت في وقت لاحق لم تكن هي فقط التي تتحدّث عن هذا الابن القادم من عذراء. فقد كان هذا موجودًا أيضًا منذ البداية. نرى في آية آدم أنّ الله قدّم وعدًا للشيطان. وأنا أُورده ثانيةً هنا.

 وَأَضَعُ (الله) عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ (حوَّاء)، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ (نسل المرأة) يَسْحَقُ رَأْسَكِ (رأس الشيطان)، وَأَنْتِ (الشيطان) تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ (نسل المرأة). (تكوين 3: 15)

سوف ينسِّق الله أن يكون لكلٍّ من إبليس/الشيطان والمرأة/حوّاء ‘‘نسلٌ’’. وستكون هناك ‘‘عداوة’’ أو كراهية بين هَذَين النَسلَين وبين المرأة والشيطان. سوف ‘‘يسحق الشيطان عقب’’ نسل المرأة في حين أنَّ نسل المرأة ‘‘يسحق رأس الشيطان’’. تظهر هذه العلاقات في هذا الرسم البياني.

sign of virgin birth

الشخصيّات وعلاقتها بالوعد الذي أعطاه الله في الجنّة

يُرجى ملاحظة أن الله لم يَعِد الرجل أبدًا بنسلٍ كما وعد المرأة. وهذا الأمر استثنائيّ إلى حدٍّ بعيد، لاسيّما في ضوء التركيز على مجيء الأبناء من خلال الآباء في التوراة والزبور والإنجيل (في الكتاب المقدَّس). في الواقع، إنّ أحد الانتقادات الموجّهة إلى هذه الكتب مِن قِبَل الغربيّين من ذوي الآراء العصريّة هو أنّها تتجاهل خطّ الدمّ (النَسَب) الذي يأتي من خلال النساء. وهذا يُعتبر في رأيهم‘‘تحيُّزًا جنسيًّا’’ لأنّه يأخذ في اعتباره فقط أبناء الرجال. ولكنّ الأمر كان مختلفًا في هذه الحالة – ليس هناك وعد بنسلٍ (هو) يأتي من رجل. يقول الوعد فقط إنه سيكون هناك نسلٌ آتٍ من امرأة، من دون الإشارة إلى رجل.  إنّ ‘‘ابن العذراء’’في نبوءة إشعياء هو ‘‘نسل المرأة’’ من الواضح الآن، من وِجهة نظر نبوءة إشعياء الواضحة التي تتحدّث عن ابنٍ يولد لعذراء، أنّ المقصود حتّى منذ فترة طويلة في الجنَّة كان أنّ نسلاً (ابنًا) سيأتي من امرأة فقط (وهي بالتالي ستكون عذراء). إنّي أستحثّكم على الرجوع إلى الوراء وقراءة هذا الحوار في آية آدم من هذا المنظور، وسوف تجدون أنّه ‘‘يتّفق’’ مع ما سبق. إنّ أبناء آدم جميعهم، منذ بدء التاريخ، عانوا من المشكلة نفسها، عدم ‘‘رفض الخطأ واختيار الصواب’’ كما فعل سلفنا آدم. وهكذا قام الله بعد ذلك مباشرةً، حين جاءت الخطيئة إلى العالم، بإعطاء وعدٍ خفيّ بأنّ شخصًا مقدّسًا ليس من نسل آدم، سيأتي و ‘‘يسحق’’ رأس الشيطان. ولكن كيف كان هذا الابن المقدّس سيفعل ذلك؟ إذا كان الأمر يتعلّق بإيصال رسالة من الله، فإنّ أنبياء آخرين مثل إبراهيم وموسى (عليهما السلام) قد سبق وأن قاموا بإخلاص بإيصال رسائل. كلاّ، إنّ دور هذا الابن المقدّس كان مختلفًا، ولكن لكي نفهم هذا، نحن في حاجة إلى مزيدٍ من البحث في كتاب الزبور.

التعريف بالزبور

النبيّ داود ‘‘داوود’’ (عليه السلام) مهمٌّ جدًّا بين الأنبياء. بدأ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) شريعةً جديدةً أو نظامًا جديدًا ( أيّ التدبير الإلهي لشؤون العالم) من خلال الوعد بذريَّةٍ وأمّةٍ عظيمةٍ – ومن ثمَّ قدَّم الذبيحة الكبرى. أعتق النبيّ موسى (عليه السلام) بني إسرائيل من العبوديَّة – من خلال ذبيحة الفصح – ثمَّ أعطاهم الشريعة حتّى يتمكَّنوا من أن يصبحوا أمَّةً. ولكن ما كانوا يفتقدون إليه كان ملكًا يستَجلِب عليهم أسلوب حكمه البركات عوضًا عن اللعنات من الله. كان داود (عليه السلام) هو ذلك الملك والنبيّ. وقد بدأ تدبيرًا إلهيًّا آخر – نظام الملوك الذين يحكمون من أورشليم.

 من كان الملك داود (عليه السلام)؟

يمكنك أن ترى من الجداول الزمنيَّة لتاريخ بني إسرائيل أنَّ داود (عليه السلام) عاش في حوالي سنة 1000 قبل المسيح، أيّ ألف عام بعد إبراهيم (عليه السلام) و 500 عام بعد موسى (عليه السلام). بدأ داود (عليه السلام) حياته كراعٍ يرعى غنم أسرته. قاد العملاق – جوليات – العدوّ الأكبر لبني إسرائيل، جيشًا لغزو الإسرائيليّين، وكان بنو إسرائيل مثبطي العزيمة ويشعرون بالقهر والانهزام. ومع ذلك، تحدَّى داود (عليه السلام) جوليات وقتله في معركة. كان مقتل جنديٍّ عملاقٍ على يد صبيٍّ راعي أمرًا استثنائيًّا وبارزًا بحيث أصبح داود (عليه السلام) شخصًا مشهورًا. بعد ذلك، ذهب بنو إسرائيل لهزيمة أعدائهم. يخبرنا القرآن الكريم عن هذه المعركة التي وقعت بين داود (عليه السلام) وجوليات (جالوت) في الآية التالية:

 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.

