النبيّ يحيا (عليه السلام) يُعدُّ الطريق

      رأينا فيما سبق أنَّ الزبور قد أُكمِل وخُتِم بالنبيّ ملاخي (عليه السلام) الذي تنبَّأ بأنَّ شخصًا سيأتي لكي ’يُعدَّ الطريق‘ (ملاخي 3: 1). وبعد ذلك رأينا كيف استُهِلَّ الإنجيل ببشارة الملاك جبريل (جبرائيل) بولادة النبيّ يحيا (عليه السلام) وولادة المسيح (وهو قد وُلِد من عذراء).

 النبيّ يحيا (عليه السلام) – في روحِ وقوَّة النبيّ إيليَّا

 يُسجِّل الإنجيل بعد ذلك  قصَّة النبيّ يحيا (الذي يُدعى أيضًا يوحنّا – عليه السلام):

أَمَّا الصَّبِيُّ (أيّ يوحنا) فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي

إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ. (لوقا 1: 80)

بينما كان يعيش في عزلةٍ في البريَّة، يُسجِّل الإنجيل أنَّ:

يُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ.

وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. (متى 3: 4)

روح يحيا (عليه السلام) القويّة جعلته يرتدي لباسًا خشنًا كما فعل، ويأكل طعامًا بريًّا ممّا يجده في البريَّة. ولكنّ ذلك لم يكن فقط بسبب روحه – لقد كان أيضًا علامةً مهمّةً. رأينا في ختام الزبور أنّ المـــُعِدَّ الذي كان قد وُعِدَ بمجيئه، سوف يأتي في ’روح إيليّا‘. كان إيليا أحد أنبياء الزبور الأوائل الذي كان أيضًا قد عاش وأكل في البريّة، وكان لباسه:

إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ. (2 ملوك 1: 8)

وبالتالي، عندما عاش يحيا ولبس كما فعل، كان ذلك للإشارة إلى أنّه المـــُعِدّ الآتي الذي تمَّ التنبؤ بمجيئه في روح إيليّا. كان لباسه وطريقة عيشه ومأكله في البريّة علامات لتبيِّن أنّه أتى وفقًا لخطّة الله التي تنبّأ بها الأنبياء.

الإنجيل –  مكانةٌ راسخةٌ (أو: راسخٌ..) في التاريخ

يُخبرنا الإنجيل بعد ذلك أنّه:

 فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ، فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ.

(لوقا 3: 1- 2)

بهذا التصريح، تبدأ خدمة يحيا (عليه السلام) النبويّة، وهو بالغ الأهميّة لأنّه يمثّل علامةً على بداية خدمته من خلال وضعه بجانب العديد من الحكّام المعروفين في  التاريخ. لاحظ هذه الإشارة الواسعة لحكّام ذلك العصر. وهذا يسمح لنا بالتحقُّق تاريخيًّا من القصَّة بكثيرٍ من الدقّة. إذا قمتَ بذلك، سوف تجد أن طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطي وهيرودُس وفيلُبُّس وليسانيوس وحنَّان وقيافا، كانوا جميعًا أشخاصًا معروفين مِن العلمانيّين الرومان والمؤرِّخين اليهود. حتّى الألقاب التي أُطلِقَت على الحكّام المختلفين (على سبيل المثال، ’والٍ‘ بالنسبة إلى بيلاطُس البُنطي، ’رئيس الرَبع‘ بالنسبة إلى هيرودُس، إلخ…) ثَبُتت صحَّتها ودقَّتها تاريخيًّا.  وهذا يسمح لنا بأن نقدِّر أنّه من وجهة نظرٍ تاريخيّة بحتة، كان ما تمَّ تدوينه مسجّلاً بشكلٍ موثوق.

اعتلى طيباريوس قيصر عرش الإمبراطوريّة الرومانيّة سنة 14 ميلاديّة. لذلك، كونها السنة الخامسة عشرة من حكمه يعني أنّ يحيا تلقّى الرسائل ابتداءً من سنة 29 ميلاديّة.

رسالة يحيا – توبوا واعتَرفوا

فما كانت رسالته إذن؟ كانت رسالته  بسيطة مثلما كان أُسلوب حياته، لكنّها كانت مباشرَة وقويَّة. يقول الإنجيل أنَّه:

فِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ. (متى 3: 1- 2)

وهكذا كان جزءٌ من رسالته النُطْق بحقيقة واقعة – بأنَّ ملكوت السموات قد ’اقتَرَب‘. لقد رأينا كيف تنبّأ الأنبياء قبل ذلك بوقتٍ طويلٍ ﺑــ مجيء ’ملكوت الله‘. كان يحيا (عليه السلام) يقول الآن إنَّ هذا الملكوت أصبح ’قريبًا‘ في متناول اليد.

لكنّ الناس لن يكونوا مهيَّئين للملكوت ما لم ’يتوبوا‘. في  الواقع، إذا لم ’يتوبوا‘، فإنّهم سوف يخسرون هذا الملكوت. كلمة يتوب Repent باللغة الإنكليزيّة تأتي من الكلمة اليونانيّة ’’metanoeo‘‘ التي معناها ’’تغيير رأيك؛ إعادة النظر؛ أو، التفكير بشكلٍ مختلف‘‘. ولكن ما الذي كان عليهم أن يُفكِّروا فيه بشكلٍ مختلف؟ من خلال النظر في اثنين من ردود الناس على رسالة يحيا (عليه السلام)، يمكننا معرفة ما كان يوصيهم بأنَّه ينبغي أن يتوبوا عنه. يسجِّل الإنجيل أنّ الناس استجابوا لرسالته:

 وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. (متى 3: 6)

لعلّكم تتذكّرون ما جاء في الأسفار حول آية آدم، بعد أن أكلا من الثمرة المحرَّمة، كيف:

’اخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ‘. (تكوين 3: 8)

منذ ذلك الحين، أصبحت هذه النزعة إلى إخفاء خطايانا والتظاهر بأنّنا لم نقترف ذنبًا، أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلينا. يكاد أن يكون من المستحيل الاعتراف بخطايانا والتوبة عنها. رأينا في آية ابن العذراء أنّ داود (عليه السلام) و النبيّ محمَّد (عليه الصلاة والسلام) من شأنهما الاعتراف بخطاياهما. وهذا أمرٌ من الصعب جدًّا أن نقوم به لأنَّه يعرِّضنا إلى الشعور بالذنب والخجل أو العار –  إنّنا نفضِّل أن نفعل أيّ شيءٍ آخر ما عدا ذلك. ولكن هذا هو ما كرزَ به يحيا (عليه السلام) بأنَّ الناس في حاجةٍ إليه ليُعدُّوا أنفسهم لملكوت الله القادم.

تحذيرٌ موجَّهٌ إلى الزعماء الدينيّين الذين لن يتوبوا

      والبعض منهم تابوا بالفعل، ولكن ليس جميعهم أقرّوا واعترفوا بصدقٍ بخطاياهم. يقول الإنجيل:

 فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ:«يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا.

لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ

الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.

(متى 3: 7- 10)

كان الفرّيسيّون والصدّوقيّون معلِّمي شريعة موسى. وكانوا الأكثر تديُّناً ويعملون بجدٍّ للحفاظ على جميع الشعائر الدينيَّة (الصلوات، الصَوم، الذبائح، إلخ..) التي أوصى بها الناموس أو الشريعة. كان الجميع يعتقد أنَّ هؤلاء القادة، مع كلِّ ما لديهم من معرفةٍ دينيَّة ومع كلِّ ما يبذلونه من جهد في سبيل الدين، كانوا  هم بالتأكيد المقبولين لدى الله. لكن النبيّ يحيا (عليه السلام) دعاهم ’أولاد الأفاعي‘ وأنذرهم بمجيء دينونة النار! لماذا؟ لأنّه بعدم ’صنعهم أثمارًا تَليقُ بالتوبة‘، فإنّهم يُظهِرون أنّهم لم يتوبوا حقًّا. فهم لم يعترفوا بخطاياهم، بل كانوا يستخدمون شعائرهم الدينيّة لإخفاء خطاياهم. وقد جعلهم إرثهم الدينيّ الذي تركه لهم النبيّ ابراهيم (عليه السلام)، على الرغم من أنّه كان إرثًا جيِّدًا، أشخاصًا فخورين بدلاً من أن يتوبوا.