(سورة 2: 251 – البقرة)

نمَت شهرة داود كمحارب بعد هذه المعركة. لكنَّه لم يُصبح ملكًا إلاّ بعد مروره بتجارب طويلةً وصعبةً لأنَّه كان لديه الكثير من الأعداء، سواءٌ في الخارج أو بين بني إسرائيل ممَّن كانوا يعارضونه. يسرد سفر صموئيل الأوَّل والثاني في الكتاب المقدَّس قصَّة صراعات وانتصارات داود (عليه السلام). كان صموئيل (عليه السلام) النبيّ الذي مسحَ داود (عليه السلام) كملك.

كان داود (عليه السلام) مشهورًا أيضًا كموسيقيّ يضع ألحان أغانٍ وقصائد جميلة تسبيحًا لله. وهذا مذكورٌ في القرآن الكريم في الآية التالية:

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (إلى الله). إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً (مجتَمِعَة): كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (إلى الله). وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ. (سورة 38: 17- 20- صاد)

تؤكِّد هذه الآيات على قوَّة المحارب لدى داود (عليه السلام)، لكنَّها تؤكِّد أيضًا على ‘‘التسبيح’’ الذي كان بمثل جمال تغريد الطيور لخالقها. وكملك، ‘أُعطيَ’ داود (عليه السلام) الحكمة في ‘الخطاب’ من الله. دوِّنَت هذه الأغاني والقصائد التي وضعها داود (عليه السلام) وهي تشكِّل السفر الأوَّل من الزبور – الذي يُعرَف بسفر المزامير. لأنَّ حكمة كلماته أُعطِيَت له من لَدُن الله، وكانت سجلاّت داود هذه مقدَّسة أيضًا وموحى بها مِن الله، مثلها مثل التوراة. يشرح القرآن الكريم الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. (سورة 17: 55 – الإسراء)

سُليمان (عليه السلام) – استمرار الزبور

لكنَّ هذه الكتابات الموحى بها لم تنتهِ مع داود (عليه السلام) الذي توفّيَ في سنٍّ متقدِّمة وهو ملك. كان سليمان (عليه السلام) ابنه ووريثه، وقد أوحى الله إليه أيضًا بالحكمة. يصف القرآن الكريم الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (إلينا). (سورة 38: 30 – صاد)

و

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا (لكٍّل منهما) آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (كلّ هذهِ الأمور). (سورة 21: 78-79– الأنبياء)

بسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. (سورة 27: 15 – النَمْل)

وهكذا استمرَّ سليمان (عليه السلام) في إضافة أسفار الحكمة الموحى بها إلى كتاب الزبور. دُعِيَت أسفاره بأسفار الأمثال و الجامعة و نشيد الإنشاد.

 تواصُل الزبور مع مزيدٍ من الأنبياء

ولكن بموت سليمان (عليه السلام)، لم يتبع الملوك الذين تعاقبوا بعده ما جاء في التوراة. لم يأتِ أيٌّ من هؤلاء الملوك اللاحقين برسائل موحى بها من الله. كان داود وسليمان (عليهما السلام)، من بين جميع ملوك إسرائيل، هما فقط مَن كانت كتاباتهما موحى بها مِن الله – كانا نبيَّين كما كانا مَلِكَين. ولكنَّ الله أرسل للملوك الذين جاءوا بعد سليمان (عليه السلام) أنبياء يحملون رسائل تحذير. كان يونان ‘‘يونس’’ (عليه السلام)، وهو النبيّ الذي ابتلعه الحوت، أحد هؤلاء الأنبياء (سورة 37: 139-144). استمرَّت هذه الحقبة التي كان الأنبياء يتوجَّهون فيها بخطابهم إلى الملوك وشعب إسرائيل حوالي 300 عام. كانت نبوءاتهم تضاف أيضًا إلى أسفار الزبور الموحى بها. وكما هو موضَّحٌ هنا، كان الإسرائيليّون أخيرًا قد تعرَّضوا للغزو وتمَّ ترحيلهم مِنْ قِبَل البابليِّين إلى بابل، ثمَّ عادوا إلى أورشليم تحت حكم قورَش، مؤسِّس الإمبراطوريَّة الفارسيَّة. تواصَلَ إرسال الأنبياء وتواصل تقديم رسالاتهم خلال هذه الفترة – وكُتِبَت هذه الرسائل في أسفار الزبور الأخيرة.

 الزبور – توقُّع مجيء المسيح

هؤلاء الأنبياء جميعًا هم مهمُّون بالنسبة إلينا نظرًا إلى أنّهم، وفي وسط تحذيراتهم، قد وضعوا أيضًا الأساس للإنجيل. في الواقع، أُدخِلت تسميه ‘المسيح’ بواسطة داود (عليه السلام) في مرحلةٍ مبكرة في المزامير (الجزء الذي كتبه من الزبور) وتنبَّأ الأنبياء اللاحقون، في مزيدٍ من التفصيل، بمجيء المسيح. كان لهذا أهميَّة خاصَّة نظرًا إلى فشل الملوك اللاحقين في إتباع تعاليم التوراة، وفشل الشعب الإسرائيلي في إطاعة الوصايا. كان الوعد بمجيء المسيح، والأمل والتَوق إلى هذا المجيء، قد وردَ في النبوءات في سياق إخفاقات الشعب في تلك الأيّام. وكأنبياء، كانوا ينظرون إلى المستقبل، مثلما كان موسى (عليه السلام) يطلب من الأنبياء في التوراة. وهذه النبوءات تتحدَّث إلينا في عالمنا المعاصر اليوم، إلى الذين فشلوا أيضًا من بيننا في سلوك الطريق الصحيح في حياتهم، والذي يعرفون أنّهم ينبغي أن يسلكوه. كان المسيح بمثابة منارة الرجاء في خضمِّ حالة الفشل.

 كيف كانت نظرة عيسى المسيح (عليه السلام)إلى الزبور، وكيف استخدمه

في الواقع، استخدم عيسى المسيح نفسه (عليه السلام) الزبور لمساعدة أصحابه وأتباعه على فهم الإنجيل وعلى فهم دور المسيح. ويُذكَر عن عيسى أنَّه

 ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ.

(لوقا 24: 27)

تُشير عبارة ‘وجميع الأنبياء’ إلى هؤلاء الأنبياء من الزبور الذين تبعوا توراة موسى (عليه السلام). أراد عيسى المسيح (عليه السلام) أن يفهم أصحابه ما علَّمه الزبور بشأنه وما تنبَّأ به عنه. ثمَّ واصل عيسى المسيح (عليه السلام) تعليمه لهم

 وَقَالَ لَهُمْ:‘‘ هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ’’. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.

(لوقا 24: 44-45)

عندما يُشير هنا إلى ‘الأنبياء والمزامير’، فهذا يعني السفر الأوّل من الزبور الذي كتبه داود (المزامير)، ثمَّ الأسفار اللاحقة التي تضمَّنها الزبور (‘الأنبياء’). كان عيسى المسيح (عليه السلام) في حاجةٍ إلى ‘فتح ذهنهم’ وعندها فقط سوف يكونون قادرين على فهم ‘الكتب المقدَّسة’ (أيّ أسفار الكتاب التوراة والزبور الموحى بها). إنَّ هدفنا في السلسلة المقبلة من المقالات هو متابعة ما بيَّنه عيسى المسيح (عليه السلام) من هذه الأسفار حتّى نتمكَّن نحن أيضًا من فتح أذهاننا، ومِن ثمَّ نستطيع فهم الإنجيل.

 داود (عليه السلام) وأنبياء الزبور في جدول التاريخ الزمني

تلخِّص الصورة أدناه معظم الأنبياء (ولكن ليس كلّهم، لأنَّه ليس هناك مساحة كافية للجميع). يُظهرُ عرض الشرائط (الخطوط) عمرَ كلّ نبيٍّ بعينه. ويتبع رمز اللون في الجدول الزمنيّ حالة بني إسرائيل بالأسلوب نفسه، كما هو الحال عندما تابعنا تاريخهم، من بركات موسى ولعناته.

Timeline for intro to Zabur - for arabic translation-2 (1)

خاتمة التوراة: بركات و لعنات

تناولنا في المقال السابق المبادئ التوجيهيَّة لمعرفة الأنبياء الحقيقيِّين – أنَّ تنبؤهم بالمستقبل سوف يكون بمثابة جزءٍ من رسالتهم. ثمَّ قام النبيّ موسى نفسه (عليه السلام) بتطبيق هذا المبدأ التوجيهي- وقد أدلى بنبوءات تتعلَّق بمستقبل بني إسرائيل – وكان يجب أن تتحقَّق هذه النبوءات إذا كانت رسالته آتية من لدن الله. كانت هذه النبوءات تأتي على شكل لعنات وبركات تنزل على بني إسرائيل. يمكنك قراءة البركات واللعنات كاملة (هنا). لقد قمت بتسليط الضوء على الأفكار الرئيسة أدناه.

 البركات

يبدأ النبيّ موسى عليه السلام بوصف النِعَم والبركات الرائعة التي سيحصل عليها بنو إسرائيل إذا ما أطاعوا الوصايا. وهذه البركات سوف تكون على مرأى ومسمع من الأمم الأخرى بحيث تعرف هذه الأمم بركات الله. كما هو مكتوب

 فَيَرَى جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ قَدْ سُمِّيَ عَلَيْكَ وَيَخَافُونَ مِنْكَ.

(تثنية 28: 10)

لكنَّهم إذا أخفقوا في إطاعة الوصايا، فسوف يتلقّون عندها اللعنات بدلاً من البركات. ومرَّة أخرى سوف ترى الشعوب المـــُحيطة بهم هذه اللعنات بحيث:

تَكُونُ دَهَشًا وَمَثَلاً وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ.

(تثنية 28: 37)

.  واللعنات

 وستكون هذه اللعنات أيةً لبني إسرائيل أنفسهم

فَتَكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً وَفِي نَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.

(تثنية 28: 46)

حذَّر الله من أن الجزء الأسوأ من اللعنات سيأتي من الأمم الأخرى.

يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ كَمَا يَطِيرُ النَّسْرُ، أُمَّةً لاَ تَفْهَمُ لِسَانَهَا، أُمَّةً جَافِيَةَ الْوَجْهِ لاَ تَهَابُ الشَّيْخَ وَلاَ تَحِنُّ إِلَى الْوَلَدِ، فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةَ أَرْضِكَ حَتَّى تَهْلِكَ، … حَتَّى تُفْنِيَكَ. وَتُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ حَتَّى تَهْبِطَ أَسْوَارُكَ الشَّامِخَةُ الْحَصِينَةُ الَّتِي أَنْتَ تَثِقُ بِهَا فِي كُلِّ أَرْضِكَ. تُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، فِي كُلِّ أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.

(تثنية 28: 49-52)

وسوف يكون الأمر من سيِّءٍ إلى الأسوأ

فَتُسْتَأْصَلُونَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا. وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا… وَفِي تِلْكَ الأُمَمِ لاَ تَطْمَئِنُّ وَلاَ يَكُونُ قَرَارٌ لِقَدَمِكَ، بَلْ يُعْطِيكَ الرَّبُّ هُنَاكَ قَلْبًا مُرْتَجِفًا وَكَلاَلَ الْعَيْنَيْنِ وَذُبُولَ النَّفْسِ. (تثنية 28: 63-65)

رُسِّخَت هذه البركات واللعنات بموجب عهدٍ وميثاق.