اعتراف داود كمثالٍ لنا

      وهكذا يمكننا أن نرى من تحذيرات يحيا (عليه السلام) أنَّ التوبة والاعتراف بالخطيئة هما مهمَّان أهميَّةً بالغة. ومن دونهما في  الواقع، لن ندخل ملكوت الله. ومِن هذه التحذيرات الموجَّهة للفرّيسيّين والصدّوقيّين في تلك الأيّام، يمكننا أن نُدرك كم هو أمرٌ سهلٌ وطبيعيٌّ أن نخفي خطايانا وراء الدين. إذن، ماذا في ما يتعلَّق بكَ وبي؟ تمَّ تسجيل هذا هنا بمثابة تحذيرٍ لنا نحن الذين نرفض أيضًا بعنادٍ أن نتوب. بدلاً من تبرير خطايانا، أو التظاهر بأنّنا لم نرتكب خطايا أو إخفائها، ينبغي أن نحذو حذو داود (عليه السلام) الذي حين واجه خطيئته، تضرَّع إلى الله في الزبور بالاعتراف التالي:

 اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.

لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ. هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً.

 

طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ. أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا. اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَامْحُ كُلَّ آثامِي.

 

قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.

(مزمور 51: 1- 12)

ثمر التوبة

يترافق الاعتراف والتوبة مع أملٍ في العيش بشكلٍ مختلف. سأل الناس يحيا (عليه السلام) كيف ينبغي أن يُظهروا ثمرَ توبتهم، وهكذا سجَّل الإنجيل هذا الحوار:

وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: ’’فَمَاذَا نَفْعَلُ؟‘‘

فَأَجَابَ (يوحنا) وَقَالَ لَهُمْ: ’’مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا‘‘.

وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ:  ’’يَامُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟‘‘

فَقَالَ لَهُمْ:  ’’لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ‘‘.

وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ:  ’’وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟‘‘

فَقَالَ لَهُمْ: ’’لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ‘‘.

(لوقا 3: 10- 14)

هل كان يحيا هو المسيح؟

نظرًا لقوّة رسالته، تساءل العديد من الناس عمّا إذا كان هو أيضًا المسيح. هكذا يُسجِّل الإنجيل هذه المناقشة:

 وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قِائِلاً: ’’أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ‘‘.  وَبِأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَعِظُ الشَّعْبَ وَيُبَشِّرُهُمْ. (لوقا 3: 15- 18)

خاتمة

جاء النبيّ يحيا (عليه السلام) ليُعدَّ الناس بحيث يكونوا مستعدّين لملكوت الله. لكنَّه لم يُعِدّهم مِن خلال منحهم المزيد من الشرائع أو المزيد من القوائم التي تقول لهم ما هو حرامٌ وما هو حلال، بل من خلال دعوتهم إلى أن يتوبوا عن خطاياهم وأن يعترفوا بها. إنّ هذا في الواقع هو أكثر صعوبةً من اتّباع المزيد من المبادئ التوجيهيّة للحلالٌ والحرام لأنّه يكشفُ عارنا وشعورنا بالذنب. وكان القادة الدينيّون في تلك الأيّام هم الذين لم يتمكّنوا من حمل أنفسهم على التوبة والاعتراف بخطاياهم. بدلاً من ذلك، قاموا باستخدام الدين لإخفار خطاياهم. ولكن بسبب الخيار الذي اتّخذوه، لم يكونوا مستعدّين لاستقبال المسيح وفهم ملكوت الله حين أتى حاملاً رسالته. إنّ هذا التحذير الذي وجَّهه يحيا (عليه السلام) ينطبق علينا تمامًا اليوم. فهو يطلب منّا أن نتوب عن خطايانا ونعترف بها. فهل سنفعل ذلك؟

ولادة المسيح (عليه السلام): التي تنبَّأ بها الأنبياء وأعلن عنها جبريل

     لقد أكملنا مسحنا للتوراة والزبور، وهي أسفار الأنبياء في إسرائيل القديمة. وقد رأينا في ختام الزبور أنَّ  هناك نمطًا من توقُّع تحقيق الوعود التي يتطلَّعون إليها في المستقبل.

ولكن قد مرَّ أكثر من اربعمائة سنة على الانتهاء من كتابة الزبور. ونحن قد رأينا أنَّ العديد من الأحداث السياسيّة والدينيّة وقعت في تاريخ بني إسرائيل أثناء انتظارهم تحقيق الوعود، ولكن لم تصل رسائل جديدة من أيٍّ من الأنبياء.  ومع ذلك، استمرَّ بنو إسرائيل، تحت حكم هيرودس الكبير، في تطوير الهيكل إلى أن أصبح صرحًا رائعًا يجذب الناس من جميع أنحاء العالم الروماني للقيام بالعبادة وتقديم الذبائح والصلاة. لكنَّ قلوب الناس، على الرغم من شدّة تديّنهم وتجنُّبهم الآن عبادة الأوثان التي وقعوا في شركها في زمن الأنبياء الأوائل، قد قسَت وأصبح تركيزها على الخارج. تمامًا مثل الكثير منّا اليوم، في وسط الأنشطة الدينيّة والصلوات، تحتاج قلوب الناس إلى التغيير. وهكذا، في نهاية حكم هيرودس الكبير، حوالي العام 5 قبل الميلاد، أرسل الله رسولاً استثنائيًّا ليُعلِن خبرًا عظيمًا.

 أعلن جبريل مجيء يوحنّا المعمدان (يحيا- عليه السلام)

هذا الرسول كان جبريل الذي يُعرَف أيضًا في الكتاب (الكتاب المقدَّس) باسم جبرائيل، رئيس الملائكة.  وهو لم يكن قد أُرسِل، حتّى ذلك الوقت، إلاّ للنبيّ دانيال (عليه السلام) بشأن الرسالة (انظر هنا) المتعلِّقة بزمن مجيء المسيح. والآن حضر جبريل (أو جبرائيل) على كاهنٍ اسمه زكريّا (عليه السلام) بينما كان يقود  الصلاة في الهيكل. كان هو وزوجته أليصابات مُسنَّين ولم يُرزقا أولادًا. لكنّ جبريل ظهر له حاملاً الرسالة التالية كما وردَت في الإنجيل:

فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: ’’لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، َالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا‘‘. فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاَكِ: ’’كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟‘‘ فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَهُ: ’’أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهذَا. وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هذَا، لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ‘‘ (لوقا 1: 13- 20)

خُتِمَ الزبور بالوعد بأنّ المـــُعِدَّ سيأتي وسيكون مثل إيليّا (عليه السلام). وقد ذكر جبريل هذا الوعد تحديدًا بالقول إنَّ ابن زكريّا (عليه السلام) سيأتي ’بروحِ إيليَّا وقوَّته‘. وهو أتٍ ’لكي يُهيِّئ للرَّبِّ شعبًا مستعدًّا‘. إنّ هذا الإعلان يعني أنّ الوعدَ بمجيء مُعدٍّ لم يكن مَنسيًّا – لكنّه سيتحقَّق في ولادة وحياة هذا الابن القادم لزكريّا وأليصابات. ولكن، بما أنّ زكريّا لم يصدِّق الرسالة، فقد أصيب بالبُكم  ولم يعُد يستطيع الكلام.

جبريل يُعلِن عن الولادة الآتية من عذراء.

إنّ مجيء المـــُعِدّ يعني أنّ الشعب يتمّ إعداده ﻟـمجيء – المسيحِ أو المسيَّا – الذي سيأتي أيضًا قريبًا. وبالتأكيد، أُرسِل جبريل (أو جبرائيل) مرّةً أُخرى بعد بضعة أشهرٍ لفتاةٍ عذراء شابّة تُدعى مريم مبشِّرًا إيّاها بالتالي الذي وردَ في الإنجيل.

 فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: ’’سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ‘‘.فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: ’’مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!‘‘ فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: ’’لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ‘‘. فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: ’’كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟‘‘ فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: ’’اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ‘‘. فَقَالَتْ مَرْيَمُ: ’’هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ‘‘. فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ. (لوقا 1: 28-  38)

إنّنا نرى في إعلان جبريل نفسه هذا اللقب المحيِّر ’ابن الله‘. وأنا أناقش بمزيدٍ من التفصيل هذا الموضوع في مقالتي هنا. نتابع في هذه المقالة قصَّة الولادَتَين.

 ولادة النبيّ يحيا – عليه السلام (يوحنّا المعمَدان)

      كانت الأحداث تسير تمامًا كما قد تنبَّأ بها أنبياء الزبور. تنبَّأ النبيّ ملاخي عن مجيء مُعِدٍّ بروحِ إيليَّا، وكان جبريل قد أعلن الآن ولادته. يتابع الإنجيل

ولِدُ يُوحَنّا

57 وَحانَ الوَقتُ لِتَضَعَ ألِيصاباتُ طِفلَها، فَأنجَبَتْ صَبِيّاً. 58 فَسَمِعَ جِيرانُها وَأقارِبُها أنَّ اللهَ قَدْ أظهَرَ لَها رَحمَةً عَظِيمَةً، فَابتَهَجُوا مَعَها.59 وَفِي اليَومِ الثّامِنِ جاءُوا لِيَختِنُوا الطِّفلَ، وَأرادُوا أنْ يُسَمُّوهُ زَكَرِيّا عَلَى اسْمِ أبيهِ. 60 لَكِنَّ أُمَّهُ قالَتْ: «لا، بَلْ سَيُدعَى يُوحَنّا.»61 فَقالُوا لَها: «لَيسَ بَينَ أقارِبِكِ مَنْ يَحمِلُ هَذا الاسمَ.» 62 فَأشارُوا بِأيدِيهِمْ إلَى أبِيْهِ يَسألُونَهُ أيَّ اسْمٍ يُرِيدُ أنْ يُسَمِّيَهُ!63 فَطَلَبَ لَوحاً وَكَتَبَ عَلَيهِ: «اسْمُهُ يُوحَنّا،» 64 فَدُهِشُوا جَمِيعاً! وَفي الْحالِ انفَتَحَ فَمُ زَكَرِيّا وَانحَلَّ لِسانُهُ، وَبَدَأ يَتَكَلَّمُ وَيُسَبِّحُ اللهَ. 65 فَتَمَلَّكَ الخَوفُ الجِيرانَ كُلَّهُمْ. وَراحَ النّاسُ فِي كُلِّ أنحاءِ المِنطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ مِنَ الجَلِيلِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ. 66 فَتَعَجَّبَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ عَنْ ذَلِكَ وَقالَ: «تُرَى ماذا سَيُصبِحُ هَذا الطِّفلُ؟» لِأنَّ قُوَّةَ الرَّبِّ كانَتْ مَعَهُ. (لوقا 1: 57- 66)

ولادة عيسى المسيح – عليه السلام (يسوع المسيح)

     كان النبيّ أشعياء (عليه السلام) قد تنبَّأ بنبوءةٍ فريدةٍ (موضَّحة تمامًا هنا) بأنَّ:

هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ. (أشعياء 7: 14)

لقد بشَّر جبريل رئيس الملائكة الآن مريم بالولادة المقبلة، حتّى على الرغم من بقائها عذراء – في تحقيقٍ مباشرٍ لهذه النبوءة التي أُعطِيَت منذ زمنٍ طويلٍ جدًّا. هكذا يسجِّل الإنجيل ولادة عيسى المسيح (عليه السلام).

 فَذَهَبَ يُوسُفُ أيضاً مِنْ بَلدَةِ النّاصِرَةِ فِي الجَلِيلِ، إلَى بَلدَةِ داوُدَ الَّتِي تُدعَى بَيتَ لَحمَ – فَقَدْ كانَ مِنْ عائِلَةِ داوُدَ وَنَسلِهِ. فَذَهَبَ لِيُسَجَّلَ اسْمُهُ مَعَ مَريَمَ خَطِيبَتِهِ الَّتِي كانَتْ حُبلَى. وَبَينَما كانا هُناكَ حانَ وَقْتُ وِلادَتِهاَ. فَوَلَدَتِ ابنَها البِكرَ، وَقَمَّطَتْهُ وَوَضَعَتهُ  فِي مِعلَفٍ لِلدَّوابِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُما مَكانٌ داخِلَ الخانِ.بَعضُ الرُّعاةِ يَسمَعُونَ عَنْ مَولِدِ يَسُوع وَكانَ فِي تِلكَ المِنطَقَةِ بَعضُ الرُّعاةِ ساهِرِيْنَ فِي الحُقُولِ يَحْرُسُونَ قُطعانَهُمْ أثناءَ اللَّيلِ. فَظَهَرَ لَهُمْ مَلاكٌ مِنْ عِندِ الرِّبِّ، وَأضاءَ مَجدُ الرَّبِّ حَولَهُمْ، فَخافُوا خَوفاً شَدِيْداً. 10 فَقالَ المَلاكُ لَهُمْ: «لا تَخافُوا، فَأنا أُعلِنُ لَكُمْ بُشْرَى فَرَحٍ عَظِيْمٍ لِكُلِّ الشَّعبِ: 11 لَقَدْ وُلِدَ مِنْ أجلِكُمُ اليَومَ فِي بَلدَةِ داوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ المَسِيْحُ الرَّبُّ. 12 سَتُمَيِّزُونَهُ هَكَذا: سَتَجِدُونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مَوضُوعاً فِي مِعلَفٍ لِلدَّوابِّ.» 13 وَفَجأةً ظَهَرَ مَعَ المَلاكِ جَمعٌ مِنْ جَيشِ السَّماءِ يُسَبِّحُونَ اللهَ وَيَقولونَ:14 «المَجدُ للهِ فِي الأعالِي،
وَعَلَى الأرْضِ السَّلامُ،
لِلنّاسِ الَّذينَ يُسَرُّ بِهِمُ اللهُ.»15 ثُمَّ تَرَكَتْهُمُ المَلائِكَةُ وَعادَتْ إلَى السَّماءِ. فَقالَ الرُّعاةُ بَعضُهُمْ لِبَعضٍ: «فَلْنَذهَبْ إلَى بَيتَ لَحمَ لِكَيْ نَرَى هَذا الأمرَ الَّذِي حَدَثَ، وَقَدْ أعلَنَهُ لَنا الرَّبُّ.»16 فَانطَلَقُوا مُسْرِعِيْنَ، وَوَجَدُوا مَريَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفلَ مَوضُوعاً فِي مِعلَفِ الدَّوابِّ. 17 وَعِندَما رَآهُ الرُّعاةُ، أخبَرُوا الجَمِيعَ بِالرِّسالَةِ الَّتِي أعلَنَها لَهُمُ المَلاكُ عَنْ هَذا الطِّفلِ. 18 فَدُهِشَ كُلُّ الَّذِيْنَ سَمِعُوا الأُمُورَ الَّتِي أخبَرَهُمْ بِها الرُّعاةُ. 19 أمّا مَريَمَ، فَكانَتْ تُخَبِّئُ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورَ فِي قَلبِها، وَظَلَّتْ تَتَأمَّلُها عَلَى الدَّوامِ. 20 وَعادَ الرُّعاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ ما سَمِعُوهُ وَرَأوهُ. فَقَدْ حَدَثَ كُلُّ شَيءٍ كَما قِيلَ لَهُمْ تَماماً.21 وَجاءَ اليَومُ الثّامِنُ، مَوعِدُ خِتانِ الطِّفلِ، فَسَمَّوهُ يَسُوعَ. وَهُوَ الاسْمُ الَّذِي سَمّاهُ بِهِ المَلاكُ قَبلَ أنْ تَحبَلَ بِهِ مَريَمُ.(لوقا 2: 4-21)