لِكَيْ يُقِيمَكَ الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا، وَهُوَ يَكُونُ لَكَ إِلهًا كَمَا قَالَ لَكَ، وَكَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَلَيْسَ مَعَكُمْ وَحْدَكُمْ أَقْطَعُ أَنَا هذَا الْعَهْدَ وَهذَا الْقَسَمَ … وَمَعَ الَّذِي لَيْسَ هُنَا مَعَنَا الْيَوْمَ. (تثنية 29: 12- 15)

سيكون هذا العهد موجَّهًا إلى الأجيال القادمة – بني إسرائيل والشعوب الأجنبيَّة على حدٍّ سواء.

وَيُفْرِزُهُ الرَّبُّ لِلشَّرِّ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ جَمِيعِ لَعَنَاتِ الْعَهْدِ الْمَكْتُوبَةِ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ هذَا. فَيَقُولُ الْجِيلُ الأَخِيرُ، بَنُوكُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بَعْدَكُمْ، وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، حِينَ يَرَوْنَ ضَرَبَاتِ تِلْكَ الأَرْضِ وَأَمْرَاضَهَا الَّتِي يُمْرِضُهَا بِهَا الرَّبُّ… لاَ تُزْرَعُ وَلاَ تُنْبِتُ وَلاَ يَطْلُعُ فِيهَا عُشْبٌ مَا… وَيَقُولُ جَمِيعُ الأُمَمِ: لِمَاذَا فَعَلَ الرَّبُّ هكَذَا بِهذِهِ الأَرْضِ؟ لِمَاذَا حُمُوُّ هذَا الْغَضَبِ الْعَظِيمِ؟

فَيَقُولُونَ: لأَنَّهُمْ تَرَكُوا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِهِمِ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ… فَاشْتَعَلَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ حَتَّى جَلَبَ عَلَيْهَا كُلَّ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ… وَاسْتَأْصَلَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَرْضِهِمْ بِغَضَبٍ وَسَخَطٍ وَغَيْظٍ عَظِيمٍ، وَأَلْقَاهُمْ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ. (تثنية 29: 21- 28)

 هل حدثت بركات ولعنات موسى (عليه السلام)؟

إنَّ السؤال الأكثر أهميَّة الذي ينبغي طرحه: ‘هل حدثت هذه الأمور فعلاً؟، بالإجابة على هذا السؤال سوف نعرف ما إذا كانت كتابات موسى جديرة بالثقة، وسوف نحصل منها على الإرشاد لحياتنا اليوم. إنَّ الجواب في متناول أيدينا بما أنَّ معظم ما جاء في العهد القديم في الكتاب المقدَّس هو سجلٌّ لتاريخ بني إسرائيل، ومن هنا يمكننا أن نعرف ما يحدث. كما أنَّ لدينا أيضًا سجلّات من خارج العهد القديم مِنَ العديد من المؤرِّخين القدماء، وكذلك من العديد من المعالم الأثريَّة. هذه المصادر كلّها تتَّفق فيما بينها وترسم صورةً ثابتةً لتاريخ بني إسرائيل. وهذه آية أخرى لنا. توجد هنا لمحة عامّة عن تاريخ بني إسرائيل مع جداول زمنيَّة لمساعدتنا على رؤية أفضل لما حدث في تاريخهم.

ما الذي نفهمه من هذا التاريخ؟ نعم بالفعل، إنَّ لعنات موسى (عليه السلام)، بقدر ما كانت رهيبةً، قد حدثت فعلاً – وتمامًا كما كَتبَ قبل آلاف السنين – قبل أن يحدث كلُّ شيء.

نهاية اللَّعَنات

لكنَّ اللعنات لم تنتهِ عند هذا الحدّ، بل استمرَّت. لاحظ كيف كانت نهاية البركات

وَمَتَى أَتَتْ عَلَيْكَ كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ، الْبَرَكَةُ وَاللَّعْنَةُ، اللَّتَانِ جَعَلْتُهُمَا قُدَّامَكَ، فَإِنْ رَدَدْتَ فِي قَلْبِكَ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَيْهِمْ، وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، وَسَمِعْتَ لِصَوْتِهِ حَسَبَ كُلِّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ الْيَوْمَ، أَنْتَ وَبَنُوكَ، بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ، يَرُدُّ الرَّبُّ إِلهُكَ سَبْيَكَ وَيَرْحَمُكَ، وَيَعُودُ فَيَجْمَعُكَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ بَدَّدَكَ إِلَيْهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ. إِنْ يَكُنْ قَدْ بَدَّدَكَ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ، فَمِنْ هُنَاكَ يَجْمَعُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَأْخُذُكَ، 5وَيَأْتِي بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ فَتَمْتَلِكُهَا، وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ. (تثنية 30: 1- 5)

 السؤال البديهيّ الذي يُطرَح (مرَّة أخرى): هل حدث ذلك؟ انقر (اختتام عنة ونعيمه) لمتابعة تاريخهم.

 خاتمة التوراة – الزبور المُنتَظَر

وهكذا خُتِمَت التوراة مع البركات واللعنات التي تمَّ التنبّؤ بها. مات النبيّ موسى (عليه السلام) بعد ذلك بفترةٍ وجيزة. ثمَّ دخل بنو إسرائيل الأرض بقيادة يشوع خليفة موسى، وعاشوا فيها. وكما هو موضَّح في تاريخ بني إسرائيل، فقد عاشوا هناك دون أن يكون لديهم ملك ودون عاصمة، إلى أن صعد الملك داود العظيم إلى السلطة. وقد بدأ قسمًا جديدًا من الأسفار المقدّسة الذي يدعوه القرآن الكريم باسم الزبور. علينا أن نفهم الزبور نظرًا إلى أنَّه يستأنف الآيات التي بدأت في التوراة، وذلك من شأنه أن يساعدنا على فهم الإنجيل. سوف نتناول في المقالة التالية، الزبور.

آية النبيّ في التوراة

قاد النبيّ موسى وأخوه هرون ‘هارون’ (عليهما السلام) بني إسرائيل لمدَّة 40 عامًا. وقد قاما بكتابة الوصايا و أسَّسا طقوس إقامة الذبائح. وقد دوَّنا هذه الآيات الكثيرة في التوراة. بعد فترة قليلة، حان وقت وفاة هذين الرجلَين. دعنا نستعرِض الأنماط التي برزت في التوراة قبل أن ننظر في ختام التوراة.

 استعراض الأنماط في التوراة

ما هو إذًا نمط الآيات الذي يبرز من التوراة؟

 الذبيحة في التوراة

ينبغي أن نلاحظ أهميَّة تقديم الذبائح وكيف تتكرَّر. فلنفكِّر في الأمور التالية التي اطَّلعنا عليها سابقًا:

قدَّم هابيل ذبيحةً صحيحةً؛ قدَّم قايين ذبيحةً نباتيَّة. لم تُقبَل تلك الذبيحة.

• بعد الطوفان، قدَّم نوح (عليه السلام) ذبيحةً.

• إبراهيم (عليه السلام) قدَّم ذبيحةً بعد وصوله إلى أرض الميعاد.

• قدَّم إبراهيم (عليه السلام) كبشًا كذبيحةٍ بعد امتحانه بابنه. ثمَّ، وبعد ذلك مباشرةً، أعلن أنَّه في ذلك الموضع نفسه ‘سوف يُرى’

قدَّم بنو إسرائيل جميعًا الذبائح يوم الفصح. وهذا ما أنقذهم من الموت، ولا يزال اليهود يحتفلون بالفصح في اليوم نفسه من السنة اليهوديَّة.

• كان هرون (عليه السلام) يقوم بتقديم ذبيحة التَيْسَين كلَّ سنة من أجل بني إسرائيل بعد تقديمه ذبيحةً عن نفسه.

قّدِّمَت بقرةٌ كذبيحةٍ لكي يُطهِّر رمادها نجاسة ملامسة جثّةٍ ما.

كان يُستَخدَم في تقديم هذه الذبائح كلّها حيوانات طاهرة – إمّا أغنامًا أو تيوسًا أو ثيرانًا. كانت الحيوانات جميعها ذكورًا ما عدا البقرة.

كانت هذه الذبائح تُقَدَّم كفارةً عن الأشخاص الذين قاموا بتقديم الذبيحة. وهذا معناه أنّها كانت بمثابة غطاءٍ، بحيث يُغطَّى (يُحجَب) ذنبُ وعارُ الشخص الذي كان يُقدِّم الذبيحة. بدأ هذا الأمر مع آدم الذي تلقَّى رحمةً من الله على شكل جلودٍ. كانت هذه الجلود تتطلَّب موت حيوانٍ ما (ذبيحةً أخرى!) لكي يُغطّي عُريه. هناك سؤال مهمٌّ ينبغي أن يُطرَح: لماذا لم تَعُد الذبائح تُقدَّم أو تُقام؟ سوف نعرف الإجابة على هذا السؤال في وقتٍ لاحقٍ.

 موضوع البرُّ في التوراة

يتكرَّر ظهور كلمة ‘برٍّ’ باستمرار. نراها أوَّلاً مع آدم عندما قال الله لهُ: ‘وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ’. نرى أنَّه كان قد ‘احتُسِب’ لإبراهيم برًّا عندما اختار أن يُصدِّق وعد الله بولادة ابنٍ له. وكان يمكن أن يحصل بنو إسرائيل على البرِّ إذا ما تمكّنوا من إطاعة الوصايا – ولكن يجب عليهم أن يُطيعوها كلّها – في كلِّ الأوقات.

 الدينونة في التوراة

نرى أيضًا النموذج الذي يُظهِر أنَّ الفشل في إطاعة الوصايا أدَّى إلى حُكم الإدانة الذي أصدره الله. بدأ هذا مع آدم الذي لم يعصَ الله سوى مرَّةٍ واحدةٍ ومع هذا فقد أُدينَ. كانت نتيجة الحكم دائمًا هي الموت. كان الموت يقع إمّا على الشخص الذي أُدين أو على الحيوان الذي يقُدَّم كذبيحة. دعنا نفكِّر مليًّا بالأمور التالية التي اطَّلعنا عليها:

مع آدم، مات الحيوان الذي قُّدِّم كذبيحة للحصول على الجلود.

مع هابيل – مات الحيوان الذي قَبِلَه الله كذبيحة.

مع نوح، مات الناس في الطوفان، وحتّى الذبيحة التي قدَّمها نوح بعد الطوفان تطَلَّبت موت حيوان.

مع لوط، مات شعب سدوم وعمورة نتيجة الدينونة – وكذلك زوجته.

• مع ذبيحة ابن إبراهيم، كان الابن ليموت لكنَّ الكبش مات بدلاً منه.

• مع الفصح، إمَّا الابن البكر (لفرعون أو للأشخاص الآخرين الذين لا يؤمنون بالله) كان يموت، أو يموت الخروف الذي طُلِيَت بدمه أبواب المنازل.

مع وصايا الشريعة، إمَّا كان الشخص المــُذنب يموت، أو يموت عنه تَيسٌ واحدٌ في يوم الغفران.

ما معنى كلَّ هذه النماذج أو الأنماط؟ سوف نعرف ذلك ونحن نواصل قراءتنا. لكنَّ موسى وهرون (عليهما السلام) سيختتمان التوراة الآن. لكنّهما سيختتمانه برسالتين مهمَّتين موجَّهتين مباشرةً مِن الله، وكلتا الرسالتين تتطلَّعان إلى المستقبل وهما مهمَّتان بالنسبة إلينا اليوم – النبيّ القادم، وحلول اللعنات والبركات الآتية. نحن نبحث هنا في موضوع النبيّ.

 النبيّ القادم

عندما أعطى الله الألواح على جبل سيناء، فعل ذلك مع استعراضٍ رهيبٍ للقوَّة والسلطان. تصف التوراة المشهد مباشرةً قبل إعطاء الألواح.

 وَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أَنَّهُ صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَصَوْتُ بُوق شَدِيدٌ جِدًّا. فَارْتَعَدَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي فِي الْمَحَلَّةِ. … وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ

كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ،

وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. (سفر الخروج 19: 16- 18)

وامتلأت قلوب الناس بالخوف. تصفهم التوراة بهذه الطريقة:

 وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَرَوْنَ الرُّعُودَ وَالْبُرُوقَ وَصَوْتَ الْبُوقِ، وَالْجَبَلَ يُدَخِّنُ. وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ

ارْتَعَدُوا وَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، وَقَالُوا لِمُوسَى: ‘‘تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ.

وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ’’. (سفر الخروج 20: 18-19)

حدث هذا في بداية السنوات الأربعين التي قضاها موسى (عليه السلام) في قيادة جماعته. في النهاية، كلَّم الله النبيّ موسى (عليه السلام) عن تلك الحالة السابقة، مذكِّرًا الشعب بمخاوفه الماضية وقاطعًا وعدًا للمستقبل. دوَّن موسى (عليه السلام) في التوراة:

 يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ (أيّ سيناء) يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: ‘‘لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ’’.

قَالَ لِيَ الرَّبُّ: ‘‘قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ’’.

وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ 22فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ. (تثنية 18: 15-22)

لقد أراد الله أن يُبدي الشعب الاحترام اللائق، وبالتالي، عندما أعطى الوصايا على الألواح، فعل ذلك بطريقةٍ تسبَّبت بخوفٍ عظيمٍ بين الشعب. ولكنَّه الآن يتطلَّع إلى المستقبل والى وعودٍ بزمنٍ آتٍ سيبرز فيه نبيٌّ مثل النبيّ موسى (عليه السلام) من بين بني إسرائيل. ثمَّ أعطى الله مبدأين توجيهيَّين:

1. إنَّ الله نفسه سيحمِّل الأشخاص المسؤوليَّة إذا لم يولوا النبيّ القادم اهتمامهم.

2. إنَّ السبيل إلى الحكم على ما إذا كان الله هو من يتكلَّم من خلال النبيّ أم لا، هو أن تكون الرسالة قادرة على التنبؤ بالمستقبل، ويجب أن تتحقَّق هذه النبوءة.

لم يكن المبدأ التوجيهيّ الأوَّل يعني أنَّه سيأتي نبيٌّ آخرٌ واحدٌ فقط بعد موسى (عليه السلام)، بل كان يعني أنّه سيكون هناك مجيءٌ لنبيٍّ يجب أن نصغي إليه على وجه الخصوص لأنَّه كان سيؤدّي دورًا استثنائيًّا مع رسالته – وسيكون (ما يقوله) هو ‘كلماتي’. بما أنَّ الله وحده يعرف المستقبل – من المؤكَّد أنّه لا يوجد إنسانٌ يعرفه – المبدأ التوجيهيّ الثاني كان وسيلةً لإرشاد الشعب إلى أن يقرِّر بشكلٍ صحيح إذا كانت الرسالة آتية فعلاً من عند الله أم لا. حافظت ذريَّة بني إسرائيل على هذين الإرشادَين وعلى الوعد بمجيء نبيّ متوقِّعين تحقيقهم – لم يحافظوا عليهم دائمًا بشكلٍ جيِّد، ولكنّهم لم ينسوهم أبدًا كليَّةً. نرى في الموقع التالي كيف استخدم موسى (عليه السلام) الإرشاد الثاني لكي يتنبّأ بمستقبل بني إسرائيل في بركاتهم ولعناتهم- وهو ما اختتم به التوراة.

 

آية هرون: ثَورٌ واحدٌ واثنان من التيوس

رأينا في آية موسى الثانية أنَّ الوصايا التي أُعطِيَت على جبل سيناء كانت صعبةً جدًّا. إذن، ما الذي كان شعب العهد القديم يفعله في حال فشله في أن يُطيع الشريعة؟ لقد كان هرون (هارون)، شقيق موسى، وذرِّيته هو الذي عالج هذا الأمر بإقامة الذبائح – وكانت هذه الذبائح بمثابة تكفيرٍ عن الذنوب أو حجبٍ لها. كان لهرون ذبيحتان تحملان أهميَّةً خاصَّة، وكانت هذه الذبائح آياتً لفهم كيفيَّة تغطية الله للخطيئة التي ارتُكِبَت بمخالفة الشريعة. كانت هذه ذبيحة البقرة والتَيسَين. دعنا نبدأ بالتَيسَين.

 كبشُ الفداء ويوم الغفران (يوم الكفارَة)

بحسبِ آية موسى الأولى، كان الشعب اليهوديّ (ولا يزال!) يحتفل بالفصح في ذكرى نجاته من فرعَون. لكنَّ التوراة أمَرَت باحتفالاتٍ أخرى كذلك. كان أحدها، الذي يحمل أهميَّةً خاصَّة، يُدعى يوم الغفران أو يوم الكفارة. انقر هنا لقراءة القصَّة كاملة في التوراة.

 ما سبب وجود مثل هذه التعليمات الدقيقة والمـــُفصَّلة التي أُعطِيَت بالنسبة ليوم الغفران؟ نرى في ما يلي كيف تبدأ: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هرون عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أَمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ‘‘كَلِّمْ هرون أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ. (لاويِّين 16: 1-2)

كان ما حدث قبلاً أنَّ اثنين من أبناء هرون قد ماتا عندما قاما، في لحظة تهوُّرٍ، بدخول الخيمة حيث كان حضور الربّ. لكنَّ إخفاقهما في الطاعة التامَّة للشريعة في قداسة حضوره، أدَّى إلى موتهما. لماذا؟ كان تابوت العهد موجودًا في الخيمة. يذكرُ القرآنُ الكريمُ أيضًا تابوتَ العهد هذا. يقول:

بِسْمِ الله الَّرَحمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ (توكيدٌ) سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هرون تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. سورة 2: 248 (البقَرَة)