الدَوْران القادمان لهذين النبيَّين العظيمَين

      لقد وُلِدَ نبيّان عظيمان تفصل أشهرٌ بين ولادة احدهما وولادة الآخر، جاء كلاهما كتحقيقٍ لنبوءتين معيَّنتَين قد أُعطِيَتا قبل مئات السنين! ماذا ستكون عليه حياتهما ورسالتيهما؟ تنبَّأ زكريّا (عليه السلام)، والد يوحنّا المعمدان (يحيا – عليه السلام) عن كلٍّ من الابنَين بأنَّ:

زَكَرِيّا يُسَبِّحُ الله

67 ثُمَّ امتَلأ أبُوهُ زَكَرِيّا بِالرُّوحِ القُدُسِ وَتَنَبَّأ فَقالَ:

68 «مُبارَكٌ هُوَ الرَّبُّ إلَهُ إسْرائِيلَ،
لِأنَّهُ جاءَ لِيُعِينَ شَعبَهُ وَيُحَرِّرَهُمْ.
69 قَدَّمَ لَنا مُخَلِّصاً قَوِيّاً
مِنْ نَسلِ داوُدَ خادِمِهِ.
70 هَذا ما وَعَدَنا اللهُ بِهِ مُنذُ القَدِيمِ.
71 وَعَدَنا بِالخَلاصِ مِنْ أعدائِنا
وَمِنْ أيدِي جَمِيعِ مُبغِضِيْنا.
72 وَعَدَ بِأنْ يُظهِرَ رَحمَةً لآبائِنا
وَيَتَذَكَّرَ عَهدَهُ المُقَدَّسَ مَعَهُمْ.
73 وَحَفِظَ الوَعدَ الَّذِي أقسَمَ بِهِ
لِأبِينا إبْراهِيمَ.
74 وَعَدَ بِأنْ يُنقِذَنا مِنْ أيدِي أعدائِنا،
لِكَي نَخدِمَهُ دُونَ خَوفٍ،
75 وَنَحيا بِالقَداسَةِ وَالبِرِّ
جَمِيعَ أيّامِ حَياتِنا.
76 أمّا أنتَ، يا ابنِي،
فَسَتُدعَى نَبِيّاً لِلعَلِيِّ.
فَأنتَ سَتَتَقَدَّمُ الرَّبَّ
لِتُعِدَّ لَهُ الطَّرِيقَ.
77 سَتَتَقَدَّمُهُ لِتُخْبِرَ شَعبَهُ
بِأنَّهُم سَيُخَلَّصُونَ،
وَسَتُغْفَرُ خَطاياهُمْ.
78 هَذا بِفَضلِ رَحمَةِ إلَهِنا المُحِبَّةِ،
فَسَيُشْرِقُ نُورٌ عَلَينا مِنَ السَّماءِ.
79 وَسَيُضِيءُ عَلَى الَّذِيْنَ يَعِيشُونَ
فِي ظِلِّ المَوتِ المُظلِمِ.
وَسَيَهدِي خَطَواتِنا فِي طَرِيقِ السَّلامِ.»(لوقا 1: 67- 79)

ربط زكريّا (عليه السلام) وقد تلقّى تلاوة وحيٍ، بين ولادة عيسى (عليه السلام) والوعد الذي أُعطيَ لداود (عليه السلام – انظر الوعد هنا) وكذلك لابراهيم (عليه السلام – انظر الوعد هنا). كانت خطّة الله التي تمّ التنبؤ بها وتنامت على مدى قرون، قد بلغت الآن ذروتها. ولكن ما الذي يمكن أن تنطوي عليه هذه الخطّة؟ أهو الخلاص من الرومان الأعداء؟ أهو شريعة جديدة تحلُّ مكان شريعة موسى (عليه السلام)؟ أم هو دينٌ أو نظامٌ سياسيٌّ جديد؟ ولا واحدة من هذه (التي هي ما من شأننا نحن البشر أنَّ نعتبرها تحقيقًا للخطّة) قد ذُكِرَت. إنّ الخطّة المحدَّدة، بدلاً من ذلك، هي ’وأن يعطينا إنّنا بلا خوفٍ نعبده  بقداسةٍ وبرٍّ‘ مع ’لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم بأحشاء رحمة إلهنا‘ نحو الذين من بيننا ’يعيشون… في ظلال الموت يهدي أقدامنا في طريق السلام‘. منذ آدم والحُكم علينا بالعداوة والموت ونحن نحاول نَيل البرِّ وغفران خطايانا. وفي مواجهة آدم وحوّاء والشيطان، أعلن الله خطّةً تُركِّز على ’نسلٍ‘ من ’المرأة‘.  كانت هذه الخطّة تتعلَّق بشخصٍ آتٍ ليفعل شيئًا نيابةً عنّا. من المؤكِّد أنّ مثل هذا النوع من الخطط هو أفضل من أيِّ خطَّة لشنِّ حروبٍ ومن مناهج تفكيرٍ وسلوكٍ نتطلَّع إليها أو نبحث عنها. إنَّ هذه الخطّة سوف تلبّي أعمق احتياجاتنا، وليس احتياجاتنا السطحيّة. ولكن الآن، كيف ستتجلّى للعيان هذه الخطّة التي تشمل المـــُعِدَّ والمسيح؟  سوف نبحث عن إجابات ونحن نواصل التعرُّف على أخبار الإنجيل السارَّة.

يختتم العهد القديم آياته – بوعد مجيء المُعِدّ

    رأينا في آية الخادم أنّه قد وُعِد بمجيء الخادم. لكن وَعد مجيئه بأكمله يستند إلى سؤالٍ مهمٍّ. بدأ النبيّ إشعياء (عليه السلام) كلامه بطرح السؤال:

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا…؟ (إشعياء53: 1)

كان إشعياء قد تنبّأ بأنّهم (بني إسرائيل) لن يصدِّقوا الخادم، ولم تكن المشكلة مع الرسالة أو آيات الخادم، لأنّهما كانا سيكونان دقيقَين في التوقيت من خلال  دورات ’’السبعات‘‘ وكذلك من خلال الاسم محدِّدين أنّه سوف ’يُقطَع‘. لم تكن المشكلة تكمن في عدم وجود آيات كافية. كلاّ، كانت المشكلة هي قساوة قلوب الشعب. وهكذا كان يجب أن يأتي أحدٌ قبل مجيء الخادم لإعداد الشعب لمجيئه. لذلك، أعطى النبيّ إشعياء (عليه السلام) هذه الرسالة حول الشخص الذي سيقوم بإعداد الطريق أمام الخادم. وقد تلقّى الرسالة التالية:

 صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا،

لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ (إشعياء 40: 3-5)

كتبَ إشعياء (عليه السلام) عن شخصٍ سوف يأتي ’’في البرِّيَّةٍ‘‘ ’ليُعِدَّ طريق الربِّ‘. وهذا الشخص سيزيل العقبات (سيمهِّد هذا الطريق) بحيث ’’يُعلَن مجدُ الرَّبِّ‘. لكنّ إشعياء لم يحدِّد الطريقة التي سيتمُّ فيها هذا الأمر.

 النبيّ ملاخي – آخر أنبياء العهد القديم

isaiah, malachi and elijah in zabur timeline - in arabic

الأنبياء إشعياء و ملاخي و إيليّا (عليهم السلام) كما هم مبيَّنين في الجدول الزمنيّ التاريخي

بعد إشعياء بحوالي 300 سنة، جاء ملاخي (عليه السلام)، وهو الذي كتب السفر الأخير من العهد القديم. وفي هذا السفر، كتب ملاخي (عليه السلام) بشكلٍ مفصًّل عمّا كان إشعياء قد قاله حول مجيء المــــُعِدّ. كتب يقول:

هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ،

وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ (ملاخي3: 1)

هنا مرّةً أخرى يتنبّأ ملاخي بالرسول الذي سوف ’يُعِدُّ الطريق‘. بعد مجيء هذا المـــُعِدّ، سيأتي ’رسول العهد (الميثاق)‘. أيُّ ميثاقٍ يُشير إليه ملاخي (عليه السلام)؟ تذكّروا أن النبيّ ارميا (عليه السلام) قد تنبّأ بأنّ الله سوف يصنع عهدًا جديدًا بأن يكتبه على قلوبنا. عندها فقط سنكون قادرين على إرواء عطشنا الذي يقودنا دائمًا إلى الخطيئة. هذا هو العهد نفسه الذي يُشير إليه ملاخي (عليه السلام). سيكون مجيء المــــُعِدّ إشارة إلى إعطاء ذلكالعهد.

ثمّ يختمُ ملاخي (عليه السلام) الكتاب المقدَّس بأكمله بالنظر إلى المستقبل وبهذه الفقرة الختاميّة:

هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ (ملاخي4: 5- 6)

ما الذي كان يعنيه ملاخي (عليه السلام) بقوله إنّ ’إيليّا‘ سوف يأتي قبل يوم الربّ العظيم؟ من كان إيليَّا؟ لقد كان نبيًّا آخر لم نكن قد تناولناه في دراستنا (لا يمكننا تناول جميع الأنبياء لأنّ هذا من شأنه أن يجعل سلسلة المقالات هذه طويلة جدًّا، ولكن انظُر إليه في الجدول الزمنيّ أعلاه). عاش إيليّا (عليه السلام) حوالي سنة 850 قبل الميلاد. كان معروفًا بعيشه في البرِّيَّة وارتدائه ثيابًا مصنوعة من شعر الحيوان وبأنّه كان يأكل طعامًا من البرِّيَّة. كان يبدو على الأرجح شخصًا غريبًا جدًّا. كتب ملاخي أنَّ المـــُعِدّ الذي سيأتي قبل مجيء العهد الجديد، سوف يكون بطريقةٍ ما شبيهًا بإيليّا (عليه السلام).

وبهذا الإعلان، تمَّ الانتهاء من كتابة العهد القديم حوالي سنة 400 قبل الميلاد. كان لهؤلاء الأنبياء جميعًا رسالة موحَّدة تتحدَّث عن وعود بأمورٍ ستحصل في المستقبل. دعنا نقوم بمراجعة بعضها.

مراجعة الوعود التي كانت لم تتحقَّق بعد

  • أعلن النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في آية الذبيحة أنّه على جبل موريا ’’سوف يُعطى‘‘. كان اليهود لا يزالون ينتظرون في ذلك الوقت أن يتمّ هذا ’العطاء ‘.
  • كان النبيّ موسى (عليه السلام)قد قال إنَّ الفصح كان آيةً لبني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يحتفلون بالفصح على مدى تاريخهم، لكن كآية، فإنّ ما كانت تُشير إليه لم يكن قد أُعلِن بعد.
  • تنبّأ النبي موسى (عليه السلام) في التوراة بأن نبيًّا سوف يأتي وأنّ الله قال عنه: ’’و أجعل كلامي في فمه‘‘.   أعلن الله أيضًا في ذلك الوعد الذي يتحدّث عن النبيّ الآتي قائلاً: ’’ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ‘‘.
  • كان النبيّ داود (عليه السلام) قد تنبّأ بمجيء المسيح. خلال تاريخهم الطويل، تساءل بنو إسرائيل كيف سيكون مُلك ’المسيح‘.
  • وكان النبيّ إشعياء (عليه السلام) قد تنبّأ بأنّ عذراء ستلد ’ابنًا‘. في ختام كتاب الزبور، كان اليهود لا يزالون ينتظرون هذا الحدث الاستثنائيّ أن يقع.
  • وكما رأينا هنا، تنبّأ النبيّ ملاخي (عليه السلام) بأنّ  كلّ هذا سوف يسبقه مجيء المــــُعِدّ. وكان مجيئه لتهيئة قلوب الناس لأنّ من السهل أن تقسو قلوبنا تجاه أمور الله.

      وهكذا بختام كتاب الزبور 400 سنة قبل الميلاد، عاش الشعب اليهودي وهو ينتظر تحقيق هذه الوعود الرائعة. ولا يزال ينتظر وينتظر. جيلٌ يأتي ويحلُّ محلّه جيلٌ آخر، وسيأتي بعده آخرون – دون أن تتحقَّق هذه الوعود.

 ما الذي حدث بعد الانتهاء من كتابة العهد القديم

كما رأينا في تاريخ بني إسرائيل، غزا الاسكندر الأكبر معظم العالم الذي كان معروفًا في العام 330 قبل الميلاد، وانطلاقًا من هذه الغزوات، اعتمدت شعوب وحضارات العالم اللغة اليونانيّة. كما أصبحت الإنكليزيّة اليوم لغةً عالميّة للأعمال التجاريّة والتعليم والأدب، كانت اليونانيّة على نحوٍ مماثل مهيمنة في ذلك الوقت. قام المعلّمون اليهود بترجمة التوراة  والزبور من اللغة العبريّة إلى اللغة  اليونانيّة حوالة سنة 250 قبل الميلاد. أُطلِق على هذه الترجمة اسم الترجمة السبعينيّة. كما رأينا هنا، فإنّ هذا كان المصدر الذي أتت منه كلمة ’Christ‘، ورأينا هنا أنّ هذا كان أيضًا مصدر اسم ’يسوع‘.

isaiah, malachi and elijah in zabur timeline - in arabic

يظهر الأنبياء إشعياء و ملاخي و إيليّا (عليهم السلام) كما هو مبيِّن في الجدول الزمني التاريخي

خلال هذا الوقت (300 – 100 قبل الميلاد الذي هو الفترة الزمنيّة باللّون الأزرق في الجدول الزمنيّ)، كان هناك التنافس العسكريّ المستمرّ بين مصر وسوريا، وبما أنَّ بني إسرائيل كانوا تمامًا بين هاتين الإمبراطوريّتين، فقد كانوا يعلقون بانتظام في المعارك الدائرة. سعى واحدٌ من الملوك السوريّين إلى فرض الدين اليوناني (وهو دينٌ يقوم على عبادة الأوثان) على بني إسرائيل والقضاء على عبادتهم لإلهٍ واحدٍ. فقاد بعض القادة اليهود انتفاضة للدفاع عن دين التوحيد واستعادة نقاء عبادةٍ وضع النبيّ موسى (عليه السلام) أُسسها. أكان هؤلاء القادة هم التحقيق لهذه الوعود التي كان ينتظرها اليهود؟ لم يكن هؤلاء الرجال يتلاءمون مع آيات النبؤءات على الرغم من أنّهم كانوا أتباعًا مخلصين للعبادة كما علَّمها الأنبياء. في الواقع، هم أنفسهم حتّى لم يدَّعوا أنّهم أنبياء، كانوا مجرّد يهودٍ أتقياء يدافعون عن عبادتهم ضدَّ عبادة الأوثان.

كُتِبَت المؤلّفات التاريخيةّ التي تتناول هذه الفترة، واصفةً هذه الصراعات التي حافظت على العبادة التوحيديّة. قدّمت هذه الكتب رؤية تاريخيّة ودينيّة، وهي قيِّمة للغاية. لكنّ الشعب اليهودي لم يعتبر أنّها كُتِبَت مِن قِبَل أنبياء، ولذلك لم تُدرَج هذه الكتب في الكتاب المقدّس. كانت كتبًا جيّدة، كتبها أشخاصٌ متديّنون، لكنّها لم تكن مكتوبة مِن قِبل أنبياء. عُرِفَت هذه الكتب باسم الأبوكريفا (Apocrypha).

ولكن لأنّ هذه الكتب كانت مفيدة، فقد كانت تُدرَج في كثيرٍ من الأحيان جنبًا إلى جنب مع كتب الأنبياء لتقدِّم تاريخ الشعب اليهوديّ كاملاً. بعد كتابة الإنجيل ورسالة عيسى المسيح (عليه السلام)، جُمِعَت كتُب هؤلاء الأنبياء في كتابٍ واحدٍ – الكتاب المقدَّس. تُدرج اليوم بعض الكتب المقدّسة حتّى كُتب الأبوكريفا على الرغم من أنّها ليست جزءًا من الكتابات النبويّة.