كما يقول القرآن الكريم، كان ‘تابوت العهد’ هذا آيةَ مُلكِه ، لأنَّ التابوت كان رمزًا لعهدِ أو ميثاق شريعة موسى. وقد حُفِظَت الألواح الحجريَّة مع الوصايا العشر داخل هذا التابوت. وكلُّ مَن فشلَ في إطاعة الشريعة – في حضور هذا التابوت – سوف يموت. لقد مات أوَّل اثنين من أبناء هرون عندما دخلا الخيمة. لهذا، صدرت تعليماتٌ دقيقةٌ جدًّا، والتي تضمَّنَت أمرًا مفاده أنَّ هناك يومًا واحدًا فقط في السنة كلّها يمكن لهرون فيه أن يدخل الخيمة – وهذا اليوم هو يوم التكفير. إذا دخل الخيمة في أيِّ يومٍ آخر، كان هو أيضًا سيموت. ولكن حتّى في هذا اليوم الأوحد، وقبل أن يتمكَّن هرون من الدخول في وجود تابوت العهد، كان عليه أن

 يُقَرِّبُ هرون ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ… فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. (لاويِّين 16: 6، 13)

لذلك قُدِّم الثورُ ذبيحةً للتكفير عن خطايا هرون التي ارتكبها ضدَّ ألواح الشريعة أو تغطيةً لهذه الخطايا. ثمَّ بعد ذلك مباشرةً، قام هرون بتنفيذ طقس كبش الفداء الاستثنائي.

 وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 8وَيُلْقِي هرون عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ (كَبش الفِداء). وَيُقَرِّبُ هرون التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. (لاويِّين 16: 7- 9)

بعد أن قُدِّم الثور ذبيحة خطاياه، قام هرون بذبح تيسَين وألقى القُرعَتين. كان أحد التَيسَين سيُخَصَّص ليكون كبش فداء. وكان سيُضحَّى بالتَيسِ الآخر كذبيحة خَطِيَّة. لماذا؟

ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ… فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. (لاويِّين 16: 15- 16)

وما الذي حصل لكبشِ الفداء؟

وَيَضَعُ هرون يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ… (لاويِّين 16: 20-22)

إنَّ التضحية بثورٍ وموته، كان من أجل خطيئة هرون. إنَّ التضحية بالتَيْس الأوَّل كذبيحة خَطِيَّة، كانت لأجل خَطِيَّة شعب إسرائيل. وعند ذلك، يضعُ هرون يديه على رأس التَّيسِ الحيّ و – كرمزٍ – ينقلُ ذنوبَ الشعب ويجعلها على التَيس (كبش الفداء). ثمَّ يُطلَقُ التَّيس في البَرّيَّة كعلامةٍ على أنَّ خطايا الشعب كانت الآن بعيدةً عنهم. بهذه الذبائح تمَّ التكفير عن خطاياهم. وكان كلُّ ذلك يتمُّ مرَّةً واحدةً في السنة في يوم الغفران.

 العِجْلَة أم البَقَرَة

كان لهرون كذلك ذبائح أخرى يُقيمها. كانت إحدى هذه الذبائح غير العاديَّة إلى حدٍّ بعيد، ذبيحة عِجْلَةٍ (بقرة أُنثى بدلاً من ثورٍ ذَكَر). كانت هذه العِجْلَة والتضحية بها هي السبب في إطلاق اسم البقرة على السورة 2. إذًا، يتحدَّث القرآن الكريم مباشرةً عن هذا الحيوان. انقر هنا لقراءة القصَّة في القرآن الكريم. كما يمكن أن ترى، أُصيب الشعب بالذهول والارتباك عند صدَرَت إليه الأوامر بأن تُستَخدَم بقرة (أي أُنثى) لهذه الذبيحة، وليس حيوانٌ ذكرٌ كما جَرَت العادة. وانتهى الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (سورة 2: 73 – البَقَرَة)

لهذا، تُعتَبَرُ هذه إحدى الآيات (المــُعجزات) – ويجب أن نوليها اهتمامنا. ولكن كيف تكون هذه البقرة آيةً؟ نقرأ أنَّ ذلك يتعلَّق بمسألة الموت والحياة. ‘‘من المحتَمَل أن نفهم’’ ونحن ندرس التعليمات الأصليَّة في التوراة التي أُعطِيَت لهرون حول هذه الذبيحة. انقر هنا لترى الفقرة الكاملة في التوراة. نرى هنا هذه الآية:

 وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ خَشَبَ أَرْزٍ وَزُوفَا وَقِرْمِزًا وَيَطْرَحُهُنَّ فِي وَسَطِ حَرِيقِ الْبَقَرَةِ. (العدد 19: 5- 6)

كانت الزوفا فرعًا من فروع إحدى الأشجار المورِقة. في الفِصح، عندما كان على الإسرائيليِّين أن يرسموا بدم خروف الفصح على أبواب بيوتهم حتّى يتجاوزهم الموت، أُمِروا بما يلي:

خُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لاَ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ (خروج 12: 22)

تُستَخدَم الزوفا أيضًا مع البقَرة، ثمَّ تُحرَقُ البقرةُ والزوفا والصوف وخشب الأرْز حتّى لا يتبقَّى سوى الرماد. ثمَّ

 وَيَجْمَعُ رَجُلٌ طَاهِرٌ رَمَادَ الْبَقَرَةِ وَيَضَعُهُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ، فَتَكُونُ لِجَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي حِفْظٍ، مَاءَ نَجَاسَةٍ. إِنَّهَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. (العدد 19: 9)

وهكذا، يُخلَط الرماد ﺒ ‘‘مياه التطهير’’. من شأن شخصٍ غير طاهرٍ أن يقوم بالاغتسال (طقوس الاغتسال أو الوضوء) ليستعيد طهارته باستخدام هذا الرماد الممزوج بالماء. لكنَّ الرماد لم يكن لتطهير أيَّة نجاسة، بل لنوعٍ بعينه.

 مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ لاَ يَكُونُ طَاهِرًا. كُلُّ مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَتَطَهَّرْ، يُنَجِّسُ مَسْكَنَ الرَّبِّ. (العدد 19: 11- 13)

لذلك كان هذا الرماد الممزوج بالماء للاستخدام في عمليَّة الاغتسال أو الوضوء عندما يتنجَّس أحد الأشخاص من ملامسة جثَّة ما. ولكن لماذا يؤدّي لمس جثَّة إلى مثل هذه النجاسة البالغة؟ فكِّر في هذا الأمر! جُعِل آدم فانيًا بسبب عصيانه، هو وجميع أولاده (أنا وأنتَ!) كذلك. وبالتالي، الموت هو نجسٌ لأنّه نتيجة الخطيئة – فهو مرتبطٌ بنجاسة الخطيئة. عندما يلمس أحد الأشخاص جثَّةً هادئة، فسيصبح أيضًا نجِسًا. لكنَّ هذا الرماد كان بمثابة رمزٍ (آيةٍ) – من شأنه أن يُزيل (يغسل) هذه النجاسة. إنَّ الشخص غير الطاهر، الذي هو ميِّتٌ في ‘نجاسته’، سيجد ‘حياةً’ في التطهُّر بواسطة الاغتسال برماد البَقَرة. ولكن لماذا كان يجب أن يموت حيوانٌ أُنثى، في هذه الحالة الخاصَّة، وليس حيوانٌ ذكرٌ؟ لم يُقدَّم أيُّ تفسيرٍ مباشرٍ، لكن يمكننا أن نجد المسوِّغ من الكتب المقدَّسة. في الكتب المقدَّسة كلِّها، يعلنُ الله عن نفسه بصيغة المــُذكَّر – ‘هو’. وترِد عبارة أمَّة إسرائيل بشكلٍ جماعيّ بصيغة التأنيث ‘هي’. وكما هو الحال في علاقات الرجل والمرأة التقليديَّة، الله قاد، فاستجاب شعبه. لكنَّ المبادرة كانت دائمًا مع الله. فقد بادر إلى إصدار الأمر إلى إبراهيم بالتضحية بابنه؛ وقد بادر إلى إعطاء الوصايا على ألواح؛ وبادر إلى إصدار الحكم على نوح، إلخ… لم تكن الفكرة أبدًا بادرة من الإنسان (نبيًّا كان أو غير ذلك) – كان أتباعه يخضعون بكلِّ بساطة لقيادته. كان رماد البقَرَة لتلبية حاجة الإنسان – وهي التطهُّر من النجاسة. فلكي تكون هذه آيةً خاصّة لحاجة الإنسان، كان الحيوان الذي سيموت أُنثى. تُشير هذه النجاسة إلى شعورنا بالخجل عندما نخطئ، وليس شعورنا بالذنب أمام الله. عندما أُخطِئ، فإنَّني لا أكون قد خالفتُ الشريعة فحسب وأنا مُذنِبٌ أمام الديَّان، بل إنّني أشعر بالخجل والندم أيضًا. كيف يقدِّم الله الحلَّ لهذا الشعور بالعار؟ بادئ ذي بِدء، يمدُّنا الله بغطاءٍ من الملابس. تلقَّى البشر الأوائل (آدم وحوّاء) ثيابًا من الجلد لتغطية عريهم وعارهم. ومنذ ذلك الوقت، كان بنو آدم يقومون دائمًا بتغطية أنفسهم بالملابس – في الواقع، من الطبيعيّ جدًّا القيام بذلك بحيث أنّنا نادرًا ما نتوقَّف لنسأل ‘لماذا؟’. كان هذا الاغتسال بماء التطهير وسيلةً أخرى كي نتمكَّن من الشعور ‘بالنظافة’ من الأشياء التي تلوِّثنا. كان الهدف من البقرة هو تطهيرنا.

 لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. (عبرانيِّين 10: 22)

وعلى العكس من ذلك، فإنَّ التضحية بذَكَر الماعز في يوم الغفران، كانت في المقام الأوّل في سبيل الله. لاحظنا مع آية الوصايا العَشْر أنَّ عقوبة العصيان كانت واضحة ومكرَّرة بشكلٍ محدَّد، وهي الموت (انقر هنا لمراجعة الفقرات). كان الله (ولا يزال!) الديَّان، وهو كديّان، كان يُطالِبُ بعقوبة الموت. إنَّ موت الثور الذَكَر، وفى بمَطلب الله الأوّل الذي اشترط أن يكون الموت هو ثمن خطيئة هرون. ثمَّ لبَّى موت ذكر التَّيس الأوّل مطلَب الله بأن يكون الموت ثمنًا لذنوب بني إسرائيل. ثمَّ يمكن أن توضَع خطايا المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ رمزيٍّ على كبش الفداء مِنْ قِبَل هرون، كان إطلاق كبش الفداء في البرّيَّة بمثابة علامةٍ على تحرُّر المجتمع من خطاياه. كان يتمُّ الاحتفال بتقديم هذه الذبائح مِن قِبَل هرون وذريّته على مدى تاريخ بني إسرائيل في الأرض التي أُعطِيَت لهم؛ كانت هذه الذبائح تُقام لتلبية هذه الاحتياجات حتّى نصل إلى حياة عيسى المسيح (عليه السلام). وهكذا وصلت رسائل التوراة إلى نهايتها مع آيات هرون الأخيرة هذه. سيأتي قريبًا أنبياءٌ آخرون، وسيواصل الزبور إيصال رسائل من الله. ولكن كان هناك أوّلاً رسالة واحدة أخيرة للتوراة. كان النبيّ موسى (عليه السلام) بصدد النظر إلى المستقبل، إلى مجيء نبيٍّ، وكذلك النظر إلى البركات واللعنات التي ستحلُّ في المستقبل على نسل إسرائيل. قمنا ببحث هذا الموضوع في دراساتنا السابقة في التوراة.