لكنّ الوعود التي أُعطِيَت مِن قِبَل الأنبياء كانت لا تزال تنتظر أن تتحقَّق. بعد التأثيرات اليونانيّة، اتَّسعَت رقعة الإمبراطوريّة الرومانيّة القويّة واحتلّت مكان الإغريق في حكم اليهود (هذه هي الفترة باللون الأصفر التي تأتي بعد الفترة باللون الأزرق في الجدول الزمنيّ أعلاه). حكمَ الرومان بكفاءةٍ ولكن بقسوة. كانت الضرائب مرتفعة ولم يكون الرومان يتسامحون مع أيّة مخالفة. كان الشعب اليهوديّ يتوق أكثر من أيِّ وقتٍ مضى إلى تحقيق الوعود التي أعطاها الأنبياء، على أنّ فترة انتظارهم الطويلة جعلت عبادتهم متزمّتة جدًّا، وقد وضعوا العديد من القوانين الإضافيّة التي أتت من التقاليد وليس من الأنبياء. بدَت هذه ’الوصايا‘ الإضافيّة كفكرةٍ جيّدة عند اقتراحها في البداية، لكنّها سرعان ما حلّت محلّ وصايا الأنبياء الأصليّة في قلوب وعقول معلِّمي اليهود.

ثمَّ أخيرًا، حين بدا أنّ الله ربّما كان قد نسي الوعود منذ وقتٍ طويل، جاء الملاك جبرائيل العظيم (جبريل) ليُعلِن ولادة المــــُعِدّ التي طال انتظارها. نحن نعرفه اليوم باسم النبيّ يحيا (أو يوحنّا المعمدان – عليه السلام). ولكن هنا يبدأ الإنجيل، وهذا ما سوف نبحثه في المرّة القادمة.

علامات الخادم القادم

فى أخر مقال لنا رأينا أن النبى دانيال تنبأ أن المسيا سيُقطَع. و كان يبدو أن هذا يناقض الأنبياء الأخرين الذين كتبوا أن المسيا سيملك. و لكن يتلاشي التناقض عندما ندرك أن الأنبياء كانوا ينظرون لمجيئين مختلفين للمسيا. مجئ “ليقطع” و مجئ أخر “ليحكم”. معظم الأمة اليهودية لم تدرك هذا لأنهم لم يعرفوا كل الكتب. ويجب أن يكون هذا تحذيرا لنا ألا نفعل مثلهم.

          أقتربنا من نهاية رحلتنا فى الزبور. لكن مايزال لدينا القليل لنتعلمه. النبى أشعياء (كما هو واضح فى الجدول الزمنى بالأسفل) هو تنبأ عن مجئ المسيا بأستخدم صورة الغصن. لكنه كتب أيضا عن شخص قادم أسماه الخادم. كتب أشعياء مقطع طويل عن هذا الخادم القادم. من كان هذا “الخادم”؟ ،و ماذا كان سيفعل؟ نحن سننظر للمقطع بالتفصيل. أنا نسخته هنا بالأسفل بالضبط وبشكل كامل, و أضفت بعض التعليقات للتوضيح.

جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين أشعياء

جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين
أشعياء

الخادم القادم كما تنبأ به أشعياء. المقطع بالكامل من أشعياء 52 : 13 – 53 : 12

13 هوذا عبدي يُعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا. 

14  كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مُفسَدا اكثر من الرجل وصورته اكثر من بني ادم. 

15 هكذا ينضح امما كثيرين. من اجله يسد ملوك افواههم لانهم قد ابصروا ما لم يُخبروا به وما لم يسمعوه فهموه

            نحن نعلم أن هذا الخادم سيكون إنسانا لأن أشعياء أشار إليه بصيغة المُذكّر العاقل .عندما كان هارون (عليه السلام) يقدم ذبائحه عن الإسرائيليين كان يقوم برش الدم على الناس – فكانت تغطى خطاياهم و لا يتم أمساكها ضدهم. عندما يقول أن الخادم “سينضح” كان النبى أشعياء يعنى أن هذا الخادم سيرش (سينضح) الناس عن خطاياهم بطريقة مماثلة لما فعله هارون (عليه السلام) للإسرائيليين عندما قدم الذبائح.

            لكن هذا الخادم سينضح “امما كثيرين”. إذا هذا الخادم ليس قادم لليهود فقط. هذا يذكرنا بالوعود التى أعطاها الله لأبراهيم (عليه السلام) عندما قال الله (العلامة 1 و العلامة 3) تتبارك فى نسله “جميع قبائل الارض”. لكن أثناء هذا الرش “شكلا” و “موضوعا” هذا الخادم سيكونوا “مفسدا” و “مشوها”. على الرغم من أنه ليس واضح ماذا سيفعل الخادم ليُشوه بهذا الشكل, إلا أنه فى يوم ما ستفهم الأمم هذا الكلام.  

53 من صدق خبرنا ولمن استُعلنت ذراع الرب. 

2 نبت قدامه كفرخ وكعرق من ارض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه. 

3  محتقر ومخذول من الناس رجل اوجاع ومختبر الحزن وكمُستر عنه وجوهنا مُحتقر فلم نعتد به

لسبب ما, على الرغم من أن هذا الخادم سينضح أمما كثيرين, إلا أنه سيكون “مُحتقر” و “مخذول”,  مليئ “بالأوجاع” و “مختبر الحزن”.

4  لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. 

5 وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل اثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. 

الخادم سيأخذ “اوجاعنا”. هذا الخادم سيكون أيضا “مجروح” و “مسحوق” فى “التأديب”. هذا التأديب سيجلب لنا (هؤلاء الذين فى الأمم الكثيرين) “سلام” و سيجعلنا “نُشفى”.

6  كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا. 

لقد رأينا فى علامة عطشنا, مدى سهولة الذهاب “لأبارنا المُشققة” لنُشبع عطشنا بدل من اللجوء لله. نحن “ضللنا” و كلنا “ملنا كل واحد الى طريقه”. هذه خطية (= اثم).

7 ظُلم اما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه.

قام الأنبياء هابيل, نوح, أبراهيم, موسى, و هارون (عليهم السلام) بأحضار حملان كذبيحة. لكن الخادم نفسه سيكون كشاة تُساق الى “الذبح”. لكنه لن يحتج أو حتى “يفتح فاه”. 

8 من الضغطة ومن الدينونة اُخذ. وفي جيله من كان يظن انه قُطع من ارض الاحياء انه ضُرب من اجل ذنب شعبي.

هذا الخادم “قُطع” من “ارض الاحياء”. هل هذا ما كان يعنيه النبى دانيال عندما قال أن المسيا “سيقطع؟ نفس الكلمات بالضبط تم أستخدامها! ماذا يمكن أن تعنى بأنه “قُطع من ارض الاحياء” إلا أنه سيموت؟

9 وجُعل مع الاشرار قبره ومع غني عند موته.على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش.

لو أنه تم تعيين “قبر” لهذا الخادم فهذا بالتأكيد يعنى أنه مات. مات محكوم عليه أنه من “الاشرار” على الرغم من أنه “لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش”.

10 اما الرب فسُر بان يسحقه بالحزن.ان جعل نفسه ذبيحة اثم يرى نسلا تطول ايامه ومسرة الرب بيده تنجح. 

            هذا الموت القاسى لم يكن حادثة فظيعة أو سوء حظ. لكنه كان صراحة “مشيئة الله” أن “يسحقه”. لكن لماذا؟ بالضبط مثلما كانت ذبيحة هارون “ذبيحة اثم” و بذلك الشخص المُقدم الذبيحة يعتبر بلا لوم, هنا “حياة” هذا الخادم هى “ذبيحة اثم”. لأثام من؟؟؟  نظرا لأن “امما كثيرين” سيتم “رشهم” (طبقا لما سبق) فلابد أنها أثام الناس الذين من “الامم الكثيرين”.

11 من تعب نفسه يرى ويشبع.وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين واثامهم هو يحملها. 

على الرغم من أن النبوة عن الخادم مروعة الا أنه هنا تتغير نغمة الكلام لتصبح متفائلة و مليئة بالنصرة. بعد هذا “العذاب” الرهيب (بسبب كونه “قُطع من ارض الاحياء” و بسبب تعيين “قبر” له), هذا الخادم سوف يرى “تعب نفسه”. سيعود للحياة مرة أخرى؟! و بسبب هذا, هذا الخادم “سيبرر كثيرين”.  

التبرير هو مثل إعطاء “البر”. و تذكّر أنه لأعطاء “البر” من ناموس موسى كان لابد للشخص أن يحفظ كل الوصايا كل الوقت. لكن النبى أبراهيم (العلامة 2) “حُسب له” أو تم أعطائه “البر”. تم أعطائه له ببساطة بسبب أيمانه. وبنفس الطريقة هذا الخادم سوف يبرر, أو يعطى البر “لكثيرين”…..  أليس البر شيئ نريده و نحتاجه؟

12 لذلك اُقسم له بين الاعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه واُحصي مع اثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين.

            هذا الخادم سيكون بين “العظماء” لأنه تطوع (“سكب للموت نفسه”). و مات كشخص محسوب مع “الاثمة”, “كخاطئ”. و بسبب أن هذا الخادم فعل هذا يمكنه أن “يتشفع” نيابة عن “المذنبين”. و المتشفع هو وسيط بين طرفين, الطرفين هنا هما “الامم الكثيرين” و “الرب”. هذا “الخادم” جدير بما فيه الكفاية أن يتشفع أو يتضرع عنا إلى الله نفسه!

            من هو هذا الخادم؟ كيف حدثت كل هذه الأشياء؟ هل سيقدر و يريد أن “يتشفع” عن “كثيرين” من “أمم” مختلفة لله نفسه؟ سوف نختتم الزبور بالنظر فى أخر نبوة و بعدها نذهب للأنجيل نفسه.   

 

المسيح: الآتي ليحكُم … أو لكي ’يُقطَع‘

رأينا في مقالنا الأخير كيف قدَّم الأنبياء آيات تتنبّأ عن اسم المسيح(كانت النبوءة هي يسوع) وتتنبّأ ﺑــــ زمن مجيئه. هذه النبوءات هي محدَّدة بشكلٍ مثيرٍ للدهشة، وهي مدَوَّنة ومنصوصٌ عليها قبل مجيء يسوع (المسيح عيسى– عليه السلام) بمئات السنين، وقد كانوا مصيبين في نبوءاتهم عنه. هذه النبوءات هي مكتوبة، وهي لا تزال موجودة في الكتب المقدَّسة اليهوديّة – وليس في الإنجيل أو القرآن. ولذلك يبرز السؤال المطروح: لماذا يستمرُّ الشعب اليهوديّ (في معظمه) في رفض يسوع باعتباره المسيح، ما دام هذا هو ما كُتِبَ في كتبهم؟

قبل أن نبحث هذا السؤال، أودُّ توضيح أنّ طَرْح السؤال بطريقة طرحي له ليس دقيقًا تمامًا. إنَّ العديد من اليهود خلال فترة حياة يسوع (عيسى – عليه السلام) قد قبلوه باعتباره المسيح. وهناك اليوم أيضًا العديد من الذين يقبلونه باعتباره المسيح. ولكن تظلُّ حقيقة أنّهم كأُمّة، لا يقبلون به. فلماذا؟

 لما لا يقبل اليهود عيسى (عليه السلام) باعتباره المسيح؟

يسجِّل إنجيل متّى لقاءً بين يسوع (عيسى – عليه  السلام) ومعلِّمي الشريعة اليهود (الذين يُسَمَّون الفرّيسيّين والصدّوقيّين – كان دورهم مماثلاً لدور الأئِمَة في يومنا الحاضر). طرحوا عليه سؤالاً خادعًا، وهذا ما أجابهم به يسوع:

 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: ’’تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ‘‘.

(متى 22: 29)

يعطينا هذا التبادل الكلاميّ فكرةً مهمَّة. على الرغم من أنَّهم كانوا رؤساء كهنة أو قادة يعلِّمون الشعب التوراة والزبور، إلاّ أنّ يسوع اتَّهمهم بأنّهم لا يعرفون الكُتب ولا قوَّة الله. ما الذي يعنيه بهذا القول؟ كيف يمكن لعلماء الشريعة ألاّ يعرفوا الكتُب‘؟

 لم يكن اليهود يعرفون كلّ ما جاء في الكُتُب

عند دراستك لما كان يتحدَّث عنه رؤساء اليهود والرجوع إليه في التوراة والزبور، سوف تلاحظ أنّهم كانوا على علمٍ كبيرٍ بنبوءاتٍ معيَّنة فقط – وليس ببعضها الآخر. لذلك رأينا في آية ابن العذراء، على سبيل المثال، أنَّ علماء الشريعة كانوا يعرفون النبوءة التي تقول إنّ المسيح سيأتي من بيت لحم. في ما يلي الآية التي نقلها علماء الشريعة إلى الملك هيرودس عند ولادة عيسى ليُبيِّنوا له أين كان سيولَد المسيح:

 ’’أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ،

وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا،

فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي

الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ،

وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ،

مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ.‘‘ (ميخا5: 2)

سوف ترى أنّهم كانوا يعرفون الآية التي تأتي على ذكر Christ(= المسيح – انظر هنا سبب تماثل هذه التسميات) وأنّ هذه الآية تُشير إليه باعتباره ’الحاكم المتسلِّط‘. ثمّة فقرة أخرى كانت معروفة جيّدًا لعلماء اليهود، وهي المزمور 2 المــُوحى من النبيّ داود (عليه السلام) الذي كان أوَّل من أدخلَ التسمية ’مسيح،‘وأوّل من قال إنّ ’المسيح‘ سوف ’’يُمسَحُ ملكًا على صهيون‘‘ = أُورشليم أو القُدْس) كما نرى في الفقرة أدناه:

 قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ … عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ … اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ … حِينَئِذٍ يَتَكَلَّم، ’’أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي…

(مزمور2 في الزبور)

كان معلِّمو اليهود على علمٍ تامّ بالفقرات التالية من كتاب الزبور:

 يَا رَبُّ، … مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ. أَقْسَمَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ لاَ يَرْجعُ عَنْهُ: مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ – … هُنَاكَ أُنْبِتُ قَرْنًا لِدَاوُدَ. رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي.

(مزمور 132: 10-18 من الزبور)

 لم يكن اليهود يعرفون قوَّة الله لأنّهم كانوا يحدِّدونها بمنطِقِهم

     وهكذا، كانوا يعرفون فقرات معيَّنة تشير جميعها إلى اتّجاهٍ واحدٍ – أنَّ المسيح سوف يحكم بقوَّة. وبالنظر إلى أنّ اليهود في زمن عيسى (يسوع – عليه السلام) كانوا يعيشون في ظلِّ الاحتلال الروماني في أرض إسرائيل (انظر هنا للاطّلاع على تاريخ اليهود)، كانت هذه هي الصفة الأساسيّة الوحيدة للمسيح الذي كانوا يريدونه. لقد أرادوا مسيحًا يأتي ليبسط سلطته ويطرد الرومان المـــُبغَضين ويُقيم المملكة القويَّة التي أسَّسها الملك داود قبل 1000 عام (انظر هنا للاطِّلاع على خلفيّة الملك داود). إنَّ هذا التوق إلى مسيحٍ يكون مشكَّلاً بحسب رغباتهم وليس بحسب خطَّة الله، قد منعهم من دراسة كلّ ما جاء في أسفارهم المقدَّسة.

ثم أنّهم استخدموا منطِقهم البشريّ للحدِّ من قوَّة الله في تفكيرهم. قالت النبوءات إنَّ المسيح سوف يحكم في أُورشليم. ويسوع لم يحكم بسلطة من أُورشليم. وبالتالي، لا يمكن أن يكون هو المسيح! كان ذلك تفكيرًا بسيطًا. لقد عملوا على وضع حدودٍ لقدرة الله بجعله حصرًا على فكرتهم الراسخة ومنطقهم البشريّ.

حتّى يومنا هذا، يجهل اليهود بصورةٍ عامّة نبوءات الزبور. على الرغم من وجودها في كتابهم الذي يُدعى تناخ (=التوراة + الزبور)، ولكن إذا ما قرأوا شيئًا فإنّهم يكتفون بقراءة التوراة. إنّهم يتجاهلون وصايا الله بمعرفة جميع الكتب المقدّسة، فهم بالتالي يجهلون النبوءات الأُخرى، وبتحديد الله بمنطقهم البشريّ، يعتقدون أنّه طالما أنّ المسيح جاء ليحكم، وأنّ عيسى لم يحكم، فلا يمكن أن يكون المسيح. نهاية القصّة! ولا حاجة إلى مزيدٍ من التحقيق في المسألة! حتّى يومنا هذا، لا ينظر معظم اليهود إلى أبعد من ذلك في الموضوع.

 المسيح: أتى لكي … ’يُقطَع‘

     لكن لو أنّهم قاموا بدراسة الأسفار المقدَّسة، لكانوا تعلَّموا شيئًا نحن الآن على وشك أن نتعلَّمه. في المقال الأخير، رأينا أنَّ النبيَّ دانيال (عليه السلام) تنبَّأ عن زمن مجيء المسيح بشكلٍ صحيح. إنّما لاحظ الآن ما الذي قاله أيضًا عن المسيَّا (= الممسوح=المسيح=Christ)

 فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ. وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. (دانيال 9: 25-26)

لاحظ ما يقول دانيال إنّه سيحدث للمسيح عندما يأتي. هل يتنبّأ دانيال بأنّ المسيح سوف يحكُم؟ وإنّه سيتربَّع  على عرش سلفه داود ويدمّر سلطة الاحتلال الروماني؟ كلا! في الواقع، هو يقول بوضوحٍ تامّ إنَّ المسيح سوف ’يُقطَعُ … وليس له (شيء)‘. ثمَّ تقول النبوءة إنّ شعبًا آتٍ من الخارج سوف يُدمِّر المكان المقدَّس (الهيكل اليهوديّ) والمدينة (أُورشليم)، وإنّها ستصبح مُقفِرة. إذا تفحَّصت تاريخ بني إسرائيل، سوف ترى أنَّ هذا حدث فعلاً. بعد 40 سنة من موت يسوع، جاء الرومان وأحرقوا الهيكل ودمَّروا مدينة أُورشليم وأرسلوا اليهود إلى المنفى في جميع أنحاء العالم بحيث طُرِدوا من الأرض. وقعت هذه الأحداث في العام 70 بعد الميلاد، تمامًا كما تنبّأ دانيال قبل حوالي 537 سنة من ميلاد المسيح، وكما تنبّأ موسى (عليه السلام) في اللعَنات.

تنبّأ دانيال إذن بأنَّ المسيح لن يأتي ليحكُم! بل إنّه سوف ’يُقطَع … وليس له (شيء). غابت هذه النبوءة عن رؤساء اليهود نظرًا إلى أنّهم ’لا يعرفونَ الكُتُب‘. ولكنَّ هذا الأمر يُثير مشكلةً أخرى. أليس ثمّة تناقض ما بين نبوءة دانيال (’يُقطَع‘) والنبوءات التي يعرفها اليهود (أنَّ المسيح سيأتي ليحكُم). في نهاية الأمر،إذا كان الأنبياء جميعًا يحملون رسائل من الله، فهذه الرسائل جميعها يجب أن تتحقَّق على النحو الذي حدَّده موسى (عليه السلام) في التوراة. كيف يمكن أن يكون ممكنًا أن يُقطَع المسيح الآتي و أن يأتي ليحكُم؟ يبدو أن منطقهم البشريّ قد فاق ’قوَّة الله‘ في الذكاء والبراعة.

 توضيح التناقض بين كلمتَي ’يَحكُم‘ و ’يُقطَع‘

ولكن بالطبع،لم يكن منطقهم أقوى من قوَّة الله. لقد كانوا لا يُدركون ببساطة، كما نفعل نحن البشر، افتراضًا كانوا يبنون عليه. لقد افترضوا أنّ المسيح سيأتي مرّة واحدة. إذا كان الأمر كذلك، فهناك بالفعل تناقض بين حُكْم المسيح وكونه ’يُقطَع‘. وهكذا وضعوا حدودًا لقوّة الله في أذهانهم بسبب منطقهم، ولكن في النهاية، إنَّ منطقهم هو الذي كان خاطئًا. كان المسيح سيأتي مرَّتَين. كان مجيئه الأوّل سيُحقِّق النبوءات التي تقول: ’يُقطَعُ المسيحُ وليس له‘، وسوف يحقِّق في مجيئه الثاني فقط النبوءات التي تتحدَّث عن ’الحُكم‘. انطلاقًا من ذلك المنظور، يمكن بسهولة حلّ هذا ’التناقض‘.

 هل نُغفِل نحن أيضًا الكُتب المقدَّسة كلّها و نضع حدودًا لقوَّة الله؟

ولكن ما معنى أن ’يُقطَعُ المسيحُ وليسَ لهُ‘؟ سنتطَرّق إلى هذا السؤال قريبًا، ولكن الآن، ربّما سيكون التفكير بالسؤال، كيف غابت هذه الآيات عن اليهود، أكثر فائدة. لقد سبق وأن رأينا سببَين اثنَين لعدم رؤية اليهود آيات المسيح. هناك أيضًا سببٌ ثالث مُدَوَّنٌ من أجلنا في إنجيل يوحنّا، في حوارٍ آخر بين يسوع (عيسى – عليه السلام) وبين رؤساء الكهنة، حيث يقول لهم:

 فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ….كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ (يوحنا5: 39-44)

بعبارةٍ أخرى، السببُ الآخر الذي جعل آيات المسيح تغيب عن اليهود كان ببساطة ’رفضهم‘ قبول تلك الآيات نظرًا إلى أنّهم كانوا أكثر اهتمامًا بكسب قبول واحدهم للآخر من الحصول على قبول الله لهم!

اليهود ليسوا مُضَلَّلين ومتشبِّثين برأيهم الخاطئ أكثر من غيرهم من الشعوب. ومع ذلك، من السهل بالنسبة إلينا أن نجلس ونحكُم عليهم لأنَّ الآيات التي تقول إنّ يسوع كان المسيح قد غابت عنهم. ولكن قبل أن نُشير بأصابعنا إليهم، ربّما ينبغي أن ننظر إلى أنفسنا. أيمكن أن نقول بأمانةٍ وصِدق إنَّنا نعرف ’جميع الكُتب‘؟ ألَسنا، مثلنا مثل اليهود، نقرأ فقط الأسفار التي تُعجبنا والتي نرتاح إليها ونفهمها؟ وألَسنا نستخدم في غالب الأحيان منطقنا البشريّ للحدِّ من قوّة الله في عقولنا؟ أو ألا نرفض حتّى في بعض الأحيان قبول الكتب المقدّسة بدافعٍ من اهتمامنا بما يفكِّر فيه الآخرون أكثر من اهتمامنا بما قاله الله؟

ينبغي أن تكون الطريقة التي فوَّت بها اليهود الآيات بمثابة تحذيرٍ لنا. نحن لا نجرؤ على أن نقصر أنفسنا على قراءة الأسفار التي نعرفها فقط والتي صادف أنّنا نحبّها. نحن لا نجرؤ على الحَدِّ من قوّة الله بمنطقنا البشريّ. ونحن لا نجرؤ على رفض قبول ما تعلِّمه الكُتب المقدَّسة. مزوَّدين بهذه التحذيرات المتعلِّقة بكيفيَّة غيات الآيات المتعلِّقة بالمسيح الآتي عن اليهود، ننتقل الآن إلى فهم مجيء شخصٍ رئيسيّ هو مفتاح كلّ شيء – الخادم.